لطالما ارتبطت دول المغرب العربي عموما والمملكة المغربية خصوصا باللغة الفرنسية، إلا أن تيارا متناميا بدأ يطالب بانتقال المغرب للغة الإنجليزية باعتبارها لغة العلم والاقتصاد بالعالم، ويتجلى هذا التوجه في رئيس وزراء المغرب الذي أبدى ندمه لعدم تعلمه الإنجليزية.

الحسن أبو يحيى-الرباط

على الرغم من أن المسألة اللغوية ظلّت تعكس صراعا ثقافيا في المغرب، فإن الدعوة إلى اعتماد الإنجليزية بدل الفرنسية لغة تعليم ثانية بعد العربية لا تلقى معارضة قوية.   

ويُبرر عبد الحفيظ (43 عاما) رغبته في أن تكون اللغة الثانية التي يدرسها ابنه فيصل في المرحلة الثانوية هي الإنجليزية بدل الفرنسية بقوله "عندما نعلّم أبنائنا الإنجليزية نتكيّف مع وضع سيصبح فيه إتقان الإنجليزية شرطا أساسيا للولوج إلى عدة وظائف مستقبلا". 

ويستدل عبد الحفيظ في حديثه للجزيرة نت بما سبق أن صرّح به رئيس حكومة بلاده عبد الإله بنكيران سابقا عندما قال إن "الفرنسية ليست قدرنا إلى يوم القيامة، وإذا كنا سنختار يجب أن نختار الإنجليزية لأنها لغة العصر ولغة العلم والتجارة، ولا أندم على شيء أكثر من ندمي على عدم تعلم الإنجليزية جيدا".

ومن المعلوم أن النظام التعليمي الحالي في المغرب يعتمد على اللغة العربية منذ المرحلة الابتدائية إلى الثانوية، لكن التعليم الجامعي يصبح باللغة الفرنسية في تخصصات عدة، وهو ما يثير نقاشا واسعا.

همام وصف قرار التحول إلى الإنجليزية بالقرار السيادي (الجزيرة)

مسألة جوهرية
وفي انتظار حسم هذا الأمر من خلال التقرير الإستراتيجي لإصلاح منظومة التعليم الذي يعكفُ عليه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لا يزال الجدل قائما بالمغرب بشأن لغة التدريس التي يجب اعتمادها. 

وبينما يستبعد أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم والتقنيات بفاس سعيد الناجح وجود تداعيات لهذا الجدل على الصعيد التعليمي والسياسي، يرى أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر بأكادير محمد همام أن هذا الجدل مُفيد لأن المسألة اللغوية محورية في بناء الهوية والتنمية.

وقال همام للجزيرة نت إن بعض المستفيدين مما أسماه "غياب التوازن اللغوي في المغرب" يعتقدون أن المغرب حسم خياره لصالح اللغة الفرنسية، بينما أثبتت التحولات الفكرية والحراك الاجتماعي والسياسي في إطار وعي المغرب بذاته المستقلة أن "الخيار الفرنكفوني تتبنّاه فئة قليلة مرتبطة بحبل سري ثقافي وسياسي يمتد في فرنسا".

وفي هذا السياق يقول سعيد الناجح إن الفرنكفونية حاضرة بقوة في المجتمع المغربي لأسباب تاريخية، إلا أن البقاء ضمن هذا الإطار أو الانسحاب منه يبقى قرارا سياديا.

ويؤيد الناجح التوجه نحو الإنجليزية بقوله "يجب أن لا نبقى متخندقين في الفضاء الفرنكفوني، وعلينا توفير المناخ للغة الإنجليزية خصوصا في منظومة البحث والتكوين".

وعبر عن اعتقاده أن "اللغة الفرنسية صارت عبئا على الثقافة المغربية وتضييقا لمجال الانفتاح على شعوب العالم".

عيوش يؤيد تبني الإنجليزية للانفتاح على أسواق العمل العالمية (الجزيرة)

لغة عالمية
غير أن همام حذّر من أن تتحوّل الأجيال إلى فئران تجارب خلال مرحلة الانتقال إلى الإنجليزية بصفة تجريبية عبر أدوات وخطط غير فعالة ومؤقتة تؤدي إلى فوضى لغوية تستفيد منها جماعات وصفها المتحدث بـ"الثورة اللغوية المضادة" من أجل العودة مرة أخرى إلى الفرنسية.

أما الناشط الاجتماعي نور الدين عيوش -وهو الذي سبق أن كان موضوع انتقادات لاذعة من الإسلاميين وعدد من المثقفين بسبب مذكرة رفعها إلى القصر الملكي تتضمن الدعوة إلى اعتماد العامية في التعليم- فيرى أن الإنجليزية لغة تواصل عالمية يمكن أن تمنح المغاربة فرصا كبيرة للانفتاح على أسواق العمل العالمية، مؤكدا "لا يجوز لعاقل أن يدعي عكس ذلك".

وقال عيوش إن السلطات العليا في البلاد والمسؤولين في وزارة التعليم والآباء والصحافة يُجمعون على أن نظام التعليم في المغرب "كارثي"، وأن موضوع اللغة يمكن أن يشكّل حلاّ أساسيا لأزمة النظام التعليمي، وأضاف "يتحتم علينا تبني الإنجليزية لغة أجنبية رئيسية لأن المكاسب ستكون إيجابية على جميع المستويات".

المصدر : الجزيرة