لم يكن دخول الجيش المصري على خط الأزمة السياسية الأخيرة في مصر وعزله الرئيس محمد مرسي جديدا على المؤسسة العسكرية التي خرج من رحمها ثلاثة رؤساء جمهورية حكموا البلاد لأكثر من ستة عقود.

الجيش الذي طالما ردد أنه بين الرئيس والشعب، تفاجأ بخروج ملايين من الشعب المصري في 25 و28 يناير/كانون الثاني يطالبون برحيل رئيس قادم من المؤسسة العسكرية حكم البلاد لثلاثين عاما، وتعهد الجيش -الذي تأخر لأكثر من أسبوعين لإصدار بيان عن ثورة 25 يناير- بحماية المتظاهرين الذين اعتصموا لثمانية عشر يوما حتى تحقق مطلبهم برحيل حسني مبارك.

ولكن مبارك قبل رحيله نقل السلطة وكافة صلاحياته إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تحمل المسؤولية في التعامل مع شارع غاضب رفع  شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، ويعاني من الفقر والبطالة وأزمات اقتصادية متعددة، وتدهور في الخدمات الصحية والاجتماعية.

وكان على الجيش أيضا أن يواجه ويتفاعل مع أحزاب وتيارات سياسية تملك رؤى مختلفة لمستقبل البلاد، وهنا كان الصدام الأول بين الساسة والعسكر الذين أعلنوا نيتهم تعديل الدستور السابق الذي يعود إلى عام 1971 ثم انتخابات برلمانية ورئاسية على أن تتولى المؤسسات المنتخبة وضع دستور جديد للبلاد.

خرج ثلاثة رؤساء من رحم المؤسسة العسكرية حكموا البلاد لأكثر من ستة عقود (الفرنسية)

الدستور والانتخابات
هذه التعديلات وافق عليها أغلبية الشعب المصري في استفتاء جرى في 19 مارس/آذار 2011، لكنها لم ترق "للقوى المدنية والليبرالية" واعتبرتها تصب في خانة التيارات والقوى الإسلامية، ليقوم الجيش بعدها بإصدار إعلان دستوري يتضمن هذه التعديلات التي وافق عليها الشعب.

ولم ينته دور الجيش هنا، إذ رعى حوارا بين الأطراف والأحزاب والتيارات السياسية في محاولات باءت بالفشل للاتفاق على "مبادئ حاكمة للدستور الجديد"، ولكن المجتمعين اتفقوا على قوانين الانتخابات التي أجريت على مراحل عدة.

وفازت القوى الإسلامية -كما كان متوقعا- بالأغلبية بمجلسي الشعب الشورى وشكلت لجنة لإعداد الدستور الجديد لكن القضاء أبطلها، ثم تكفل الجيش بالضغط على الأطراف كافة لتشكيل لجنة جديدة يكون نصف أعضائها من الإسلاميين والنصف الأخر من القوى المدنية، لكنها لم تحظ أيضا بإجماع الساسة في مصر.

وبالتوازي مع الدور السياسي للمؤسسة العسكرية كان الجيش يواجه على الأرض احتجاجات القوى الثورية والشبابية المشككة في نواياه بنقل الحكم لسلطة مدنية منتخبة من الشعب أو محاسبة رموز النظام السابق، كما جرت مصادمات دموية أسفرت عن قتلى وجرحى رفع هؤلاء شعار "يسقط حكم العسكر".

مرسي عين السيسي مكان الطنطاوي بعدما أحال الأخير على التقاعد (الفرنسية)

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة وتلويح الجيش بحل مجلس الشعب (الذي حلته المحكمة الدستورية لاحقا)، دفعت جماعة الإخوان المسلمين بنائب مرشدها خيرت الشاطر إلى الانتخابات الرئاسية، قبل أن تمنعه لجنة الانتخابات من الاستمرار في السباق الرئاسي، لتختار بعدها الجماعة إكمال الانتخابات بمحمد مرسي الذي فاز على أحمد شفيق، أخر رئيس وزراء في حكومة مبارك بفارق ضئيل في جولة الإعادة.

مرسي والسيسي
هذا الفارق الضئيل كشف عمق الانقسام في الشارع المصري وأظهر أن هناك فئات كبيرة من الشعب صوتت لشفيق الذي كان يصنفه الثوار في الميادين ضمن "فلول نظام مبارك"، وقبل أن يسلم الجيش السلطة لمحمد مرسي أصدر إعلانا دستوريا قيد صلاحيات الرئيس.

لكن مرسي أصدر إعلانا دستوريا ألغى فيه إعلان الجيش وأحال رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان إلى التقاعد وعين الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع.

وفي غمرة الانقسام السياسي الذي ساد مصر خلال فترة حكم مرسي، لعب السيسي دورا سياسيا عبر دعوته لحوار برعاية الجيش بين الرئاسة والمعارضة، وصل إلى حد منحه مهلا للقوى السياسية بما فيها الرئاسة للتوصل إلى حلول لخلافاتها، كما حدث في يوينيو/حزيران الماضي، ثم من جديد في مهلته الأخيرة في الأول من يوليو/تموز الحالي قبل أن يعلن بعد يومين عزل مرسي وتعليق الدستور وتكليف رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور بإدارة شؤون البلاد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

المصدر : الجزيرة