خالد شمت-برلين
رغم انتقاد المستشارة أنجيلا ميركل وكبار المسؤولين في حكومتها لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الدولي مع إيران، وتأكيدهم على أهمية الاحتفاظ بهذه الاتفاقية، فإن القاسم المشترك بين مقالات الرأي بكبريات الصحف الألمانية الصادرة اليوم الجمعة هو وصف الاتفاقية النووية بأنها لم تكن مثالية، وأتاحت بإسقاطها العقوبات توسع إيران إستراتيجيا بالشرق الأوسط.
أخبار مقترحة
وتطرقت صحيفة دي فيلت لتداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عبر مقابلة مع رئيس المؤسسة الألمانية للدراسات السياسية والأمنية فولكر بيرتس، الذي توقع مزيدا من عدم الاستقرار بالشرق الأوسط خلال الأيام القادمة، وتعمّق الصدع بين الولايات المتحدة وأوروبا بتأثير إعلان الرئيس الأميركي.
وقال بيرتس -المعروف بعلاقاته بدوائر صناعة القرار في العواصم الغربية- لا أحد حتى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ولا القيادة السعودية يعتقد أن الشرق الأوسط سيصبح أكثر أمانا من دون الاتفاقية النووية الدولية مع طهران، والصدع الحالي بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين -العازمين على التمسك بهذه الاتفاقية- سيزداد تعمقا.
معارضة العقوبات
ورأى الخبير الإستراتيجي الذي لعب دورا استشاريا في صياغة الاتفاق النووي، أن ادعاءات ترامب باستمرار إيران في تطوير قدراتها النووية رغم وجود الاتفاقية نفاه قادة أجهزة الاستخبارات الأميركية أمام الكونغرس قبل أيام، ووصف الاتفاق بأنه "أكبر نجاح للدبلوماسية الأوروبية الأميركية المشتركة، ومثّل رغم عدم مثاليته وسيلة فعالة لتفكيك برنامج إيران النووي".
وتوقع بيرتس استغلال روسيا والصين لعقوبات الولايات المتحدة القادمة على الشركات المتعاونة مع إيران لزيادة مبادلاتهما التجارية مع هذا البلد في المنظور القريب، وفي هذا السياق طالب الاتحاد الأوروبي برفض أي عقوبات جديدة أو إحياء العقوبات القديمة على طهران.
ودعا مدير المؤسسة البحثية الألمانية -الذي ترأس اللجنة العسكرية والأمنية للأمم المتحدة بمفاوضات سوريا– حكومة المستشارة ميركل لمطالبة نظيرتها الإيرانية بوضوح أكثر من أي وقت سابق في وضع نهاية لتسلحها الصاروخي، ونقل صواريخها لجهات أخرى مثل حزب الله، وإيقاف تدخلاتها بالمنطقة.
وخلص إلى أنه يجب على برلين العمل مع شركائها الأوروبيين للحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، في انتظار عودة الولايات المتحدة لانتهاج سياسة بناءة.
وتحت عنوان "على ميركل توضيح كيف ستوقف إيران؟"، كتب كريستوف مارشال في صحيفة تاجسشبيغيل أن كثيرين أغفلوا أن المستشارة الألمانية تتفق مع الرئيس الأميركي في الكثير من الجوانب المتصلة بإيران، وأوضح أن ميركل عبرت خلال زيارتها الأخيرة لواشنطن عن اتفاقها مع ترامب في اعتبار الاتفاق النووي مع إيران بداية تحتاج تحسينات.
وأشار الكاتب إلى أن المستشارة حددت هذه التحسينات في أربعة جوانب، هي تعهد إيران بعدم امتلاك قنبلة نووية أبدا وليس حتى عام 2030 مثلما نصت الاتفاقية، وإيقاف البرنامج الصاروخي لطهران لمنعها من توجيه صواريخ محملة برؤوس نووية إلى إسرائيل أو السعودية أو أوروبا، وإنهاء الممارسات الإيرانية المتمثلة في إرسال المقاتلين لتأجيج الحروب الأهلية بالمنطقة، ودعم الجماعات الإرهابية.
وأشار مارشال إلى أن المستشارة الألمانية تختلف مع الرئيس الأميركي في وسيلة التعامل مع إيران فقط، وأوضح أنه بينما يركز ترامب على الضغط بالقطع والاضطراب، كانت المستشارة تفضل لو أنه اكتفى بالتهديدات وترك الأوروبيين يواصلون مفاوضاتهم مع طهران، وخلص لمطالبة ميركل بتقديم إيضاحات عن سياستها لإيقاف إيران.
ملاحظتان مهمتان
وفي السياق ذاته استهل نيكولاس بوسا مقاله الافتتاحي المعنون بـ"طموحات إيران" في صحيفة فرانكفورتر ألغماينه قائلا إن ما جرى من هجمات متبادلة ليلة الخميس بين إيران وإسرائيل بسوريا كشف ملاحظتين جديرتين بالاهتمام، وهما أن الرد الإسرائيلي الفائق القوة هذه المرة مقارنة بالضربات السابقة مثّل تحذيرا موجها للمتشددين في طهران، وأن عدم اعتراض روسيا طريق الأسلحة الإسرائيلية عكس أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع حدودا لحلفه مع طهران.
ورأى الكاتب أن هذه الهجمات المتبادلة أظهرت أن الاتفاقية النووية لم تحقق نجاحا كبيرا كما يعتقد الكثيرون في أوروبا، لأنها وضعت حدا للطموحات النووية لإيران، لكنها لم توقف توسعها الإستراتيجي في شبه الجزيرة العربية ولا سياستها العدوانية تجاه إسرائيل.
وأوضح أن نقاد هذه الاتفاقية محقين في اعتبارهم أن الفسحة التي أوجدتها بإسقاط العقوبات الاقتصادية، استغلتها إيران في تعزيز مواضع قوتها بالشرق الأوسط.
وأشار بوسيه إلى أن هذا الواقع تم التغاضي عنه طويلا بألمانيا، لأن شركات البلاد رأت في هذه الاتفاقية إشارة بدء للعودة للسوق الإيراني، وخلص إلى أن سيطرة القوميين ذوي التفكير الضيق في كل مكان يجعل من الصعب على الأوروبيين وحدهم الإبقاء على الاتفاق النووي مع إيران.

















