قادت الطبقة السياسية بالعراق نهبا ماليا للمال العام لمدة 13 عاما بحثا عن النفوذ، وعندما بدأت أسعار النفط تنخفض مؤخرا وتؤثر هي الأخرى على موارد الدولة، تلاشت كل الآمال في تحسن الحكم.

هكذا استهلت صحيفة غارديان البريطانية تقريرا لها عن الفساد بالعراق، كما أوردت تصريحات صاعقة لرئيس إدارة مكافحة الفساد بالبلاد مشعان الجبوري قال فيها "الجميع فاسدون من قمة الهرم إلى قاعدته، نعم جميعهم بمن فيهم أنا"، و"لا يوجد حل".

وأضاف الجبوري بحنق "أنا، على الأقل أمين وصادق، لقد عرض عليّ أحدهم خمسة ملايين دولار لوقف التحقيق معه، أخذت المبلغ وظللنا مستمرين في مقاضاته".

يفتخرون بالسرقة
ونقل مراسل الصحيفة في بغداد مارتن شولوف عن الجبوري قوله "صدقني إن قلت لك إن أغلب الأسماء الكبيرة في البلاد مسؤولة عن سرقة كل ثروة العراق تقريبا، أشخاص في قمة هرم السلطة، سيقتلونني إذا لاحقتهم. الناس هنا عندما يسرقون يسرقون علنا، إنهم يفتخرون بذلك، هنا يوجد فيروس، مثل أيبولا، إنه الفساد، لا أمل، آسف لقول ذلك".

مشعان الجبوري:
أنا على الأقل أمين وصادق، لقد عرض عليّ أحدهم خمسة ملايين دولار لوقف التحقيق معه، فأخذت المبلغ وظللنا مستمرين في مقاضاته

وقال شولوف إن جميع الناس في العراق يشعرون بأن بلادهم دخلت مرحلة كل شيء فيها يقود لعدم الاستقرار مثله مثل تنظيم الدولة أو حتى أكثر منه. ونسب إلى أحد كبار رجال القبائل ويُدعى جمال البطيخ قوله إنهم في البرلمان ظلوا طوال الـ12 عاما الماضية يفتحون الميزانية ولا يغلقونها أبدا، ولا توجد حسابات ولا تدقيق.

ونقل عن أياد علاوي نائب الرئيس العراقي الأسبق أن هناك كيانات منظمة للفساد تدير البلاد، بغض النظر عن المليشيات "أقول لك بصراحة، لا توجد سلطة في العراق قادرة على اتخاذ أي خطة ضد الفساد".

فشل كبير
وأورد التقرير أنه وخلال الأشهر الأربعة الماضية حاول بعض كبار المسؤولين العراقيين بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي وبتشجيع من رجل الدين آية الله علي السيستاني شن حملة ضد الفساد، لكنهم فشلوا.

وكان السيستاني، الذي التزم الصمت طويلا، غاضبا في خطبه لصلاة الجمعة، التي يلقيها متحدثا بالنيابة عنه، خلال الأشهر الماضية، إلى أن أوقفها تماما في يناير/كانون الثاني الماضي احتجاجا على الفشل، قائلا "لقد تحدثنا كثيرا حتى بُحت أصواتنا، ورغم ذلك لم يستمع إلينا أحد". وقال علاوي إن السيستاني كان أكثر قوة وأكثر غضبا "إنه يعلم مدى خطورة هذا الفساد".

أما وزير المالية هوشيار زيباري فقد حذّر من أن الحكومة تواجه وضعا أصعب من أي وضع مالي سابق، وقال "بلغنا سقف الدين الداخلي المسموح لنا به، نرغب في التخلص من اعتمادنا على النفط، نرغب في إعداد الناس للتغيير وإجراءات جديدة غير معتادين عليها". وأضاف أنه عرض على السيستاني مطلع الشهر الجاري بالنجف الحسابات المالية الكاملة، وأوضح أن السيستاني كان جادا في إحداث تغيير، كما كان محبطا تماما.

سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم الدولة عام 2014 يُعزى جزئيا إلى أن عدد الجنود بالمواقع العسكرية للدفاع عن المدينة كان في الواقع أقل من الموجود على دفاتر الخدمة والحضور

الأعلى عالميا
وذكر التقرير أن نسبة موظفي الدولة في العراق إلى مجموع السكان هي الأعلى في العالم (سبعة ملايين إلى 21 مليونا)، ويعتقد زيباري بأن كثيرا من الفساد المنظم يكمن هنا، قائلا "مشكلتنا الأكبر هي الجنود الوهميين؛ فهناك ما بين خمسمئة وستمئة مليون دولار تُدفع مرتبات شهرية لجنود لا وجود لهم".

وأوضح التقرير أن مرتبات الجنود الوهميين يأخذها الضباط في الجيش، وفي حالات أخرى يقوم الجنود بإعطاء الضباط نصف مرتبهم مقابل عدم إلزامهم بالحضور للخدمة.

واعترف رئيس أركان الجيش العراقي السابق الجنرال باباكر زيباري -الذي تقاعد العام الماضي- بأن قضية الجنود الوهميين، بالإضافة إلى مناقصات الأسلحة المضخّمة جدا، قد أفسدت القوات المسلحة، وقدّر عدد الجنود الوهميين بثلاثمئة ألف جندي.

وأشار التقرير إلى أن سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم الدولة عام 2014 يُعزى جزئيا إلى أن عدد الجنود بالمواقع العسكرية للدفاع عن المدينة كان في الواقع أقل من الموجود على دفاتر الخدمة والحضور، "ولم تتم محاسبة أحد حتى اليوم".

وقال الجبوري "ضباط الجيش محميون، ونحن نتعقب الأهداف السهلة، لقد دفعنا مليار دولار لطائرات مقاتلة لم تصل أبدا، وفي تكريت هناك ميزانيات لبناء مجمعات لمحاكم لم تبن قط، وكذلك مشاريع الطرق في كل أنحاء البلاد، وميناء أم قصر، ...".

المصدر : غارديان