عاطف دغلس-نابلس
قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي لم يسمع أحدٌ بالشاب غير ذويه والمقربين منه، ليتحول لرمز للنضال بعد ذلك التاريخ، وتحديدا بعد مهاجمته لمستوطنة بركان شمال الضفة الغربية، قتل مستوطنين اثنين وأصاب ثالثا بجروح خطيرة بعد أن أطلق النار عليهم من بندقية مصنعة محليا (كارلو).
وخلال فترة ملاحقته لم يدع الاحتلال وسيلة إلا وافتعلها لاعتقال نعالوة أو اغتياله، فاعتقل جُل أفراد عائلته، واحتجز آخرين وداهم منازلهم وحقق معهم بقسوة وعنف ونصب الحواجز الثابتة والمتحركة، وحوَّل محيط منزل العائلة لثكنة عسكرية وأصدر قرارا بهدمه.

خميس الشهداء
لكن سيرة أشرف أصبحت اليوم "الخميس الدامي" كما أطلق عليه البعض أو "خميس الشهداء" على كل لسان، لا سيما في مخيم عسكر للاجئين حيث تتكدس البيوت وتضيق بساكنيها، وضع الاحتلال نهاية محزنة لنعالوة باغتياله بعد مطاردة طويلة أنهكته ماديا وأحرجته سياسيا على الصعيد الداخلي.
بعد منتصف الليل فاقت هويدا بشكار (أم عمرو) لتتفقد كعادتها أطفالها، وما إن خرجت من غرفتها حتى ضج المكان بصوت انفجار ضخم، حاولت تفحص الحدث لكن جنودا مدججين بالسلاح تتقدمهم كلاب بوليسية ضخمة هاجموا منزلها وزوجها.
تروي هويدا واصفة للجزيرة نت "عنفا" غير مسبوق مارسه الجنود بحقهم، خاصة وأن منزلهم دوهم في السابق واعتقل زوجها وأشقاءه مرات عدة، وتقول إن الكلاب عضَّت زوجها في يده ورجله وسحبته للخارج ناحية الجنود رغم بنيته الجسدية "الضخمة".
"ظل زوجي الذي احتجز معنا ينزف دما بفعل عضة الكلب" تقول هويدا، وتضيف أن الجنود لم يكترثوا واحتجزوه معهم بعد أوثقوا قيده، ليشرعوا بعد ذلك باقتحام بقية شقق البناية "وكنا نسمع أصوات تفجير أبواب المنازل ومطارق الهدم وصوت الرصاص الذي لم يتوقف".

عنف غير مسبوق
بعد وقت قصير اقتاد الجنود الزوج (رائد بشكار) معتقلا وقد أوثقوا قيده وأغلقوا عينيه برباط قماشي، غير آبهين بنزف جرحه بفعل نهش الكلاب، حاولت السيدة استراق النظر إليه عبر النافذة فرأت جنودا آخرين ينقلون "جثمانا مسجى فوق حامل حديدي وقد ووري بالغطاء".
يصف محمد الورد جار عائلة بشكار الاقتحام بأنه "أكثر عنفا" من اجتياح الاحتلال للمخيم عام 2002، ويقول إن مئات الجنود بينهم "وحدات خاصة" داهموا منزل بشكار والمنازل المجاورة واعتلوا أسطحها وتسللوا عبرها للوصول لأشرف.
وبعكس الاقتحامات السابقة لم يصدر الجنود ضجيجا -يضيف الورد- بل حرصوا على تنفيذ مهمتهم "بصمت" وعبر أسطح المنازل القريبة تعلو فوهات بنادقهم "كواتم الصوت".
ويضيف أن الجنود لم يسمحوا لأحد بالاقتراب من منزل عائلة بشكار، وأطلقوا النيران صوب منازل المواطنين الذين حاولوا الخروج لرؤية ما يجري.

معاناة أسرة
في الثالثة والربع فجرا انسحب الجنود مخلفين وراءهم دمارا بمنازل عائلة بشكار، وبدا كل شيء بحالة يرثى لها، بينما أخذ أطفال المخيم الذين تقاطروا للمنزل يجمعون الحطام وفوارغ الرصاص وقنابل الصوت.
وإلى هناك وصلت فيروز شقيقة الشهيد وأقارب لها، تحسست المكان الذي تراه لأول مرة -كما تقول- جيدا لاسيما الغرفة مكان استشهاده، علت الدماء الجدران المثقبة بفعل الرصاص، ليُدل ذلك وبوضوح على حجم العملية وكثافة النيران التي أطلقت.
كانت زوجة نعالوة تحاول تصبير نفسها وعائلة بشكار التي اعتقل أربعة من أبنائها وتقول إن معاناتهم لم تتوقف بعد، فمنزل عائلتها يواجه قرارا بالهدم مطلع الأسبوع القادم، ووالداها وزوجها وشقيقها ما زالوا معتقلين "وكل واحد فيهم قصة مأساة بحد ذاتها".
على خطى الشهيد أحمد جرار سار نعالوة، واختتم البرغوثي نهاية 2018 بعملية أخرى قتل وجرح فيها مستوطنون وجنود إسرائيليون، ليتناغم ذلك وصوت المتظاهرين داخل مخيم عسكر الذي أعلن اليوم الخميس حدادا وإضرابا شاملا ويهتفوا بمسيرة جابت شوارعه "يا أشرف بلِّغ جرار.. قوله (قل له) الحبة (الرصاصة) ببيت النار".
















