عبد الحسين شعبان*

في 15 مارس/آذار 2008 دخل الميثاق العربي لحقوق الإنسان حيز التنفيذ بعد مصادقة العدد المطلوب من الدول العربية عليه على الرغم من وجود مجموعة من الدول وقعت عليه ولم تصادق.

وقد قررت اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان في دورتها الـ36 (من 15 إلى 19 يونيو/حزيران 2014) إحياء اليوم العربي لحقوق الإنسان واختيار موضوع "حرية الرأي والتعبير.. حق ومسؤولية"، ليكون شعار عام 2015، وهكذا بدأت الاحتفالات بهذا اليوم وهي مستمرة طوال العام الجاري، وقد وجدت من المناسب تسليط الضوء بهذه المناسبة على مسألة عدم المساواة والتمييز التي تشكل جوهر انتهاكات حقوق الإنسان وتعارضاتها مع المعايير الدولية.

مر الميثاق العربي لحقوق الإنسان بمراحل متعددة، فقد بوشر بالإعداد له من عام 1971 بعد أن تشكلت اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان في عام 1968 تحضيرا لمؤتمر طهران العالمي لحقوق الإنسان واستجابة لنداء الأمم المتحدة، وقد انصب اهتمامها طوال حياتها بالقضية الفلسطينية تحديدا، وهو ما طبع أغلبية اجتماعاتها وأعمالها وتوجهاتها.

يذكر أن جامعة الدول العربية -التي احتفلت بعيد تأسيسها السبعين كمنظمة إقليمية دولية- لم تأت على ذكر حقوق الإنسان مصطلحا أو دلالة أو اسما في ميثاقها الذي سبق ميثاق الأمم المتحدة بنحو ثلاثة أشهر، حيث تأسست الجامعة في 22 مارس/آذار 1945 في حين أن الأمم المتحدة تأسست في 26 يونيو/حزيران من العام ذاته.

وإذا كانت قاعدة حقوق الإنسان وردت سبع مرات في ميثاق الأمم المتحدة من الديباجة إلى المادة الأولى والمادة الـ55 ومواد أخرى أساسية فإن هذه القاعدة لم تصبح آمرة وملزمة إلا في عام 1975 بمؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي حين أقرت كقاعدة مستقلة لها علوية على أسبقية قواعد القانون الدولي، لأنها قاعدة محورية تندرج في جميع القواعد الأخرى، لكن تطبيقاتها تعطلت بسبب ظروف الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب وانقسام العالم إلى كتلتين أساسيتين، هما الرأسمالية والاشتراكية.

ما زال ميثاق الجامعة يخلو من أي إشارة إلى حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تعديل جوهري يتعلق بالقواعد الآمرة بما له علاقة بتطور فقه القانون الدولي المعاصر

فراغ
ما زال ميثاق الجامعة يخلو من أي إشارة إلى حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تعديل جوهري يتعلق بالقواعد الآمرة بما له علاقة بتطور فقه القانون الدولي المعاصر، ناهيكم عن التطور الخاص في ميدان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بما يستجيب للتطور القانوني والدستوري على هذا الصعيد مثلما يحتاج الميثاق إلى إعادة النظر بنظام التصويت ومبدأ الإجماع وغير ذلك.
عملت اللجنة الخاصة بإعداد ميثاق عربي لحقوق الإنسان نحو 23 عاما لإعداده، وكانت تنام وتستيقظ وتتحرك وتدخل في سبات حتى تحقق الإعداد للميثاق الأول عام 1994، لكن الميثاق بصيغته الأولى لم يرتق إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية، كما أنه لم يدخل حيز التنفيذ بسبب تحفظات عدد من الدول العربية عليه، تلك التي لم توقع عليه أساسا أو أنها وقعت لكنها لم تصدق عليه، وهكذا ظل الميثاق عائما، بل دخل غرفة العناية المشددة حتى قبل أن يرى النور.

وبعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية والتطورات العديدة التي شهدتها دول أمريكا اللاتينية وبعض البلدان الآسيوية والأفريقية بدأت تتخلخل الصورة القديمة للمجتمع الدولي حيث ارتفعت مسألة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والإقرار بالتعددية والتنوع لتأخذ الصدارة والأولوية، وأصبح معيار تقدم أي بلد يقاس بمدى اقترابه أو ابتعاده عن حقوق الإنسان وبسبب ظروف دولية وداخلية أعيد النظر بموضوع الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

جرت محاولات عديدة لوضع صياغات جديدة، ولا سيما بعد انهيار نظام القطبية الثنائية والتغييرات التي شهدتها العلاقات الدولية، وبسبب مطالبات العديد من منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني أعيد النظر في الميثاق، وتشكلت لجنة خبراء لتشارك في إعداده وتوصلت جامعة الدول العربية إلى صياغات جديدة أكثر قربا من المعايير الدولية، وأكثر انسجاما مع التطور الدولي في ميدان حقوق الإنسان، وإن كان بعضها يحتاج إلى إعادة قراءة ومراجعة لتكييفها مع التطورات الدولية في هذا الميدان، سواء ما يتعلق بحقوق المرأة أو حقوق الطفل أو حقوق اللاجئين أو قضايا التعذيب أو حق التعبير أو حق تشكيل الجمعيات أو حق الاعتقاد أو الحق في المشاركة السياسية.

والأمر يحتاج إلى تأكيد على مبدأ المساواة التامة وعدم التمييز لأي سبب كان، باعتباره ركنا أساسيا من أركان الدولة العصرية.

إن مفهوم التمييز يتسع ليشمل المشكلات المرتبطة بالتنوع الثقافي والديني والإثني والسلالي واللغوي وغير ذلك بما يتعارض مع القيم الإنسانية المتعارف عليها دوليا والتي تتعلق بالمساواة والكرامة والحرية والمشاركة والعدل التي تكفلها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، إذ لا ينبغي مساءلة الفرد لانتمائه إلى مجموعة أو فئة دينية أو عرقية أو على أساس النوع والجنس والعمر والمستوى الاجتماعي والإعاقة الذهنية أو البدنية أو غير ذلك من مظاهر التمييز.

ولعل هناك ثلاثة مستويات للتمييز، أحدها الفردي ويتعلق بسلوك أفراد أو مجاميع من الأفراد إزاء فرد آخر أو مجموعة من الأفراد للاعتبارات الوارد ذكرها أعلاه.

وثانيها المؤسسي، وهو قيام مؤسسات للتمييز على أسس تتعلق بالدين أو العرق أو النوع أو غير ذلك من أسباب التمييز إزاء الآخر لاعتبارات الاختلاف، وثالثها التمييز الهيكلي الذي ينجم عنه بشكل غير مباشر ممارسات وسياسات تؤثر على فرد أو مجموعة من الأفراد لأسباب تتعلق بالاختلاف الديني أو القومي أو النوع أو لأي اعتبارات أخرى.

وفي تلك الممارسات مخالفة صريحة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان، حيث أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948 في مادته الأولى على أن جميع الناس يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وهي حقوق شاملة وغير قابلة للتصرف أو التجزئة أو الانتقائية لأي سبب.

وذهبت إعلانات واتفاقيات الأمم المتحدة لمنع التمييز إلى تأكيد مبدأ المساواة وعدم التمييز، كما نص عليه الإعلان العالمي لعام 1963 للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله، وهو ما ذهبت إليه الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 1979، وهو ما ذهب إليه "إعلان حقوق الأقليات" الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1992، علما بأن مصطلح الأقليات يستشف منه الانتقاص من مبدأ المساواة في الحقوق.

وقد سبق لنا أن أبدينا تحفظات بشأنه واقترحنا بديلا منه مصطلح المجموعات الثقافية أو التنوع الثقافي، والديني أو والإثني أو غير ذلك بما يستجيب لمبدأ المساواة بغض النظر عن العدد والحجم، وذهب إعلان حقوق المعوقين لعام 1975، وإعلان القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد لعام 1981 باتجاه تأكيد مبادئ المساواة وعدم التمييز.

واعتمد المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري والإرهاب من الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب عام 2001 المنعقد في ديربن (جنوب أفريقيا) برنامجا وإعلانا أكد على التزام الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني بما فيها المنظمات غير الحكومية بالعمل معا لاستئصال العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، وكان ذلك بمثابة خارطة طريق توفر أرضية لعمل مشترك لتحقيق عدم التمييز وصولا للمساواة المنشودة.

تحددت خطة عمل عربية على صعيد التربية على حقوق الإنسان بعد دخول الميثاق حيز التنفيذ ولمدة خمس سنوات (2009-2014) لكن نتائجها حتى الآن محدودة، بل لا تكاد تذكر

تربية حقوقية 
وقد أدانت نحو ثلاثة آلاف منظمة للمجتمع المدني في هذا المؤتمر ممارسات إسرائيل ودمغتها بالعنصرية والتمييز، كما نص "إعلان حقوق الشعوب الأصلية" الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2007 على مبادئ عدم التمييز والمساواة في الحقوق.

يذكر أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان أكد على عدم التمييز بسبب العرق أو اللون أو النوع أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو الإعاقة البدنية أو العقلية، وهو أمر سليم وينسجم مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كما أكد التحديث الأخير له على مسألة مناهضة التمييز ضد المرأة وهو التمييز الأكثر انتشارا في عالمنا العربي، وإن كانت العديد من البلدان العربية والإسلامية التي وقعت على اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة عام 1979 قد تحفظت على بعض موادها، علما بأن الاتفاقية تشترط التعامل معها كنص كامل دون تجزئة.

وقد تحددت خطة عمل عربية على صعيد التربية على حقوق الإنسان بعد دخول الميثاق حيز التنفيذ ولمدة خمس سنوات (2009-2014) لكن نتائجها حتى الآن محدودة، بل لا تكاد تذكر في حين تستشري ظاهرة التمييز وتتفشى على نحو شديد مصحوبة بأشكال جديدة من عدم المساواة، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة النظر بالمناهج وتنقيتها ووضع آليات جديدة فعالة ومنسجمة مع التطور الدولي لنشر ثقافة حقوق الإنسان والتسامح والاعتراف بالآخر والحق في الاختلاف.

وتلك هي جزء من الخطة الثانية التي تقرر اعتمادها، ولكن هذه الأخيرة هي الأخرى واجهت صعوبات كبيرة بسبب الانقسام الطائفي الذي شهده العام العربي، فضلا عن انتشار أفكار التطرف والتعصب والغلو، تلك المتمثلة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأخواتها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى بيئة جديدة للقضاء على الفقر والأمية والتخلف ووضع تشريعات جديدة ومراجعة التشريعات القائمة لتطبيق المعايير العامة لحقوق الإنسان من خلال مؤسسات تمثيلية معتبرة يستطيع أن يلعب فيها المجتمع المدني والإعلام دورهما الإيجابي على هذا الصعيد في إطار حملة شاملة ضد التمييز ومن أجل مبادئ المساواة، باعتبارها ركنا أساسيا للدولة العصرية.

ولعل البدء بخطوات عملية على هذا الصعيد سيكون الاحتفال الحقيقي باليوم العربي لحقوق الإنسان.

ــــــــــــــــــــ
*باحث ومفكر عربي

المصدر : الجزيرة