بدأ الخلاف بين الدوحة وأبو ظبي خافتا، منصبا على قضايا سياسية خارجية، لينتقل فجأة لقضايا تمس حريات المواطنين وحقوقهم في خضم توجه لأبوظبي منعت بموجبه شيوخا ومفكرين خليجيين بارزين من دخولها، واعتقلت مواطنين إماراتيين ومصريين وسوريين، وطردت بموجبه طلابا كويتيين.

محمد غلام-الدوحة

انتقل الخلاف بين الدوحة وأبو ظبي بسرعة من الأروقة المغلقة للدبلوماسيين إلى فضاءات الإعلاميين المفتوحة، ليجد المواطنون أنفسهم فجأة وقد اكتووا بنيرانه بعد الإعلان عن خبر اعتقال قطريين في أبو ظبي مشفوع باتهامات بتعذيبهما، وتعضد ذلك تقارير دولية حديثة تحدثت عن انتهاكات حقوقية خطيرة هناك.

السلطات القطرية أعلنت أنها كلفت سفيرها بالإمارات للاستفسار عن مصير المواطنَين حمد علي الحمادي ويوسف عبد الصمد الملا، اللذين اعتقلا بمركز الغويفات الحدودي الإماراتي السعودي في 27 يونيو/حزيران الماضي.

وأكد مدير تحرير صحيفة العرب عبد الله العذبة في تصريح للجزيرة نت تعرض القطريين للتعذيب، مستندا إلى معلومات موثوقة من داخل الإمارات تأتي في ظل "انتهاكات حقوقية تمارسها أبو ظبي بحق مواطنيها وأعداد متزايدة من المصريين والسوريين".

 عبد الله العذبة: أبو ظبي تمارس الاختطاف بحق القطريين عند المنافذ (الجزيرة)

اختطاف بالمنافذ
وحمل العذبة بشدة على سياسة أبو ظبي التي اتهمها بممارسة الاختطاف ضد القطريين عند المنافذ والمطارات "لأنها لا توافق الدوحة في مواقفها بالسياسة الخارجية".

وكانت صحيفة الخليج الإماراتية قد أفادت بإلقاء القبض على "عناصر استخباراتية قطرية تعمل على أرض دولة الإمارات ويتم التحقيق معها حاليا".

ويسخر العذبة من تلك التهمة ومن اتهامات مماثلة أوردتها غولف نيوز الإماراتية، ذكرت أن الشابين كانا في رحلة للإمارات لإعادة بناء هياكل حركة الإصلاح الإماراتية والتنسيق مع القاعدة، وهي اتهامات يصفها بالسخيفة.

أما الكاتب القطري عبد العزيز آل محمود، فينعت سلوك أبو ظبي بأنه "مرحلة متقدمة من الخبل السياسي"، ويقول إن سياسة أبو ظبي تحركها دوافع "مبهمة وغير مفهومة". ويوضح أن اعتقال القطريين "عملية ابتزاز لتغيير مواقف قطر من الربيع العربي ومن الانقلاب في مصر".

ويشير العذبة إلى مسألة "التعذيب النمطي" في الإمارات، ويلفت إلى ما تعرض له مواطن قطري آخر يقبع حاليا بسجون أبو ظبي هو الطبيب محمود الجيدة الذي "عذب لانتزاع اعترافات منه ومنعت منظمة العفو الدولية من حضور محاكمته". وقد وصفت المنظمة الحقوقية البارزة الحكم الصادر بسجنه لمدة سبع سنوات بأنه "جائر"، ويمثل "مهزلة".

سلوك أبو ظبي مرحلة متقدمة من الخبل السياسي، وسياستها تحركها دوافع مبهمة وغير مفهومة

خوف الأبناء
ويروي ابنه حسن قصة التعذيب هذه، ويؤكد أن نساء العائلة هن فقط اللائي يمكنهن زيارة الجيدة بينما أبناؤه باتوا يخشون الاعتقال بعد أن احتجزت السلطات الإماراتية أحدهم وعذبته عقب حضوره إحدى جلسات المحاكمة، على حد قوله.

وفي المقابل، يرى رئيس تحرير موقع 24 الإخباري علي بن تميم في تصريحات صحفية أن الحديث عن عمليات تعذيب للقطريين "غير حقيقي وغير منطقي وليس أكثر من اتهامات مرسلة".

ويشير بن تميم إلى أن هناك حديثا عن أن القطريين الموقوفين "يعملان بأجهزة الاستخبارات، وأن أحدهما ذو رتبة رفيعة". ويشير إلى أن مواقف أبو ظبي "معروفة في مجال حقوق الإنسان ويشهد بها الجميع".

تقارير دولية
لكن ذلك "الجميع" ليست من ضمنه بالتأكيد منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اللتان دأبتا على إصدار تقارير حقوقية مؤخرا تنتقد أوضاع حقوق الإنسان بأبوظبي. ففي تقرير لها مطلع يوليو/تموز الجاري قالت العفو الدولية إن تسعة من إصلاحيي الإمارات السلميين -ومن ضمنهم محامون وحقوقيون بارزن- عذبوا بشكل وحشي بأحد سجون أبو ظبي رغم انقضاء سنة على إخضاعهم لمحاكمة جائرة". ودعت إلى الإفراج عنهم "فورا".

العفو الدولية دعت قادة العالم إلى استخدام نفوذهم مع سلطات أبوظبي لضمان الإفراج عن جميع سجناء الرأي واحترام حقوقهم

انتهاكات خطيرة
وطالبت المنظمة دول العالم بألا تعطي الأولوية لمصالحها التجارية مع أبوظبي على حساب حقوق الإنسان، وألا تتغاضى عن "الانتهاكات الخطيرة" هناك، ودعت قادة العالم إلى أن "يستخدموا نفوذهم مع سلطاتها لضمان الإفراج عن جميع سجناء الرأي واحترام حقوقهم".

ووفق المنظمة، بلغ إجمالي عدد من حاكمتهم المحكمة الاتحادية العليا 94 ناشطا "في حادثة غير مسبوقة شكلت بداية سلسلة من المحاكمات بالغة الجور".

وفي محاكمة أخرى خضع لها عشرة معتقلين آخرون، وصف المدعى عليهم كيف "تعرضوا للضرب المبرح وعلقوا بالمقلوب ونتفت لحاهم وشعر صدورهم وخلعت أظافرهم، وكيف عُرضوا للضوء الساطع باستمرار ليل نهار، وهددوا بالصعق بالصدمات الكهربائية وبالاغتصاب والقتل"، وفق تقرير للمنظمة.

وفي تقرير آخر لهيومن رايتس ووتش صدر مؤخرا، قالت المنظمة الحقوقية إن أبو ظبي "خنقت حرية التعبير وأخضعت المعارضين لمحاكمات من الظاهر أنها غير عادلة وتشوبها مزاعم ذات مصداقية عن التعذيب".

ووفق سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة التي منعت من زيارة الإمارات مطلع العام الحالي، فإن "قوانين الإمارات القمعية ونظامها القضائي المهلهل يعملان على تكذيب جهود الحكومة لتقديم البلاد في صورة الدولة المعتدلة التقدمية".

وإضافة إلى سلسلة من الاعتقالات التي ضمت نحو مائة إمارتي، تعرض عدد من المصريين مؤخرا لعمليات إخفاء بأبوظبي، كما لوحق سوريون بتهمة دعم ثورتهم، ومنع شيوخ وسياسيون ومفكرون خليجيون بارزون من دخول الإمارات، وطرد بموجب تلك الحملة طلاب كويتيون من أبوظبي.

المصدر : الجزيرة