طيلة شهر رمضان يأخذ موقع الجزيرة نت زواره في رحلة مع عدد من الكتاب والمبدعين العرب، لتعرُّف طقوسهم في الإبداع والكتابة، وعلى قراءاتهم في شهر الصيام. كما يرحل بهم إلى صفحات من طفولة بعض الكتاب وما علق من تلك المرحلة في ذاكرة صاحبه.

في الحلقة الأولى يسافر بنا الكاتب والصحفي الإريتري حجي جابر (1976) إلى طفولته في مدينة جدة السعودية بعيدا عن وطنه الأم وإلى أجواء رمضان وطقوسه في بيت الأسرة بحي النزلة اليمانية.

لا يخفي صاحب روايتي "سمراويت" و"مرسى فاطمة" و"لعبة المغزل" أنه يتجنب الكتابة في رمضان في مسعى "لامتصاص الحالة الروحية والوجدانية العميقة" التي تصاحب شهر الصيام ويتطلع إلى أن تتجلى في مشاريعه الإبداعية لاحقا.

ولتحقيق ذلك ينصرف الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2012 إلى كتب التراث والتصوّف التي تظل في أيام العام الأخرى بعيدة نسبيا عن اهتماماته.

وفي ما يلي ورقة من الكاتب حجي جابر ردا على عدد من أسئلة الجزيرة نت حول تفاعل الكتاب العرب مع شهر رمضان إبداعا وقراءة واستعادة للطفولة. 

لا يأتي شهر رمضان إلا ويستصحب معه أجواءه الخاصة تلك التي زرعتْ في الوجدان منذ الصغر. نشأتُ في جدة التي جئتها صغيرا رفقة عائلتي هربا من الحرب المستعرة في إريتريا على الضفة الأخرى من البحر الأحمر.

ولرمضان في جدة بالطبع مذاقه المختلف، المدينة التي لا تنام، وفي كل شارع فيها تنبض طقوس الشهر الفضيل ليلا ونهارا، غير أن عائلتي كانت حريصة على جعل بيتنا الصغير في حي النزلة اليمانية جنوب المدينة، وطنا مصغرا يحاكي الوطن الغائب، بدءا من مائدة الإفطار التي تتسيدها أطباق إريترية "كالزِقني"، وليس انتهاء عند "الجَبَنة" وهي القهوة المحلية التي تتحلق حولها العائلة بعد الإفطار وقبيل الإمساك، في طقس يندر تجاوزه.

لا تُعد "الجَبَنة" إلا سيدة البيت، وهي هنا الأكبر سنا، فكانت جدتي تحمص حبات القهوة ثم تمر بها علينا كي نتنشق دخانها قبل أن تعود لإتمام عملها. ولعل الإريتريين هنا يسجلون سابقة في مدى عشقهم للقهوة. ورغم حرماني في صغري من تذوق القهوة فقد كان الطقس بمجمله فرصة لسماع الحكايات، كانت إريتريا تتمثل أمامي بمدنها وشوارعها وإنسانها المحب للحياة رغم كل ما عاناه. في جلسات "الجبَنَة" تشكلت ذاكرتي ووجداني، ولعلي أزعم أن تلك الأجواء العامرة بالحكايات في الطفولة المبكرة، كانت الأرضية التي يستقر عليها كل مشروعي الكتابي حاليا.

حنين للماضي
كذلك كانت ذاكرة جيلي ومن سبقني تحتفظ في الغالب بمشهد رمضاني بكامل تفاصيله. هذا المشهد على بساطته مؤثث بالحنين لكل جميل وقد غدا من الماضي للأسف. كنا بمجرد الانتهاء من الإفطار نتحلّق كعائلة صغيرة حول برنامج قصير المدة لا يتجاوز الدقائق العشر، يظهر فيه شيخ شامي باسم يرتدي ثوبا وغترة بيضاء في الغالب، وأحيانا حمراء.

من خلفه لوحة لأحد المساجد، وأمامه على الطاولة ميكروفون وآلة تسجيل وسلة فواكه اصطناعية، وساعة يد ونظارة سميكة بإطار أسود. كنت قد بدأت مشاهدة البرنامج قبل أن يكتمل وعيي بما كان يقال، إلى أن أصبحت أحد الشغوفين بأحد أشهر البرامج حينها "على مائدة الإفطار" للشيخ السوري الجليل الفقيه العلامة والأديب الأريب علي الطنطاوي رحمه.

قوبل البرنامج بمحبة جارفة من المشاهدين وأنا منهم، فقد كان الطنطاوي يتحدث معنا وليس إلينا، كان يشركنا في أفكاره وهواجسه ولم يكن يعظنا، كان يقول لنفعل كذا وليس افعلوا كذا.

الآن خفتت كثير من تلك الطقوس الرمضانية في عائلتنا بسبب تفرق الأحبة، وبقي الحنين إليها يشده هذا المرور الرمضاني كل عام. ومع هذا ثمة محاولات لاستقبال رمضان وقضائه بشكل مختلف، وهذا يتجلى بدرجة أكبر في اهتماماتي للقراءة، فأنحو أكثر باتجاه كتب التراث والتصوف، وهي التي تأخذني عنها طيلة العام اهتماماتي بالأدب ومجال الرواية على وجه الخصوص.

قبيل رمضان عادة أجتهد في إعداد قائمتي للقراءة الخاصة بهذا الشهر، ففي قائمتي الحالية وضعت كتاب "ابن عربي.. سيرته وفكره" لكلود عدّاس، و"جلال الدين الرومي.. صائغ النفوس" لإحسان الملائكة، و"تأريخ الموريسكيين.. حياة ومأساة أقلية" لأنطونيو دومينغث أورتيث وبيرنارد فانسون، و"مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة" لجورج طرابيشي، و"بين روما ومكة.. البابوات والإسلام" لهاينز يواكيم فيشر، و"الفضائل الموسيقية" لفوزي كريم، و"روح الموسيقى" لسمير الحاج شاهين، و"البابوات.. أسياد على السماء والأرض" لمجموعة من الباحثين، و"كلمات الصوفية" للسهروردي.

صفاء روحي
ولعلي أرجو من قائمة العناوين هذه أن تحقّق ما أرنو إليه من ميل إلى التأمل والصفاء الروحي والبحث عن قراءات جديدة للتراث بعمومه. ولهذا أتجنب عادةً الكتابةَ في رمضان، يبدو الأمر وكأني أحاول طاقتي استغلال هذا الوقت لامتصاص الحالة الروحية والوجدانية العميقة التي تصاحب هذا الشهر، على أمل أن تتجلى في مشاريعي الإبداعية لاحقا.

رمضان كذلك يتيح لي الالتقاء بالأصدقاء في أمسيات نحاول فيها جاهدين أن تترك الحديث في السياسة جانبا، ونلتفت إلى الأدب والتراث والفنون، ومن تجربة الأعوام الماضية أزعم أني محظوظ بثلة أصدقاء من مشارب شتى بإمكانهم أن يثروا الحديث بجمال في مجالات مختلفة. فالمقهى الذي يلم شتاتنا في الدوحة حيث أقيم حاليا، يحضره عادة من ينتسب إلى الأدب والصحافة والموسيقى والطب والمسرح، فيتحوّل كل لقاء إلى جلسة سمر رمضاني يصعب تفويتها.

ومع هذا، فحين أفكر في رمضان يشغلني سؤال عما يعنيه هذا الشهر لأبنائي، وعما سيصمد منه في ذاكرتهم حين يكبرون. أقول هذا وأنا أرى كيف يمر الشهر ممتلئا بكل ما هو آني وطارئ وشديد الضمور معرفيا وترويحيا على مستوى الشارع من جهة أو وسائل الإعلام التي تقضي العائلة أمامها وقتا طويلا، من جهة أخرى. رغم كل شيء كنا جيلا محظوظا، خرجنا إلى الشارع، وأتيح لنا مشاهدة برامج تلفزيونية رفيعة المستوى، وهو ما لا يحدث لغالبية هذا الجيل، فيما أظن.

المصدر : الجزيرة