المخرج الراحل كريستيان غازي انخرط في المقاومة الوطنية بلبنان فدائيا وسينمائيا (الجزيرة)
علي سعد-بيروت
 
ليس كريستيان غازي كباقي مخرجي عصره، فالرجل الذي تعرف على القضية الفلسطينية في سن مبكرة تمرد على الفرنكوفونية التي نشأ عليها في المدرسة اليسوعية، وقد آثر المخرج المولود لأب لبناني وأم فرنسية الانخراط في المقاومة حتى النهاية.
 
حمل الراحل كاميرته في يد والبندقية في اليد الأخرى، وآخى الفدائيين ليطبع بالممارسة أسلوب حياة خاصا به، ويكشف عن مهارات سينمائية ذات طابع مميز وظفها لصالح القضية وبات رائدا في السينما "غير التجارية".
 
كتّاب كثيرون لم يأتوا على ذكره منذ رحيله الأربعاء الماضي، وكـ يوم رحيله الهادئ ووري أمس الثرى إلى مثواه الأخير، مسدلا الستار على مسيرة 79 عاما، لكن معظم هؤلاء معذورون، فالحرب الأهلية اللبنانية -التي أراد تخليد وجهها البشع بمشاهد حقيقية نجح في التقاطها- أصابته بنيرانها فأحرقت مليشياتها ما يقرب من 48 فيلما وثائقيا قام بإنتاجه، كما أحرق المكتب الثاني (جهاز الاستخبارات العسكرية اللبنانية) 12 فيلما.

لم يبق له من مسيرة النضال سوى فيلم "مائة وجه ليوم واحد" الذي أنتجه عام 1970، واحتفظت المؤسسة العامة للسينما في سوريا بنسخة منه بعدما نال الشريط جائزة لجنة التحكيم في مهرجان السينما البديلة في دمشق عام 1972.

عبيدو باشا: أعمال الراحل ارتبطت بمفهوم النضال على الصعيدين اللبناني والفلسطيني (الجزيرة)

مثقف عضوي
عارفوه والمقربون منه يأسفون لهذا الرحيل. ويقول الكاتب والمسرحي عبيدو باشا للجزيرة نت، إن رحيل غازي يضيء على حياة مثقف عضوي حقيقي ارتبطت أعماله بمفهوم النضال على الصعيدين اللبناني والفلسطيني، وركز على مهجري الحرب اللبنانية والمهجرين الفلسطينيين، ولكن في آخر أيامه تحول لشخص محتاج يعيش "يوما بيوم" دون أن ينظر إليه أحد، فودع الدنيا وحيدا في مكان متواضع في شارع الحمرا.

ويصف عبيدو الراحل بـ "مارجينال الثقافة اللبنانية" الذي عمل في السينما لينتج أفلاما خالدة مثل "مائة يوم لوجه واحد" نتاج راديكالي بينه وبين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، و"الفدائيون" الذي وصفه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالهزيمة الكبرى، كما أضاء أعمدة المسرح في لبنان بمسرحية "أعرب ما يلي".

من جهته، يقول الباحث الفلسطيني صقر أبو فخر -الذي عرف غازي منذ أوائل السبعينيات- إن المخرج الراحل كان ثوريا قبل أن يكون شاعرا وسينمائيا، واستخدم السينما للتعبير عن ثوريته، وأغرم منذ شبابه بالثورات العالمية من أجل العدالة الإنسانية.

ويضيف للجزيرة نت أن القضية الفلسطينية خسرت برحيله صديقا ملتصقا بها، وهي الآن تشيخ لأن كل الذين رافقوها في النضال يرحلون اليوم الواحد تلو الآخر.

وكشف أبو فخر عن فيلم أنتجه الراحل في بغداد في السبعينيات وتقرر عدم عرضه عندما كانت توضع اللمسات الأخيرة عليه لأسباب لا زالت مجهولة، مضيفا أن الحصول على نسخة من هذا الفيلم الذي لم يضع اسما له سيكون قريبا.

كان غازي من جيل اليسار العالمي الذي اعتقد أن الثورة الاشتراكية قادمة إلى العالم كله

كريستيان الشاعر
ولم يكتف غازي بالسينما وحاول التعبير عن رأيه في قصائد بالفرنسية، فأصدر ثلاثة دواوين بعنوان "Poetique 1,2,3" وديوانا آخر عبارة عن قصيدة طويلة، وخاض غمار الغناء الأوبرالي بالإيطالية والألمانية والفرنسية. كما جرّب التمثيل في أفلام قليلة أهمها "المرابون".

ويضيء عبيدو على الخليط الثقافي الذي يجمعه غازي بين والده الضابط بالجيش اللبناني والذي دخل فلسطين وحارب عصابات الهاغانا عام 1948، وبين أمه الفرنسية التي أورثته الكثير من فرانكوفونيتها، فأنبتت الثقافتان هذا الشخص المتمرد الذي عاند الثقافة الرسمية اللبنانية، وشكل خطا ثقافيا خاصا به.

لكن غازي العنيد سحقته الأيام سحقا حتى الموت (كما يقول أبو فخر) الذي يؤكد أن هذا السينمائي الصامت -على عكس نظرائه الذين يحبون الصخب والشهرة- عاندته ثلاثة أحداث عصيبة مرت عليه هي: إحراق أفلامه، ووفاة زوجته الممثلة ورفيقة نضاله مادونا غازي، وانهيار حلمه الثوري.

كان الراحل من جيل اليسار العالمي الذي اعتقد أن الثورة الاشتراكية قادمة إلى العالم كله. ويأسف أبو فخر لأن "غازي كان من أعمق الناس تفكيرا في عالم السينما وأقلهم حظا... هرم بسرعة وعاش أيامه الأخيرة كأنه يسير نحو الموت".

المصدر : الجزيرة