أسيل جندي-القدس
رغم بلوغها من العمر 94 عاما، فإن المسنة المقدسية زينب درويش لا تزال تستذكر حرب عام 1967 وتأبى تفاصيلها مغادرتها.
وقد حرصت المسنة المقدسية على أرشفتها بدقة في ذاكرتها، وخاطت أحداثها بخيط قوي واحد يشهد على وقائع مأساوية مرت بها القدس والمقدسيون آنذاك.
ومما تذكره من تفاصيل حرب النكسة (حرب الأيام الستة) أنها اندلعت في تمام الساعة 8:45 من صباح يوم الاثنين الخامس من يونيو/حزيران 1967، حين هاجمت إسرائيل كلا من الأردن ومصر وسوريا.
وفي اليوم الثالث من الحرب، احتلت القوات الإسرائيلية شرقي القدس، ووصلت في العاشرة صباحا إلى حائط البراق، ثم سيطرت تماما على المدينة مساء.
بدأت أخبار الحرب تتوارد إلى المقدسيين عبر المذياع، واعتقد كثير منهم أن مجازر ستنفذ بحقهم إذا ما قرروا البقاء في منازلهم، فقرروا الخروج منها بشكل جماعي ومن بينهم عائلة المسنة زينب درويش في بلدة العيسوية شرقي القدس.
ذعر فنزوح
"اعتقدنا أن مصيرنا سيكون كأهالي قرية دير ياسين.. وخوف والدي علينا دفعه لاتخاذ قرار بترك المنزل واللجوء إلى مكان أكثر أمنا، فنزح الكثير من أهالي البلدة (العيسوية) مع دوابهم إلى منطقة مغاير الضبعة على أطراف البلدة الممتدة إلى منطقة الخان الأحمر".
مكثت ليلتين في تلك المغارات مع العشرات، قبل أن يرسل إليهم مخاتير العيساوية (وجهاء البلدة) رسائل مع الشبان بضرورة عودة جميع الأهالي إلى منازلهم.
وتذكر أن الجيش الإسرائيلي كان ينادي بمكبرات الصوت في كل شوارع البلدة "يا بقر عودوا أنتم والبقر"، في إهانة صارخة بتشبيه الفلسطينيين بالأبقار والأغنام التي حرصوا على اصطحابها معهم في رحلة النزوح.
بين إجابة وأخرى تحرص زينب على تكرار جملة لا تنطقها شفاهها فقط، بل آمنت بها، فتقول "أنا عمري أكبر من عمر الاحتلال الإسرائيلي.. عند أول احتلالهم لفلسطين كنت أبلغ من العمر 24 عاما، وإن لم يكتب لي الله عمرا لأشهد انتهاء حقبتهم، فسيشهد أبنائي وأحفادي على ذلك لا محالة".

أما محمد عليان (74 عاما) فقد نبش ذاكرته وروى للجزيرة نت بعض ما عاشه عام النكسة، قائلا إن جيش الاحتلال تمركز عند الجامعة العبرية الجاثمة على أراضي العيساوية، وبدأ من هناك إطلاق النار، وأصيب حينها شاب، بينما فقدت آثار شاب آخر ما زال في عداد المفقودين حتى اليوم.
وقد نزح مع عائلته إلى "مغارات الضبعة" أيضا، وعند وصول جزء منهم إلى المنطقة تذكرت والدته أنها نسيت طفلها الرضيع في المنزل، فعاد محمد لجلبه ولم يجده، وقال له أحدهم بالطريق إنه شاهد شقيقته تحمل شقيقهما الرضيع إلى الكهوف.
ومن المشاهد التي تأبى مغادرة ذاكرة المسن، تجميع رجال بلدة العيساوية في ساحة بالقرية وطلب قائد بالجيش منهم تسليم السلاح بترديده عبارة "الرجل منكم يسلم سلاحه، ومن لا يسلمه ونجد السلاح بعد التفتيش سنقتله به".
ولترهيب الرجال في الساحة، كان الضابط يختار أحد الجالسين ويأخذه إلى زقاق ثم يُسمع صوت إطلاق النار، ويستمر هذا الحال لخمس ساعات يوميا، وهكذا سلم العشرات من أهالي البلدة سلاحهم فيما أصر آخرون على الاحتفاظ به.
"كل اليهود سيتجمعون في فلسطين وفيها سيذبحون في النهاية"، يذكر عليان هذه المقولة التي لطالما رددها جده قبل وفاته، كما تأبى ذاكرته نسيان شروع سلطات الاحتلال بتهويد معالم المدينة منذ اليوم الأول لاحتلالها، وإطلاق اسم "حارة اليهود" على أحد أحياء البلدة القديمة وتغيير ملامح باب العامود وغيره من المعالم الشاهدة على عروبة القدس.

أما علي عليان (72 عاما) فله حكاية مؤلمة مع حرب عام 1967 التي اندلعت بينما كان مقيما في الأردن بعد التحاقه بمقاعد الدراسة في كلية الشريعة، وكانت الوسيلة الوحيدة للاطمئنان على عائلته هي اللقاء بالنازحين من العيساوية إلى الأردن لسؤالهم عن ذويه.
وبعد قيام إسرائيل بإحصاء سكان القدس بعد الحرب لم يكن موجودا في المدينة المحتلة، مما عقد أموره أكثر واضطر أهله للمضي في إجراءات لمّ شمل معقدة لإرجاع ابنها المقدسي الذي يكمل دراسته في الأردن، وبعد تعب مضن تمكن عليان من العودة للقدس ولم يكمل تعليمه خوفا من التأخر أكثر وفقدان حقه بالعودة نهائيا.
ووصف عليان للجزيرة نت طبيعة الحياة القاسية التي كان يعيشها المقدسيون بحثا عن لقمة العيش إبان الحكم الأردني للقدس، مضيفا أن الاحتلال الإسرائيلي قدم مع مزيد من الويلات لشعب يحلم منذ عقود بالأمن والسلام ولا شيء سواهما.
















