عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

النوويون لا يتصادمون مباشرة
تضارب المصالح وتلاقيها
حروب بالوكالة
الناخب الأميركي يورط العالم

تواترت التكهنات بشأن الصدام المباشر بين روسيا وأميركا بعد الهجوم الصاروخي الأميركي على مطار الشعيرات السوري. وقد ظن بعضهم أن روسيا على وشك أن تضغط على الزناد للرد على العمل الأميركي الذي كان إلى حد ما مهينا للروس، وأن أميركا قد اتخذت التدابير المناسبة لمواجهة الروس خاصة في البحر الأبيض المتوسط.

لم يكن هذا الظن مستندا إلى قراءة علمية لكيفية تعاطي الدول العظمى فيما بينها عندما تتوافر أسباب التوتر، ولم يأخذ في الاعتبار التجارب التاريخية التي مرت بها العلاقات سابقا بين أميركا والاتحاد السوفياتي المنهار، والعلاقات بين روسيا وأميركا لاحقا.

النوويون لا يتصادمون مباشرة
تملك كل من روسيا وأميركا ترسانات نووية ضخمة جدا، وقادرة كل منهما على تدمير العالم وإعادته إلى العصر الحجري. هما لا تملكان بضعة صواريخ محملة بقنابل نووية فقط، وإنما تملكان آلاف الرؤوس النووية والأدوات الكفيلة بإيصالها إلى الأهداف المطلوب تدميرها.

تشكل الترسانة النووية ردعا حاسما لمن يملكها ولخصمه الذي يملك ترسانة مشابهة. الترسانة النووية تردع صاحبها لأنه يخشى رد فعل الخصم النووي، ويرى أن استعماله لقدراته النووية سيؤدي إلى استعمال الآخر لقدراته النووية. أي أن استعمال القدرة النووية لا يشكل رادعا فقط للذي يتلقى الضربة، وإنما أيضا لمن يبادر بالضربة الأولى

والصواريخ الحاملة للقنابل لم تعد عشوائية أو ظنية الدقة، وإنما أصبحت إصابتها دقيقة للغاية وموجهة إلكترونياً بالأقمار الصناعية التي تجوب محيط الكرة الأرضية، ومن مراكز المراقبة والسيطرة والتحكم التي تعمل على الأرض. إنها بالغة الدقة، وقدرتها التدميرية هائلة.

ولهذا تشكل الترسانة النووية ردعا حاسما لمن يملكها ولخصمه الذي يملك ترسانة مشابهة. الترسانة النووية تردع صاحبها لأنه يخشى رد فعل الخصم النووي، ويرى أن استعماله لقدراته النووية سيؤدي إلى استعمال الآخر لقدراته النووية. أي أن استعمال القدرة النووية لا يشكل رادعا فقط للذي يتلقى الضربة، وإنما أيضا لمن يبادر بالضربة الأولى.

التدمير متبادل بين الدول التي تملك قدرات تسليحية نووية، ولهذا تفكر كل دولة مرات ومرات قبل أن تنزلق إلى استعمال السلاح النووي، وحتى استعمال أسلحة الدمار الشامل من أي نوع. سلاح الردع يردع صاحبه إذا توافر لدى الطرف الآخر سلاح مشابه.

ولم يكن اتفاق الدول الكبرى على منع انتشار الأسلحة النووية عبثيا، وإنما كان بتخطيط مسبق حتى لا تتكاثر الدول الرادعة والمردوعة في آن واحد. كانت الدول النووية معنية بوجود دول مردوعة تخضع لتهديد أسلحة الدمار الشامل خاصة النووية منها، وهذا أمر يندرج تحت عنوان الهيمنة على المستضعفين وابتزازهم والسيطرة على مقدراتهم وثرواتهم.

ولهذا نجد الآن من الدول النووية الكبرى وقفة جادة وحازمة ضد الأسلحة النووية، بينما هي نفسها -وبحكم كونها نووية- تشكل تهديدا خطيرا لأمن وسلام العالم. إنها دول تعاني من ازدواجية أخلاقية ولا ترضى لغيرها ما ترضاه لنفسها.

تضارب المصالح وتلاقيها
تتضارب مصالح روسيا وأميركا في كثير من الأحيان، وتلتقي أحيانا أخرى. والتلاقي لا يعني التوافق في المقاربات والأسباب. قد تلتقي مصلحة أميركا في دعم الكرد في سوريا مع مصلحة روسيا، لكن أسباب هذا التلاقي مختلفة. ربما تقدم أميركا الدعم للكرد بهدف استمرار القتال بين مختلف الأطراف السورية، وقد يكون الدعم الروسي للكرد بهدف التنسيق فيما يتعلق بالنفط والغاز.

وفي ذات الوقت يمكن أن يكون هذا التلاقي مختبئا وراء تخالف؛ فأميركا مثلا معنية بشبكة لنقل الغاز والنفط بطريقة تبعد خطر الهيمنة الروسية عليها، بينما تكون روسيا معنية بشبكة تبقي على شرق أوروبا تحت رحمتها.

وقد تختلف الدولتان في المقاربات؛ فروسيا مثلا يمكن أن تتبع مقاربة تبقي تركيا مشغولة بالمسألة الكردية لتبعدها عن الانشغال بالوضع السوري، بينما قد تكون أميركا معنية بإبقاء نيران الحرب في سوريا مشتعلة لإشغال روسيا واستنزافها.

وعند تضارب المصالح يبرز لدى كل دولة السؤال التالي: هل نتابع مصالحنا حتى ولو أدى ذلك إلى حرب أم إن مصلحتنا الأهم تكمن في تجنب الحرب؟ والجواب واضح، وهو أن تجنب الحرب مصلحة أرقى من المصالح الأخرى لأن خيار الحرب يعني الدمار الشامل، وتبقى التضحية بمصلحة محدودة أهم من التضحية بالذات.

ولهذا تعمد الدول النووية إلى حل خلافاتها سلميا حتى ولو طال الزمن في البحث عن حل. ولذلك نجد السياسيين في كل من روسيا وأميركا يتحرك أحدهما تجاه الآخر بسرعة لمحاصرة أي تضارب في المصالح قد ينشأ.

وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة كيف هرع وزير الخارجية الأميركي إلى موسكو لتهدئة الأوضاع بعد قصف مطار الشعيرات. ولم تكن الزيارة فقط للتهدئة، وإنما كانت أيضا لرد الاعتبار؛ فأميركا اعتدت على موقع من المفروض أنه تحت الحماية الروسية، وبالتالي من المجدي أن تذهب أميركا إلى روسيا لتوضيح موقفها ورد اعتبارها أمام العالم، خاصة أن روسيا لم تتصدّ للصواريخ الأميركية.

كانت روسيا قد أعلنت -منذ أن أدخلت صواريخ الدفاع الجوي إلى سوريا- أن الأجواء السورية آمنة، وحذرت الدول الأخرى من اختراق هذه الأجواء. اخترقت أميركا الأجواء السورية لكن الصواريخ الروسية لم تنطلق، وهو ما يؤثر على صدقيتها أمام العالم ويشكك في قدراتها. ولهذا تحرص كل من روسيا وأميركا على ألا يؤدي تضارب المصالح إلى إهانات متبادلة.

حروب بالوكالة
لا يختلف الأمر الآن بين روسيا وأميركا عما كان عليه بين أميركا والاتحاد السوفياتي. إنهما تتجنبان الصدام المباشر، لكنهما تدعمان الأطراف التي لديها الرغبة في الاقتتال بالنيابة. وبدل أن تبحث الدولتان عن وسائل سلمية لحل الخلافات بين الدول وداخلها، تعملان على دعم طرف أو أطراف ضد أطراف أخرى، وتؤججان نار الحرب بالمزيد.

عند تضارب المصالح يبرز لدى كل دولة السؤال التالي: هل نتابع مصالحنا حتى ولو أدى ذلك إلى حرب أم إن مصلحتنا الأهم تكمن في تجنب الحرب؟ والجواب واضح، وهو أن تجنب الحرب مصلحة أرقى من المصالح الأخرى لأن خيار الحرب يعني الدمار الشامل، وتبقى التضحية بمصلحة محدودة أهم من التضحية بالذات

روسيا وأميركا -وكذلك بقية الدول النووية الكبرى- لا تضحيان بمواطنيهما، وإنما دائما لديهما الاستعداد للتضحية بمواطني الدول الأخرى. وكما هي العادة في مختلف المجتمعات؛ فإن أبناء السادة لا يشاركون في الحروب الداخلية، لكنهم يستخدمون أبناء الفقراء والمستضعفين ليموتوا بالنيابة، والمؤسف أن أبناء هؤلاء لديهم الاستعداد للتضحية بأنفسهم من أجل مصالح غيرهم، أو السادة الذين يوقعون الظلم عليهم.

في كثير من الأحيان، يقبل أبناء المستضعفين أن يكونوا سوطا بأيدي جلاديهم لجلد من يرون في الظلم ما يستحق المواجهة. الدول العظمى تلجأ إلى هذا الأسلوب وتستقطب الدول الفقيرة والمستضعفة لتخوض الحروب بالنيابة عنها، وتحت شعارات وطنية يقبلها الإنسان العادي الذي يطبق الجهل على قلبه وعقله.

لدى أبناء الدول العظمى من يدافع عنهم ويعمل على حمايتهم، وخلفهم من يضغط من أجل عدم إرسالهم إلى أتون المعارك، ويجدون وسائل إعلام تعمل على توعية الناس بمخاطر الحروب والآلام النفسية والمادية التي يمكن أن تلحق بالمجتمع جراء حروب يموت فيها مواطنوهم.

أما أبناء الفقراء والمستضعفين فيجدون أحيانا في الحرب فرصة للحصول على راتب وتحسين ظروفهم المعيشية، ومنهم من يقع في خديعة الشعارات الوطنية التي لا تهدف إلا إلى تثبيت نظام الحكم الذي غالبا ما يكون ظالما وفاسدا ومستبدا. الأنظمة السياسية في الدول الفقيرة والمستضعفة مستعدة للتضحية بأبنائها مقابل المال، أو مقابل تدعيم النظام السياسي الحاكم، وشهد التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك.

لو أسقطنا هذا الكلام على الوضع السوري، لوجدنا أن الدول الكبرى -خاصة فرنسا وبريطانيا- كانت سباقة في إشعال نار الفتنة، أو في تقديم ما يمكن من أجل تأجيج الأوار. وعملت الدول الكبرى على تحريض بلدان عربية وأحزاب وتنظيمات من أجل المشاركة في حرب لا يدفع ثمنها سوى الشعب السوري.

قدم متطوعون من الدول العظمى إلى سوريا للمشاركة في الحرب، لكنهم قدموا بصورة شخصية وليس بطرق رسمية تتبناها الدول. وحتى إن بعض الدول العظمى تولي اهتماما بمواطنيها المتطوعين الذين لاقوا حتفهم في سوريا، في حين أن قتل السوريين قد يجد له ملفا محفوظا على الرفوف في أرشيف مجلس الأمن.

الناخب الأميركي يورط العالم
هناك مشكلة كبيرة يصنعها الناخب الأميركي من حيث إنه يأتي أحيانا برئيس أميركي شبه جاهل وقليل الخبرة في السياسة الدولية وكواليسها. وهذا من شأنه أن يؤثر سلبا على علاقات الولايات المتحدة مع أطراف دولية، كما يحصل الآن في عهد دونالد ترمب.

ربما من المهم أن يعمل العالم على تثقيف الناخب الأميركي في كيفية الانتخاب، والأسس التي يجب أن تكون حاضرة في ذهنه عندما يذهب إلى صندوق الاقتراع. الجميع يعلم أمية الناخب الأميركي فيما يتعلق بالقضايا العالمية، ووظيفة وسائل الإعلام الأميركية هي أن ترتقي بمستوى معرفة الأميركي بهذه القضايا

وقد سبق للناخب الأميركي أن أتى بجورج بوش الابن الذي تميز بـ"العباطة" والجهل بالشؤون الدولية، وورّط العالم في حروب ضد الإرهاب ثبت فشلها عبر الزمن.

حاول هذا الرئيس أن يحارب من أسماهم محور الشر والإرهابيين قبل أن يعالج الإرهاب الأميركي والصهيوني ضد العالم؛ فنشبت حروب ودُمرت بلدان -مثل العراق- دون أن تنتصر أميركا. لقد أرسل قوات بلاده إلى الخارج لأنه لم يجد من ينوب عنه في القتال، فدمر واستنزف الأموال دون أن ينجو جنوده من القتل.

ولم يبخل علينا الناخب الأميركي فجاء بترمب الذي لا يتفوق في ذكائه على بوش الابن ولا يقل عنه في عنجهيته. أتى رئيس أميركي جديد لا يتمتع بخبرة أو معرفة أو ذكاء إلا ربما في القضايا المالية والاقتصادية. إنه يتخبط، وربما ينساق خلف أوهام العظمة الأميركية ويدها الطويلة التي تحمل الأسلحة الفتاكة.

لا يبدو أن الرجل يحسب جيدا أو يملك رؤية واضحة بشأن القضايا التي يعاني منها العالم. ويبدو أن هناك في وزاراته من يسيره ويسوقه إلى ساحة المغامرات التي يمكن أن تترك آثارا سيئة وخيمة على الساحتين الأميركية والعالمية. لقد قاده ناصحوه إلى إطلاق صواريخه على الشعيرات دون أن يحسب لردود الفعل التي قد تنزلق إلى منزلقات خطيرة جدا.

ربما من المهم أن يعمل العالم على تثقيف الناخب الأميركي في كيفية الانتخاب، والأسس التي يجب أن تكون حاضرة في ذهنه عندما يذهب إلى صندوق الاقتراع. الجميع يعلم أمية الناخب الأميركي فيما يتعلق بالقضايا العالمية، ووظيفة وسائل الإعلام الأميركية هي أن ترتقي بمستوى معرفة الأميركي بهذه القضايا.

لكن يبدو أن وسائل الإعلام الأميركية معنية بتنفيذ سياسات المتنفذين ماليا واقتصاديا، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح أميركا والعالم. وشكرا في النهاية للتهديد الذي تمثله الأسلحة النووية، والذي يمنع أحيانا حروبا من الاشتعال.

المصدر : الجزيرة

التعليقات