خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري


هل تحققت الأهداف أم تغيرت؟
توازن الردع
حسابات معقدة
المآلات والسيناريوهات

فجأة وبدون مقدمات أعلنت المملكة العربية السعودية وقف عملية "عاصفة الحزم"، وذلك بعد نحو ثلاثة أسابيع من انطلاقها، وبدء عملية أخرى أُطلق عليها عملية "إعادة الأمل". وبين "العاصفة" و"الأمل" احتار المراقبون في كيفية تفسير هذه التطورات السريعة على الساحتين اليمنية والإقليمية، وطبيعة الحسابات التي حكمتها، وما يمكن أن تؤول إليه الأزمة اليمنية خلال المرحلة المقبلة.

هل تحققت الأهداف أم تغيرت؟
عندما انطلقت "عاصفة الحزم" يوم 26 مارس/آذار الماضي كانت تسعى لتحقيق عدة أهدافها بعضها معلن والبعض الآخر غير معلن. تمثلث الأهداف المعلنة في ثلاثة رئيسية جاءت على لسان الناطق باسم العملية العميد الركن أحمد عسيري.

من المنظور السعودي، معظم الأهداف السابقة تحققت وإن بدرجات متفاوتة. ونجحت عاصفة الحزم في وقف تمدد الحوثيين باتجاه عدن ومنعت سيطرتهم على هذه المدينة الهامة والتي كانت ستمهد الطريق نحو سقوط بقية المدن اليمنية

هذه الأهداف هي: حماية الشرعية في اليمن ممثلة في الرئيس عبد ربه هادي منصور، وتفكيك القدرات العسكرية لجماعة "الحوثيين" خاصة بعد سيطرتهم -بالتعاون مع الموالين للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح- على قرابة 70% من قدرات الجيش اليمني، وضمان عدم تهديد "الحوثيين" لأمن دول الجوار خاصة الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

أما الأهداف غير المعلنة فقد كان أهمها "تحجيم" النفوذ الإيراني في المنطقة العربية وخاصة في منطقة الخليج، وإعادة التوازن الإقليمي في العلاقة بين العرب وطهران، ووقف حالة "الاستلاب" التي وقعت فيها بعض العواصم العربية تحت تأثير النفوذ الإقليمي الإيراني.

من المنظور السعودي، فإن معظم الأهداف السابقة تحققت وإن بدرجات متفاوتة. فمن جهة أولى، نجحت "عاصفة الحزم" في وقف تمدد الحوثيين باتجاه "عدن" التي كان يقيم بها الرئيس هادي بعد خروجه من صنعاء، ومنعت سيطرتهم على هذه المدينة الهامة والتي كانت ستمهد الطريق نحو سقوط بقية المدن اليمنية في أيدي الحوثيين وصالح.

صحيح أن الرئيس هادي لم يعد إلى اليمن حتى الآن، ومن الوارد ألا يحدث ذلك قبل التوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء الصراع، وذلك ما لم يتم تصعيد نائبه خالد بحاح مكانه حسبما تشير بعض التكهنات، إلا أنه يظل الرئيس الشرعي لليمن ولم تفلح محاولة الحوثيين وصالح في التخلص منه، وهو ما أكده القرار رقم 2216 الصادر عن مجلس الأمن والذي لم يعترف بشرعية هادي فحسب، وإنما شدد أيضا على ضرورة حمايتها من عدوان الحوثيين وصالح.

من جهة ثانية، من الواضح أنه تم تدمير معظم القدرات العسكرية للحوثيين وصالح خاصة الصواريخ البالستية وقواعد الدفاع الجوي ومخازن الأسلحة والذخيرة. فحسب كثير من التقارير فإن الضربات الجوية دمرت المواقع الدفاعية والأسلحة الثقيلة لدى الحوثيين وقوات صالح. كما أن المجال الجوي اليمني -حسب تصريحات عسيري- أصبح تحت سيطرة سعودية كاملة. ومن جهة ثالثة، فمن الواضح أنه لم تعد لدى الحوثيين قدرات هجومية -صاروخية كانت أو مدفعية- يمكنها أن تشكل تهديدا للسعودية، خاصة على طول الحدود الجنوبية.

ورغم ذلك فإن استمرار القتال بين قوات الحوثيين وصالح من جهة، والمقاومة الشعبية والقبائل من جهة أخرى، يشي بأن المعركة لا تزال مستمرة، وأنها قد تمتد شهورا طويلة ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف.

توازن الردع
كانت "عاصفة الحزم" بمثابة أول "جرس إنذار" حقيقي لإيران يصدر من دول الخليج خاصة السعودية، وبمثابة رسالة قوية لها بعدم اللعب في الفناء الخلفي للمملكة. ويمكن القول إن "العاصفة" خلقت حالة جديدة يمكن أن نطلق عليها "توازن الردع" بين الرياض وطهران، بحيث باتت الأخيرة تدرك أن أي محاولة لمد نفوذها في المنطقة لن تكون بدون ثمن، وستواجه برد مباشر عليها ليس فقط محليا وإنما أيضا إقليميا ودوليا. ولعلها المرة الأولى التي تصل فيها المواجهة بين الطرفين إلى هذا المستوى من التصعيد على المستويين الإعلامي والدبلوماسي.

ويمكن القول بقدر من الثقة إن السعودية انتصرت في هذه الجولة من الصراع مع طهران. فمن جهة أولى، نجحت الرياض في انتزاع اعتراف أممي بالدور السلبي لإيران في المنطقة، وذلك حين نص القرار 2216 على فرض حظر على توريد السلاح لصالح والحوثيين، بل وفرض رقابة صارمة وتفتيش على كافة السفن والبضائع القادمة إلى اليمن والقادمة منه في حال وجود شكوك بمحتوياتها.

كانت عاصفة الحزم بمثابة أول جرس إنذار حقيقي لطهران يصدر من دول الخليج خاصة السعودية، وبمثابة رسالة قوية لها بعدم اللعب في الفناء الخلفي للمملكة. ويمكن القول إن العاصفة خلقت حالة توازن الردع بين الرياض وطهران

ومن جهة ثانية، يمثل صدور القرار الأممي بحد ذاته انتصارا مهما للدبلوماسية الخليجية خاصة السعودية، وهزيمة لإيران وحلفائها في مجلس الأمن، حيث امتنعت روسيا عن التصويت على القرار وقد كان بإمكانها إيقافه أو اعتراض صدوره. ولعل قرار إيقاف "عاصفة الحزم" بعد أيام قليلة من صدور القرار الأممي جاء جزءا من اتفاق أو تسوية غير مكتوبة مع روسيا من أجل ضمان عدم "نقض" القرار في مجلس الأمن.

ومن جهة ثالثة، فقد كانت "عاصفة الحزم" بمثابة اختبار لمدى متانة وجدية الشراكة الإستراتيجية بين واشنطن وحلفائها الخليجيين، خاصة بعد توقيع اتفاق الإطار النووي مع طهران.

ومن الواضح أن واشنطن حاولت طمأنة حلفائها من خلال تحذيرها إيران بعدم العبث بأمن الخليج والمنطقة، وكان تحريكها حاملة الطائرات الأميركية "روزفلت" إلى السواحل اليمنية من أجل اعتراض أي سفن إيرانية قد تحمل أسلحة للحوثيين، بمثابة رسالة واضحة لطهران بأن واشنطن لا تزال حريصة على أمن حلفائها.

حسابات معقدة
بغض النظر عن طبيعة الأسباب التي أدت إلى الإعلان عن انتهاء "عاصفة الحزم"، فإن ثمة حسابات معقدة مهدت الطريق لصدور مثل هذا القرار. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما حدث ليس وقفا للعمليات العسكرية، وإنما -كما يبدو- هو مجرد تغيير في الأهداف المرحلية مما استدعى تغييرا موازيا في التكتيكات من أجل تحقيق هذه الأهداف الجديدة. وليس أدل على ذلك من أنه رغم الإعلان عن انتهاء "عاصفة الحزم"، فإن الضربات الجوية لم تتوقف فوق صنعاء وعدن وإب والضالع.

من هنا يمكن الإشارة إلى عدة أسباب قد تفسر هذا التحول في مسار الأزمة اليمنية:

أولا- يمكن القول إن إشكالية التدخل البري في اليمن شكلت الخلفية العريضة التي حكمت هذا التحول. ويبدو أن ممانعة بعض حلفاء المملكة -خاصة مصر وباكستان- عن دعم هذا الخيار بشكل قوي وصريح، دفع الرياض إلى إعادة النظر في هذا الخيار.

ثانيا- اكتشفت السعودية أن التورط البري في اليمن قد يكون مكلفا لها سياسيا وعسكريا، خاصة في ظل عدم وجود دعم خارجي أو تأييد قوي لذلك، لذا كان قرار إنهاء العمليات العسكرية بمثابة إشارة بأنه لا نية لتدخل عسكري كبير، فربما يتم تحريك بعض القوات السعودية خاصة على الحدود مع اليمن، ولكن لن يحدث إرسال قوات إلى العمق اليمني لما قد يسفر عنه ذلك من نتائج سلبية.

ثالثا- يبدو أن المملكة اقتنعت بأن العملية العسكرية حققت بالفعل أهدافها، ليس فقط من جهة إبراز القوة والردع لإيران، وإنما أيضا بشأن ضمان التأييد الداخلي للنظام الجديد، وبالتالي فإن أي استمرار للعملية بدون رؤية واضحة أو نتائج ملموسة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

رابعا وأخيرا- تدرك المملكة جيدا أن حل الأزمة اليمنية لابد أن يكون سياسيا، ولكن ليس وفق شروط الحوثيين وصالح. لذا فإن الهدف من العمليات هو تمهيد الأرض للحل السياسي وفق شروط وقواعد جديدة تضمن عدم تغول الحوثيين وصالح على بقية الفرقاء اليمنيين.

أما الحسابات الإقليمية فتبدو أيضا معقدة، فثمة أحاديث متكررة عن وجود ضغوط إقليمية من أجل إيقاف "العاصفة" العسكرية على اليمن، بل ذهب البعض إلى القول بأن ذلك جاء نتيجة لظهور مؤشرات على بداية تفكك التحالف المشارك في "العاصفة" بسبب اختلاف الحسابات السياسية بين أطرافه، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الفصائل اليمنية.

ويرى البعض أن سعي السعودية للتعاطي مع جماعة "الإخوان" المسلمين في اليمن شكّل نقطة خلاف رئيسية مع بعض حلفائها الذين يناصبون الجماعة العداء.

من جهة ثانية، فإن بعض المشاركين في التحالف كانوا -وربما لا يزالون- على تواصل مع الحوثيين وصالح من أجل ضمان ولائهم في مرحلة ما بعد وقف العمليات العسكرية، وهو ما أثر على تماسك التحالف وصلابته.

ومن جهة ثالثة، فإن بعض القوى المشاركة في التحالف لا يبدو أنها مرتاحة أو مرحبة بصعود الدور السعودي في المنطقة، وهو ما وضح بشكل جلي طيلة المرحلة الماضية، وقد يفسر تردد هؤلاء الحلفاء في دعم الخيار البري في اليمن.

أما دوليا، فمن الواضح أن ثمة أطرافا دولية لا ترغب في اتساع حجم ومدة القتال في اليمن، لذا فإن ثمة تقارير عن وجود ضغوط دولية -خاصة من جانب الولايات المتحدة- من أجل إيقاف "عاصفة الحزم"، وذلك من أجل السماح ببدء عملية المساعدات الإنسانية للمتضررين من الغارات الجوية.

المآلات والسيناريوهات
من الصعب توقع انتهاء العمليات العسكرية في اليمن دون التوصل إلى حل سياسي يدفع بعدم تكرار الأزمة مرة أخرى. لكن التوصل إلى حل سياسي ليس أمرا سهلا، خاصة إذا لم تقدم الأطراف المختلفة تنازلات حقيقية، وهنا تبدو في الأفق عدة سيناريوهات للحل السياسي:

من الصعب توقع انتهاء العمليات العسكرية في اليمن دون التوصل إلى حل سياسي يدفع بعدم تكرار الأزمة مرة أخري. لكن التوصل إلى حل سياسي ليس أمرا سهلا، خاصة إذا لم تقدم الأطراف المختلفة تنازلات حقيقية

الأول- أن تطرح إحدى الدول الإقليمية الموثوقة مبادرة للحل تتضمن الدعوة إلى إطلاق حوار جديد تتم فيه دعوة كل الأطراف -بمن فيهم الحوثيون- من أجل التوصل إلى تسوية للأزمة، وأن يتزامن ذلك مع وقف العمليات العسكرية الهجومية. ورغم أن هذا الحل هو الأفضل والأنجع لليمن، فإن دونه بعض العقبات بسبب ما قد يثيره من إشكاليات حول شروط ومطالب الأطراف المتحاورة، والسقف الزمني للحوار، وحجم التنازلات التي سيقدمها كل طرف.

الثاني- أن يتم اعتماد الخيار العسكري كحل وحيد، ولكن هذه المرة من خلال التسليح الثقيل للفصائل اليمنية وفرق المقاومة الشعبية من أجل مواجهة الحوثيين وصالح حتى يتم القضاء عليهم وإعادة الرئيس هادي ونائبه إلى صنعاء، وهو أمر لا يبدو سهلا أو يمكن تحقيقه في المدى المنظور، ليس فقط بسبب ضعف تسليح القبائل وفرق المقاومة الشعبية، وإنما أيضا بسبب صعوبة تسليحهم ودعمهم وتدريبهم.

الثالث- أن تفرض الأمم المتحدة حلا أمميا على كل الأطراف، وأن ترعى القوى الكبرى مبادرة جديدة للحل. وهنا قد يصطدم هذا السيناريو برفض إقليمي سواء من السعودية أو إيران بسبب اختلاف الرؤى والمصالح.

 
الرابع والأخير- قد تدخل الأزمة اليمنية منعطفا جديدا من خلال استعادة الحوثيين لقوتهم، سواء عبر دعم خارجي أو من خلال إعادة ترميم تحالفهم مع صالح، وهو ما قد يدفع بمواجهة إقليمية بين الرياض وطهران لا يعرف أحد كيف تنتهي.

وعليه، تبدو الأزمة اليمنية مفتوحة على كافة السيناريوهات، ومن الصعب توقع حدوث اختراق حقيقي بها دون قبول كافة الأطراف بتقديم تنازلات جادة يمكنها الدفع باتجاه إيجاد حل سياسي وواقعي للأزمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك