آخر تحديث: 2018/1/1 الساعة 14:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/1 الساعة 14:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/13 هـ
-1/14-

استثمار التنوع

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

رغم مرور عقود على تجربة النهضة الماليزية، وانتقالها من مجتمع زراعي إلى دولة صناعية، لا يزال الباحثون والمهتمون يقرؤون تفاصيل التجربة والرؤية التي وقفت خلفها، مشروع نهضة متكامل قاده رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد، قبل أن يتنحى عن السلطة طواعية عام 2003.

ماليزيا تحولت من دولة زراعية تعتمد على إنتاج وتصدير المواد الأولية إلى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من إجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في شوارعها.

هذه القفزة الواسعة أسستها ماليزيا على قاعدة طفرة كمية ونوعية في قطاع التعليم والبحث العلمي، عززها سِلم اجتماعي وتعايش سياسي منح البلاد استقرارا كبيرا، استفادت منه ومن المقومات الطبيعية في خلق سياحة جاذبة على مستوى العالم.

ونجحت ماليزيا إلى حد كبير في توليف معادلة اجتماعية مستقرة بين مكونات المجتمع المتعدد عرقيا ودينيا، فأكثر من 50% من الماليزيين من المسلمين المالاويين، إلى جانب 11% من السكان الأصليين غير المسلمين، و23.7% من أصول صينية، و7% من أصول هندية، وقوميات أخرى قليلة.

هذه التوليفة هي ما يسميها الماليزيون "ماليزيا واحدة"، وهو شعار رفعه التحالف الحاكم، وإن كانت بعض أحزاب المعارضة تشكك في واقعيته بسبب التمييز الإيجابي الذي منحه الدستور للعرقية المالاوية اقتصاديا وسياسيا، وهو ما انعكس على انكفاء داخل كل عرقية أو دين على صعيد العادات والتقاليد والتعليم والتزاوج.

لكن التنوع العرقي والديني المتعايش في ماليزيا منح البلاد خصوصيات ثقافية واجتماعية أكثر من محيطها الآسيوي، وهو ما يمكن تلمسه من خلال المعالم البارزة والمعابد والعطلات الرسمية وحتى المطاعم والفعاليات الاجتماعية.

قصة ماليزيا بتنوعها هذا، تستحق تسليط الضوء على زوايا وظواهر البلاد، وهي كثيرة، لكن نكتفي في هذا العدد بإطلالة على بعض هذه الزوايا من المجتمع الماليزي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/14-

مقدمة العدد

رميساء خلابي - النيجر (الجزيرة)
في كثير من الأحيان يخلق التنوع العرقي والديني أزمات وصراعات، إلا أن ماليزيا استثمرت طيفها الاجتماعي في خلق نهضة شاملة، باتت محل دراسة وبحث على نطاق واسع، لاختبار واقعية شعار "ماليزيا واحدة"، في ظل التمييز الإيجابي للمالاويين سياسيا واقتصاديا.

مراسلة مجلة الجزيرة رميساء خلابي تقصت بعض صور التنوع الثقافي والديني وانعكاساته على الحياة العامة في المجتمع الماليزي، وخرجت بهذا الملف.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/14-

ماليزيا.. تنوع يخلق نهضة

ماليزيا.. تنوع يخلق نهضة
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
بالنظر إلى الظروف السياسية والموارد البشرية، فإن بلدا كماليزيا لم يكن مهيأ لنهضة تنقله من حالة تبعية كاملة للمستعمر البريطاني إلى الاكتفاء الذاتي، ثم حلم اللحاق إلى صف الدول المتقدمة، ولو بعد حين.

كان الأمر يحتاج إلى إرادة وإدارة قويتين على حد سواء، فالبلد لم يكن يعاني الفقر والأمية فقط، بل كان مثقلا بإرث طويل من الحروب.

ماليزيا، الاسم الذي أُطلق مطلع ستينيات القرن الماضي على دولة تتكون بالأساس من جزيرتين متباعدتين جغرافيا، تسكنهما شعوب عدة ومتنوعة عرقيا وثقافيا يزيد عددهم عن 31 مليون نسمة.

شعب "المالايو" هم السكان الأصليون لماليزيا، وهم يشكلون نصف عدد السكان، يليهم الصينيون بنسبة 22,6%، ثم الهنود 6,7%، أما السكان الأصليون من غير المالاويين الذين يستوطنون بالأساس الجزء الشرقي من البلاد فيبلغون 11,8%، وهم يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم القديمة غير آبهين بالاندماج بالمجتمع المتنوع. فضلا عن ثلاثة ملايين أجنبي مقيم، وهو بالأساس عمال من الدول المجاورة.
مسجد البخاري بكوالالمبور واحد من المساجد المميزة في ماليزيا  (الجزيرة)

وبالنظر إلى التوزيع السكاني، سنجد أن الجزء الشرقي أو ماليزيا الشرقية كما يصطلح عليه، لا يسكنه سوى ثمانية ملايين، فيما يتركز الباقون في الجزء الغربي من البلاد، لظروف اقتصادية محضة.

وعن التوزيع الديني للسكان فإن الغالبية للمسلمين بنسبة 61,3%، يليهم البوذيون 19,8% ثم المسيحيون 9,2% فالهندوس 6,3%، وتبقى أعداد قليلة من ديانات أخرى.

حتى إقامة دولة ماليزيا سنة 1965 بحدودها الجغرافية التي نعرفها الآن، كان اقتصادها يعتمد بالأساس على ثرواتها الطبيعية، إذ إن أكثر من ثلثي مساحة البلاد كانت تغطيها الغابات الكثيفة، الغنية بأشجار المطاط والقصدير وزيت النخيل، وهي أبرز صادرات البلد لعقود طويلة. ناهيك عن النحاس والبترول والغاز الطبيعي.

وقد تم التنقيب عن خيرات البلاد الطبيعية في المناجم بمطلع القرن الماضي، بالاستعانة بعبيد جلبهم الاحتلال البريطاني من جنوب الهند والصين للعمل، إذ لم يكن سكان البلاد الملايو يتقنون سوى الزراعة والصيد، ويعتقد أن جزءا كبيرا من هنود وصينيي البلد اليوم هم الجيل الخامس من عمال مناجم القرن الماضي.

معبد ثيان هوو البوذي في كوالالمبور (الجزيرة)


وبالعودة إلى فترة ما بعد الاستقلال، نجد أن ماليزيا وجدت نفسها فجأة أمام مشاكل كثيرة قد تقودها إلى الهاوية، فمن ناحية كانت المشكلة العرقية تهدد أمن واستقرار البلد، ومن ناحية أخرى كانت دول الجوار من الجهة الشرقية تفاوض حول حدود جزيرة "بورنيو"، التي تتقاسمها اليوم ثلاث دول، هي إندونيسيا وسلطنة بروناي وماليزيا، وإن كان الحديث حولها ما زال قائما، تماما كالحديث عن المساواة بين أعراق البلد الواحد في كل الحقوق والواجبات، بدل محاباة العرق المالاوي، بذريعة أنه عانى التهميش والاضطهاد إبان الاحتلال أكثر من غيره، أو حتى لكونه مالك هذه الأرض.

كانت الخيارات أمام ماليزيا محدودة جدا، فإما أن تنقاد إلى فتنة طائفية، أو أن تجد معادلة ترضي إلى حد ما كل الأطراف وتخدم في الوقت نفسه مصلحة هذا البلد.

كان الصينيون والهنود أصحاب خبرة بلا شك، وقد اعتمد عليهم في أمور اقتصادية كثيرة، وشجعت الحكومة المالاويين على الانتقال من القرى إلى المدن، لأن زمن الزراعة قد ولى، ودخلت البلاد حقبة التصنيع.

مسيرة طويلة نجحت فيها ماليزيا رغم كل التحديات في تحقيق قفزة نوعية مكنتها من الانضمام للنمور الآسيوية السبعة، فضلا على انضمامها لقائمة الدول النامية، وهي تتطلع اليوم إلى تسجيل اسمها دولة متقدمة سنة 2020.

داخل معبد ثيان هوو البوذي في كوالالمبور (الجزيرة)


وكانت الركيزة الأولى في نهضة ماليزيا في بناء جيل جديد متعلم "احرث تعليما جيدا، تحصد اقتصادا جيدا"، هكذا قال مهاتير محمد، باني نهضة ماليزيا الحديثة، الذي آمن بأن تقدم بلده لن يتحقق إلا بثورة تعليمية شاملة.

وهكذا كان، فاليوم لا تكاد تخلو أي مدينة من جامعة واحدة على الأقل، أما نسبة الأمية في البلد فلا تتعدى 2%، وهو رقم تنافس به ماليزيا باقي الدول المتقدمة.

ولعل ثمار رؤية مهاتير محمد لم تكن محصورة في تمكين المواطنين من الوصول إلى التعليم فحسب، ولا أدل على ذلك من الرخاء والازدهار والسلام الذي تنعم به البلد، فاليوم 3% فقط من سكان ماليزيا يعيشون تحت عتبة الفقر، في الوقت الذي كان فيه الفقراء هم أغلبية سكانها، حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي.

لا شك أن قطاع التعليم كان له انعكاس جيد على باقي القطاعات، فماليزيا اليوم تستقبل ملايين السياح كل سنة. كما أن شركات متعددة الجنسيات ومستثمرين أجانب أقاموا مشاريعهم العملاقة هنا، مستفيدين من الوضع الأمني المستقر، ومساهمين بشكل غير مباشر في تقدم هذا البلد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/14-

ماليزيا واحدة.. شعار توفيقي في بلد التمييز والتمايز

ماليزيا واحدة.. شعار توفيقي في بلد التمييز والتمايز
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
دعتني "جايانتي تاميل سيلفام" الماليزية من أصول هندية، إلى زيارة "باتو كيفز" بولاية سيلانغور، وهو من أقدم المعابد الهندوسية في ماليزيا التي تستقبل الحجاج الهندوس من داخل البلاد وخارجها على حد سواء.

ورغم ذهابنا فجراً لتفادي الزحام الذي يعرفه المعبد طيلة أيام الأسبوع، ناهيك عن المناسبات والأعياد الدينية الهندوسية، تفاجأنا بوجود أعداد غير قليلة قد سبقتنا لتأدية الشعائر.

خلعت حذائي عند مدخل قاعة تأدية القداس، والتحقت بطابور طويل من المنتظرين للكهنة، وعندما حل دوري اقتربتُ من أحدهم وقد مدّ لي زهرتي أقحوان، وباركني مرددا تعاويذ باللغة السنسكريتية التي لا يتحدث بها اليوم في ماليزيا سوى قلة من الهنود. بعد ذلك طبع خاتم تأدية الصلاة على جبيني وعلى عنقي، والخاتم عبارة عن بودرة يختلف لونها باختلاف الطقس الديني، فهي بيضاء اللون للمصلين، وحمراء للمتزوجين، وصفراء لعلماء الدين.

في الساحة الكبيرة أمام تمثال الإله الهندوسي "مورغن"، كان عدد كبير من الزوار قد بدؤوا بالتوافد، لم يكونوا هندوساً ولا حتى سياحاً فقط، بل كانوا مسلمين محليين أو مقيمين، وهي الصورة التي تغيب في مساجد ماليزيا الجميلة، وإن كانت تُعدّ وجهات سياحية، لأن قانون زيارتها يمنع على غير المسلمين ارتيادها.

معبد ثيان هوو الذي يستقطب أتباع الديانة البوذية من داخل وخارج ماليزيا. (الجزيرة)


في ماليزيا، يشكل الهندوس حوالي 7% من مجموع سكانها. بينما يشكل المسلمون 60%، وحوالي 9% مسيحيون، والبوذيون 20%، و1,7% أتباع ديانات صينية قديمة كالطاوية والكنفوشيسية و2,3% الباقية موزعة بين أتباع الديانات البدائية واللادينيين.

ويقضي القانون الماليزي باحترام جميع الأديان، بحيث يحق لأتباع أي ديانة ممارسة الطقوس الدينية الخاصة بهم، وفتح دور عبادة. كما تعتبر الأعياد الدينية مناسبات وطنية تغلق فيها جميع المؤسسات الحكومية أبوابها.

لكن يبقى الإسلام في ماليزيا هو الدين الرسمي، كما هو حال اللغة الماليزية (بهاسا ماليزيا)، فمع أن القانون يسمح للأقليات العرقية بتدريس المناهج الدراسية باللغات الخاصة بها مثلا، فإنه يفرض عليها تدريس اللغة الماليزية للتلاميذ بالموازاة. ونجد نفس المشهد في بطاقات الهوية التي تميز بين المسلمين وغيرهم.

"سارجيت كوار" سيدة ماليزية من أصول هندية، تعيش منذ ثلاثة عقود في نيوزيلندا، وجاءت إلى ماليزيا لرؤية أهلها. تقول لي إن القوانين أيام دراستها كانت سيئة جدا، فرغم حصولها على الرتبة 15 من أصل 60 طالبا معها في الصف، لم تتمكن من الحصول على مقعد في الجامعة، فحظوظ الملاويين في التعليم الحكومي كانت أكثر من غيرهم، كما هو حالهم مع الوظائف، وامتلاك الأراضي، وغيرها من القوانين التي تميز بينهم وبين باقي الأعراق.

مسلمات مالاويات بزي الساري الهندي (الجزيرة)


بعد استقلال ماليزيا، حاولت الحكومات المتعاقبة أن توفق بين حقوق العرقيات المختلفة لسكان هذه الجزر تجنباً للوقوع في أي فتنة طائفية، وللنهوض بهذا البلد الذي عانى طويلا من ويلات الاستعمار.

وقد كانت المعادلة الأمثل أن يتيح النظام الحاكم للعرق الملاوي فرصة جيدة للتعلم للوصول إلى المراكز الإدارية والسياسية، وأن يتم دمج الصينيين من خلال الاعتراف بهم كمواطنين ماليزيين، وذلك من أجل الاستفادة من قوتهم الاقتصادية، وكذلك الحال بالنسبة للهنود الذين كانوا يعملون بالأساس في حقول المطاط وفي المناجم التابعة للبريطانيين.

لكن أسباب تحقيق تلك المعادلة من أجل صالح البلد قد رُفعت الآن، فالواقع يشهد أن الملاوين يعتلون سدة الحكم، وأن الصينيين يسيطرون على اقتصاد البلد، كما يهيمن جزء كبير من الهنود على القطاع الصحي والقضاء. ولعل هذا ما جعل بعض الأصوات تعلو من الداخل قبل الخارج منددة بسياسة التمييز وعدم المساواة التي تمارسها الدولة في حق الأقليات، مثل منتدى "هندراف"، وهو تجمع لثلاثين منظمة هندية غير حكومية، فكرته الدفاع على حقوق الهندوس. وقد كان سباقا للخروج في مظاهرات ومسيرات ضد سياسات النظام الحاكم منذ عام 2008.

ورغم وجود أحزاب هندية وصينية ضمن الائتلاف الحكومي، مثل حزب "المؤتمر الهندي الماليزي" ممثلا الأقلية الهندية، وحزب "الجمعية الوطنية الصينية الماليزية"، وهو ثاني أكبر حزب في البلاد بعد حزب منظمة اتحاد الملايو الذي يمسك بزمام السلطة، فإن حراك أحزاب المعارضة التي تمثل الأقليات، ومنظمات غير حكومية مدافعة عنهم، كشف المحظور، وهو توتر عرقي دفين لمجتمع أراد النظام الحاكم أن يظهره بصورة أكثر وردية، متجاهلا الاضطرابات الحقيقية التي لم تنفع معادلة تفضيل الملاويين مع الحفاظ على حقوق الأقليات كمواطنين فقط؛ في تهدئة خواطر الجميع، فالهنود والصينيون يتهمون أحزابهم التي تمثلهم في الحكومة بالضلوع في الفساد وعدم الاستجابة لمطالبهم، والملاويون يحذرون من انقلاب الأوضاع ضدهم.

مطعم للأكلات والحلويات الصينية السريعة بالطابق الأرضي من معبد ثيان هوو. (الجزيرة)


في عيد ديبافالي الهندوسي الأخير، كان رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق يشارك في مراسم الاحتفال به، الصورة التي اعتبرها البعض لا تجسد الواقع إطلاقا.

تخبرني "سارجيت كوار" -وهي من أتباع الديانة السيخية- أنها اصطحبت صديقة مسيحية إلى معبد "غوردراوا صاحب لابوان" بولاية لابوان لتأدية مراسم عزاء قريب لها، وعندما أتى الطعام رفضت صديقتها الاقتراب منه، متحججة بأن إلهها لن يكون راضياً على أكلها من قربان معبود غيره. وتشرحُ لي أن هذه الواقعة ليست استثناء، بل إن أتباع كل ديانة هنا متشبثون بتقاليدهم وعاداتهم الخاصة بهم، وإنه نادراً ما يشارك البوذيون مثلاً المسلمين أعيادهم الدينية، والمسلمون السيخيين أعيادهم، وهكذا.

يقول المحاضر بكلية اللغة العربية في جامعة الشرق الأوسط الماليزية الدكتور محمد الطيب "لقد حاول الرئيس الماليزي محمد نجيب عبد الرزاق بطرحه نظرية ماليزيا واحدة، أن يسكت الأصوات المطالبة باستقالته، نتيجة الغضب الشعبي العارم الذي حل باختفاء وسقوط الطائرات، ومؤخراً بسبب تحويلات بقيمة سبعمئة مليون دولار إلى حسابه الشخصي، في الوقت الذي يعاني فيه الصندوق الحكومي الذي يرأس هيئته الاستشارية بمديونية تقدر بأكثر من 11 مليار دولار".

احتجاجات من هذا النوع لم تطل أي رئيس سابق منذ استقلال البلاد عام 1957، وقد تم التعامل معها بما وصفه البعض بالقمع، إذ تم حجب الموقع الرسمي مثلاً لتحالف "بيرسيه"، وهو تحالف غير حكومي تترأسه الناشطة النسوية ماريا عبد الله، يدّعي أنه تأسس من أجل انتخابات نظيفة ونزيهة، وقد شارك في إحدى مظاهراته الرئيس الأسبق مهاتير محمد أيضاً، تنديداً بسياسة الرئيس الحالي عبد الرزاق.

 

أبناء ماليزيا هم الجيل الجديد لأعراق مختلفة (الجزيرة)


"أوغست كوان" فنان ماليزي من أصول صينية، له عشرة ألبومات موسيقية وشارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية، التقيتُ به في منزل والدته "إيمي كوان" أثناء زيارته لها، فهو يقيم في كندا مع أسرته الصغيرة منذ عشر سنوات.

يقول كوان "ما زال التعامل مع الرأي الآخر غير مقبول في ماليزيا، فالحكومة تقمع المتظاهرين وتزج بهم في السجن.. إنها تدعي أن ذلك من أجل الحفاظ على مصلحة الوطن، وأنه يجدر بالمعارضين العمل في إطار أحزاب المعارضة، لكن هذا غير صحيح، فحتى أحزاب المعارضة لا تستطيع قول ما تريد".

ويضيف "أعتقد أن الإشكال ليس في وضعنا للنظريات والمفاهيم، بل في سبل تطبيقها على أرض الواقع، فشعار ماليزيا واحدة لا يعكس ما عليه نحن اليوم، كما أن رؤية الحكومة الحالية لا تخدمه البتة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/14-

سلانغور.. النجاح بالجمع بين الصناعة والسياحة

سلانغور.. النجاح بالجمع بين الصناعة والسياحة
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
أينما وليت وجهك هنا تجدْ أجانب: نيباليين، هنود، بنغاليين، بورميين، إندونيسيين، وصينيين.. أسأل "عارف يبانوغ" وهو شاب ماليزي من أصول إندونيسية، يعمل منذ تسع سنوات في مدينة شاه علم عاصمة دار الإحسان-سلانغور، فيخبرني أنهم بالأساس عمال مقيمون.

يعمل عارف في إحدى الشركات الماليزية كوسيط بينها وبين الراغبين في القدوم إلى البلاد للعمل، ويقول إن غالبية العمال يفضلون المجيء إلى هذه الولاية، فخيارات العمل فيها متوفرة بكثرة لتركز أكبر عدد من الشركات والمصانع فيها، فضلاً عن قطاع الخدمات الذي تعتمد عليه الولاية بدرجة ثانية.

ويضيف "قبل تسع سنوات كان العثور على سكن في شاه علم أمراً صعباً، خصوصا لأصحاب الدخل المنخفض. أما الآن فهناك الكثير من الخيارات بسبب تدفق العمالة الأجنبية، وهذا أمر جيد".
 
حافلات الرحلات السياحية لمدينة شاه علمفي ولاية سيلانغور (الجزيرة)


لا تتعدى تلك الخيارات التي يتحدث عنها عارف شققا مشتركة، إذ تنتشر أحياء بأكملها توفر غرفاً صغيرة للإيجار بأسعار معقولة، غالباً ما يتكدس بداخلها عمال أجانب. أما أصحاب الدخل الجيد، وسكان البلد على وجه الخصوص، فمنازلهم عبارة عن فلل ذات حدائق خلفية، وهي صورة تكاد تغيب في ولايات صناعية أخرى بالدولة.

وتعتبر دار الإحسان-سلانغور أكثر ولايات ماليزيا تطوراً وتقدماً، وأغناها من حيث الناتج الإجمالي المحلي. ففضلاً عن الموارد البشرية العالية نسبيا بسكان يزيدون عن ستة ملايين نسمة، هي تتمتع ببنية تحتية متطورة، وتعتبر ميناء الدخول الرئيسي للبلاد، ناهيك عن موقعها الإستراتيجي المهم، حيث تقع على الحدود مع العاصمة كوالالمبور.

تساهم سلانغور اليوم بنحو 22.7% من اقتصاد ماليزيا، تليها العاصمة كوالالمبور بنسبة 15.3%. وبذلك تكون دار الإحسان أكثر الولايات الماليزية إسهاماً في القطاع الاقتصادي.
بريان لو في سيتي بارك بمدينة شاه علم الماليزية (الجزيرة)

وبالعودة إلى الإحصائيات المتوفرة على الموقع الإلكتروني للولاية، نجد أن معدل النمو الاقتصادي فيها يبلغ 4.8% بمشاركة 3.3 ملايين عامل، وهو ما يعادل أكثر من نصف سكانها. أما نسبة معدل الأمية حسب الموقع فهو 1.3% فقط، بينما يصل عدد المتخرجين كل سنة إلى أربعين ألف طالب عن 150 مؤسسة للدراسات العليا.

ويرى المحاضر بكلية اللغة العربي في جامعة الشرق الأوسط الماليزية الدكتور محمد الطيب أن أسبابا كثيرة ساعدت في تطور دار الإحسان-سلانغور وجعلها وجهة للاستثمار الخارجي والمحلي على حد سواء. فهناك "13 شركة متعددة الجنسيات وجدت في ولاية سلانغور المكان الأمثل للاستثمار، وأعتقد أن وجود ميناء كلانغ ومطاري كوالالمبور الدولي ومطار سلطان عبد العزيز شاه؛ من أهم الأسباب التي ساعدت في تسريع عملية تطور الولاية، بالإضافة إلى كونها في مأمن من الكوارث الطبيعية".

80% من السيارات في شوارع ماليزيا هي سيارات محلية الصنع باسم "بروتون ساجا" التي قامت شركة بروتون الماليزية -ومقرها شاه علم عاصمة ولاية سلانغور- بتصنيع أول دفعة منها مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

يقول عارف إن شركة بروتون تقدم تسهيلات وعروضا استثنائية لتشجيع السكان على شراء سياراتها "ثمن سيارتي 37.8 ألف رنغت (9000 دولار)، وهذا مبلغ لا يمكنني توفيره دفعة واحدة، لهذا أنا أدفع للشركة نحو 115 دولارا شهريا فقط، وهو عرض لا يمكنني إيجاده عند شركات أخرى".

سيارة بروتون جايا محلية الصنع في ماليزيا (الجزيرة)


ويضيف "أفضّل استعمال السيارة على وسائل النقل العمومي التي لا تغطي كل المناطق، كما أنها غير مجدية في التنقل بين الولايات رفقة الأهل والأصدقاء".

وتعتبر ماليزيا من أنجح البلدان غير الغربية التي حققت نقلة اقتصادية نوعية على مدى القرن الماضي. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر كانت مورداً أساسياً للمنتجات الأولية للبلدان الصناعية كالقصدير وزيت النخيل والمطاط والنفط والغاز الطبيعي.

يقول الطيب "ساعد ماليزيا موقعها الإستراتيجي، تماما كما ساعد دار الإحسان على وجه الخصوص في نهضتها، فقد كان التجار العرب والهنود والصينيون يأتون إلى هذه الجزر الملاوية بانتظام، لكونها ملتقى طرق التجارة البحرية من المحيط الهندي إلى شرق آسيا.

وكان البلد معروفا بتجارة الذهب والقصدير وريش الطيور والغابات العطرية، وكانت موانئها مركزا مهما لتنسيق التجارة المحلية والدولية على حد سواء، ويعتبر ميناء كيلانغ في سيلانغور أقدمها على الإطلاق، أما اليوم فتبلغ سبعة موانئ".

المباني السكنية المخصصة للعمال خصوصا الأجانب في ولاية سلانغور الماليزية (الجزيرة)


ويشرح الطيب أن الأمور تغيرت في أواخر القرن السادس عشر، حيث احتلت المنطقة من طرف البرتغاليين ثم شركة الهند الهولندية، وقد سهلوا الطريق بذلك لبريطانيا من أجل توسيع سيطرتها في شبه جزيرة الملايو أواخر القرن الثامن عشر.

كان الاعتماد حينها على القطاع الزراعي بالدرجة الأولى، والاستفادة من الثروة الطبيعية لسلانغور التي كانت غابات المطاط والقصدير تغطيها بالكامل. لكن بعد استقلال البلد، غيرت ماليزيا من خطتها موجهة اهتمامها نحو التعدين، وقد كانت الولاية أهم مراكز هذه الصناعة.

ومع بدايات سبعينيات القرن الماضي نجحت ولاية سلانغور في تصدير بعض السلع الكهربائية والإلكترونية، وبفضل الحكومة التي أعطت دوراً مركزيا للاستثمار الأجنبي والمشاريع الخاصة والعمل من أجل زيادة المشاركة، كان البلد في غضون عقدين قد استوفى إلى حد كبير معايير بلد حديث التصنيع، فقد بلغت نسبة الصادرات التي تتألف من سلع مصنعة 30% مطلع التسعينيات، أما النسبة اليوم فتكاد تصل إلى 90%.

شاه علم قد لا تشبه باقي المدن الصناعية في كثير من مناطق العالم، إذ تتميز بطبيعة خلابة، ومرافق هادئة للاستجمام، فضلا عن مراكز تسوق ومدن ملاهي، وأماكن عبادة، ومتاحف ومنتجعات صحية، وهذا ما جعلها وجهة سياحية بامتياز، قبل أن تكون وجهة للمستثمرين ومرفأ أمل للعمال، حيث استقبلت عام 2015 وحده أكثر من سبعة ملايين سائح من أصل 26 مليوناً دخلوا البلاد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/14-

انفجار تعليمي نوعي غيّر وجه ماليزيا

انفجار تعليمي نوعي غيّر وجه ماليزيا
 
رميساء خلابي - كوالالمبور

يستعد إقبال بن نور الدين للذهاب إلى ثانوية "سيري هارماتاس" بالعاصمة كوالالمبور، وهو مدرس لغة إنجليزية؛ أي أنه أفاد مما يعرف هنا بالمدارس الذكية أثناء تعليمه، وطبعا خضع لتدريب خاص بوسائل التقنية والتكنولوجيا قبل أن يشرف على تدريس تلاميذه.

فلا يسمح لخريجي كلية التعليم الالتحاق بوظائفهم بلا تدريب خاص، يقوم قسم إعداد المعلمين في وزارة التربية بالإشراف عليه في كليات خاصة، وتتراوح مدة التدريب بين سنتين وثلاث سنوات. تشمل برامج في الإعداد الذاتي وهي تطبيق عملي بحت، وأخرى في علم النفس التربوي، وتكنولوجيا التدريس، وشؤون الخدمة العامة في التعليم، بالإضافة للتدريب على المواد الدراسية.

يقول إقبال إنهم تدربوا طيلة فصل دراسي كامل على الأنشطة التي ترافق البرنامج الدراسي، وتعد جزءا هاما من برنامج تأهيل الأساتذة "طُلب منا المشاركة بفاعلية في تلك الأنشطة، فهي معيار قدرتنا على الإدارة والتنظيم والتدريب والقيادة، التي يتوجب على كل معلم منا أن تتوفر فيه بنسبة عالية، قبل خوضه تجربة التدريس".

وعن المدارس الذكية يقول إقبال إنها كانت خطة وزير التعليم سنة 1996، "تان سري داتو وان" من أجل تطوير المدرسين ورفع المستوى المعرفي للطلاب، وتمكينهم من الوصول إلى مصادر التعلم المباشرة، وذلك لتخريج جيل منتج ذي مهارات عالية.

وبالفعل، نجحت خطة الوزير تان سري، وإن كانت في بداياتها مقتصرة على بضع مدارس فقط، ففي سنة 1999 كانت شبكة الإنترنت تصل إلى أكثر من 90% من المدارس. والنتيجة ارتفاع عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة إلى 93.8% سنة 2000 من جملة السكان، في حين كانت النسبة لا تتعدى 53% عام 1970.


أثناء دورة هيا نطور جامعتنا الموجهة لطلبة الثانوية في مدارس ماليزية (الجزيرة)


ويرى إقبال أن استثمار التكنولوجيا في التعليم كان من أهم الأسباب في محاربة الأمية، ورفع مستوى الوعي، والالتحاق بركب الدول المتقدمة. "الثورة الرقمية أحدثت طفرة في العالم، وقد كان من المفيد اعتمادها في التعليم، فقد لاحظنا إقبال الطلبة على المناهج الدراسية، وسهولة تحصيلهم العلمي، وشغفهم بالمعرفة".

ويضيف "أعتقد أنه علينا الاستفادة ما أمكن من تقنيات ووسائل العصر الذي نعيش فيه، إذ لا يمكننا الاعتماد على الكتب وحدها في القرن الحادي والعشرين، الذي أحدث فارقا شاسعا بالثورة الرقمية، وهذا ما يحدث شرخا كبيرا بين طلاب العالم المتقدم وطلاب الدول غير النامية، فلغة التواصل بينهما مختلفة، ناهيك عن حجم المعرفة".

"العمل الفاعل والسريع"، كان هذا هو شعار وزارة التعليم الماليزية التي تتطلع إلى أن تصبح البلد إحدى الدول المتقدمة في التعليم سنة 2020. وذلك من خلال خطة شاملة للنهوض بهذا القطاع، الذي كان أول المهتمين به رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد، عندما قال "ازرع تعليما تحصد اقتصادا"، في وقت كانت فيه ماليزيا مجرد مستعمرة زراعية، استفاد الغزاة من خيراتها البشرية والطبيعية على مر التاريخ، لكنها اليوم في مقدمة دول جنوب شرق آسيا على المستوى الاقتصادي، ولا تتعدى فيها نسبة الأمية 2%.

"نور العائشة بنت محمد البشير" طالبة متخرجة في قسم اللغة العربية ولغات الشرق الأوسط بكلية اللغات واللسانيات بجامعة ملايا. تقول إن استعمال التكنولوجيا كان سببا في تعلمها للغة بطريقة سريعة، إذ إن طريقة تدريسهم تعتمد على التطبيقات والبرامج الإلكترونية، سواء داخل الحصة أو في مكتبات الجامعة، التي توفر كتبها بنسخة إلكترونية منزلة على حواسيب موصولة بالإنترنت.

الأساتذة في المدارس الماليزية يشاركون طلابهم الأنشطة الموازية والتي تشمل جلسات نقاش ورحلات وأنشطة رياضية (الجزيرة)


يعاقب القانون الماليزي الآباء الذين امتنعوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس، فالتعليم هنا إجباري ومجاني. يضمن للتلميذ الملتحق نقله آليا للصف الموالي طيلة تسع سنوات من تعليمه، ست سنوات للمرحلة الابتدائية، وثلاث سنوات للمرحلة الثانوية الأولى، حسب التسمية هنا. وتقدم الحكومة للآباء قروضا بلا فوائد لتمكينهم من إرسال بناتهم -على وجه الخصوص- إلى المدارس وتوفير مستلزمات المدرسة كما تمنح للأسر الفقيرة مساعدات مجانية.

وبالعودة إلى إحصاءات وزارة التعليم، فإن نسبة الفتيات في المدارس الابتدائية والثانويات والجامعات عامة أعلى من نسبة الذكور الذين ترتفع نسبتهم فقط في المدارس الفنية.

في كلية اللسانيات بالجامعة الإسلامية العالمية، كان موعدي مع الدكتور "محمد الطيب" في مكتبه للحديث عن نهضة التعليم التي عرفتها بلاده في العقود الأخيرة.

فقال إن لغة التدريس الأولى في جميع المؤسسات التعليمية الحكومية هي "المالاوية"، وإنها تُفرض لغةً للتعلم في المدارس الخاصة، التابعة إما للأقليات الموجودة هنا، التي تفضل تدريس المناهج الحكومية للطلبة بلغاتها الأم، أو للمدارس الأجنبية "الأمر لا يخص الجامعات والمعاهد الخاصة طبعا، فهي تعتمد على اللغة الإنجليزية في التدريس، وأعتقد أن الهدف من فرض اللغة المالاوية كان توحيد أقليات مجتمعنا على لغة وطنية واحدة، حتى تكون فرص التحاقهم بالتعليم العالي متكافئة".

أسست جامعة المالايا كأول جامعة في البلاد سنة 1949 في سنغافورة حين كانت ولاية ماليزية، قبل انفصالها سنة 1965. وعنها يقول الطيب "هناك العشرات من الجامعات الحكومية وفروع للجامعات الأجنبية، وتتبع كل الجامعات المعايير العالمية في التدريس، وتحديد التخصصات والمناهج الدراسية، وتشجيع الروابط بين الجامعات المحلية والجامعات العالمية الشهيرة، لاكتساب الخبرة والتطوير".

الأمير البريطاني تشارلز في زيارة لإحدى الجامعات البريطانية في ماليزيا (رويترز)


وفي هذا الصدد يؤكد إقبال بن نور الدين أن وزارة التعليم تهدف من خلال تزويد مراكز التعليم بالأجهزة التقنية وإمدادها بالإنترنت إلى صناعة جسر تواصل بين الطالب الماليزي والعالم من حوله، وأن عددا من البرامج تتم بالمراسلة مع طلبة أميركا وأستراليا، حيث كان للدولتين الأسبقية في فكرة إنشاء المدارس الذكية.

ويقول الطيب عن تجربة دمج التكنولوجيا في الفصول الدراسية فيقول "لا يمكنني إنكار أنها ساهمت في تسريع عملية التعلم لطلبة اللغة العربية، خصوصا في مواد الاستماع والتحدث، ففي السابق كنا نبذل جهودا مضاعفة في سبيل ذلك، لكنها في الوقت نفسه قللت من التواصل بيننا وبين طلبتنا بشكل كاف".

يبلغ عدد جامعات ماليزيا الحكومية اليوم أربعين جامعة، وأربعين مثلها من الجامعات الخاصة، و31 كلية خاصة، بالإضافة إلى تسع جامعات أجنبية. وهكذا يكون مجموع مؤسسات التعليم العالي هنا 120 مؤسسة، في حين كان العدد لا يتجاوز 55 جامعة حتى عام 2000.

تطمح ماليزيا اليوم إلى أن تصل نسبة الجامعات التي توفر التعليم عن بعد كخيار أمام الطلبة الراغبين في الانتساب المطور، إلى 70% بحلول سنة 2025. ما يعني مدارس ذكية وافتراضية في الوقت نفسه.
العصر عصر السرعة، والتكيف معه أمر ضروري، هكذا أنهى الطيب حديثنا المطول، وأوضح ذلك بقوله "النتائج هي ما يهمنا في النهاية، وهي إيجابية جدا، فعدد خريجي الجامعات عام 2015 على سبيل المثال كان مئتي ألف، وهذا رقم قياسي، مقارنة بأعدادهم قبل حلول الألفية الثانية".

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/14-

المسجد الأزرق.. أيقونة تزاوج الثقافات المعمارية

المسجد الأزرق.. أيقونة تزاوج الثقافات المعمارية
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
محاطاً من ثلاث جهات ببحيرة جميلة، يتربع أكبر مسجد في ماليزيا، وواحد من أجمل المساجد في العالم. مسجد صلاح الدين عبد العزيز، على اسم حاكم ولاية سلانغور، وقد كان نفسه رئيس اللجنة التي أشرفت على بناء هذه المعلم اللافت.

على خلاف المواقع التي يمكن زيارتها في الولاية، كان العثور على موقف للسيارة أمراً سهلا، لكن كان علينا طبعاً زيارته -أنا والأختان كاميريا وسلمى بنت طالب- في يوم غير يوم الجمعة الذي يحتشد فيه المصلون بالآلاف كما أكد لي الدكتور محمد الطيب، ويصعب أن يجد المرء مكاناً له، فضلاً عن موقف لسيارته، رغم المساحة الكبيرة للمسجد.

يخبرني الدكتور محمد الطيب -وهو محاضر بكلية اللغة العربية في جامعة الشرق الأوسط الماليزية- أن السلطان صلاح الدين عبد العزيز كان يطمح إلى بناء شيء مبهر يميز ولاية سلانغور عن باقي ولايات البلاد الثماني، وذلك بعد استقلالها عن كوالالمبور وإعلان مدينة شاه علم عاصمة لها عام 1974.

صلاة الجنازة على السلطان صلاح الدين عبد العزيز في الجامع الوطني - رويترز (رويترز)


تشكل ولاية سلانغور نموذجا لتزاوج التقاليد بالحداثة، وتبدو العمارة إحدى أوجه هذا التزاوج، إذ ما زال الناس يفضلون المنازل المستقلة ذات الحدائق الخلفية؛ على الشقق والسكن في العمارات المزدحمة، كما هو الحال في كوالالمبور. وجاء مسجد صلاح الدين ليمثل أيقونة هذه العمارة، بتصميمه الحديث، وموقعه الجغرافي الطبيعي، حيث يطل على هكتارات من المساحات الخضراء تابعة لحديقة الفنون الإسلامية، وكذا البحيرة.

تحقق حلم السلطان بالفعل، ففي أقل من ست سنوات تمّ الانتهاء من أعمال ثاني أكبر مسجد في جنوب شرق آسيا بعد مسجد الاستقلال في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، تعتليه أكبر قبة لمسجد في العالم بعد قبة مسجد "إديبالي" في مدينة بورصة التركية، وتنتصب على أطرافه أعلى مآذن في العالم مجتمعة.

يقول الطيب "كان عملا هائلا لم يسبق للبلاد أن شهدت مثله من قبل، ولا أعني بذلك كبر مساحته، والأرقام القياسية التي سجلها في موسوعة غينيس عن مجموعة مآذنه وقبته، ولكن من الناحية العمرانية أيضا". ويضيف "عمارة المساجد هنا، تكاد تكون بلا هوية محددة، فأحيانا يُعتمد في بناء المسجد الواحد على طرز مختلفة، كما هو الحال في مسجد الاستقلال مثلا في العاصمة".

قاعة للأكل بالطابق الأرضي، حيث توفر وجبات للمشاركين في الندوات والمؤثمرات واللقات التي تقام في المسجد (الجزيرة)


ويواصل الطيب حديثه بالقول إن مسجد "نيغارا" في العاصمة صمم على شاكلة المساجد المغربية من الواجهات الداخلية له، لكن تصميمه الخارجي من حيث الأقواس والقباب كان على النمط المغولي. وكلا الطرازين أتى مع فترة الاستعمار البريطاني، حيث عرفت ماليزيا قفزة نوعية في العمران أخرجتها من النمط المحلي التقليدي وجعلتها أكثر انفتاحاً وتقبلا لأشكال العمارة الإسلامية المتنوعة.

ويبدو هذه القفزة العمرانية جلية في مسجد المنطقة الاتحادية الذي شيد عام 2000 على الطراز العثماني، في حين أن مسجد صلاح الدين عبد العزيز -أو المسجد الأزرق كما بدأ يطلق عليه مؤخراً من طرف السياح والأجانب- كان نموذجاً للعمارة الملاوية العصرية، القالب الذي أراد السلطان صلاح الدين أن تتفرد به ولايته سلانغور.

ويرى الطيب أنه تصعب نسبة العمارة الماليزية الحالية إلى العمارة التي عرفها الملايو -سكان البلاد الأوائل- في بيوتهم ومساجدهم، ولعل مسجد "ترغكانغو" الذي كان تابعا للسلطان زين العابدين الثاني أواخر القرن السابع عشر؛ يعكس جانباً منها، متمثلا في بساطة أشكاله الهندسية ونوافذه الكبيرة ولونه الأبيض.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور الطيب "أعتقد أن العمارة الماليزية اليوم مزيج يعكس ثقافات الشعوب التي تشكل البلد، فالمسجد الجامع في العاصمة -الذي بني قبل أكثر من قرن- نسخة مصغرة لقباب تاج محل في الهند، ويعكس بالتالي تأثر الثقافة الملاوية بقرينتها الهندية بسبب الهجرة الكبيرة التي عرفها سكان جنوب الهند إلينا، ولديك مثلاً المسجد العظيم فهو على الطراز الصيني، وهكذا".

مكتبة الإمام النووي بالطابق الأرضي بالجامع الأزرق في ماليزيا (الجزيرة)


تتخيل وأنت تقف أمام المسجد أن قبته الضخمة تساويه مساحة وتكبره ارتفاعا، أما مآذنه الأربع فتختفي في سماء شاه علم الضبابية، لهذا كان علينا ترقبُ يوم مشمس لنتمكن من التقاط الصور.

الأرضيات الرخامية، والأروقة الفسيحة، والأعمدة الشاهقة، والألوان الهادئة، والزجاج الأزرق الذي يعكس ضوء الشمس بلطف، والزرابي التي تغطي أرضية الطابق الأول المخصص للرجال، وكذا الطابق الثاني حيث تصلي النساء.. كل هذا لم يكن يشكل سوى القسم المخصص لأداء الصلاة في المسجد. ففي الطابق الأرضي مثلاً، تكتشف فضاء جديدا يكاد يكون مؤسسة تعليمية متكاملة بها مكتب إداري، وقاعة محاضرات، ومكتبة كبيرة مخصصة لكل الفئات العمرية، وقاعة للمؤتمرات، وأقسام مخصصة لأخذ الدروس الدينية، وهناك مكتب استقبال قرب بيت الإمام لمن رغب في لقائه، ناهيك عن المطعم الذي يرحب بضيوف الله ويوفر لهم وجبات محلية مجانا.

وقد أخبرتني الأختان سلمى وكاميريا أن أنشطة أخرى تقام في المسجد بالموازاة كما هو الحال في كل مساجد البلاد، مثل عقود الزواج، وموائد الإفطار خلال شهر رمضان الفضيل.

لا يستطيع السياح غير المسلمين الدخول إلى مساجد ماليزيا، كما تمنع النساء غير المحجبات من الاقتراب. تُترك النعال عند أول باب، وتسجل في مكتب مخصص لهذا الغرض، كما يُمنع التجول في المسجد وأروقته والصالات الملحقة بها. لكن اللافت للنظر هو تسامح القانون هنا مع التقاط الصور، بل فوق ذلك توفر المساجد الكبرى في البلد -التي تبلغ عشرين مسجداً- لمرتاديها الوصول إلى الشبكة العنكبوتية مجانا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/14-

"ديبافالي" الهندوسي.. انحسار الطقس الديني أمام الاحتفالي

"ديبافالي" الهندوسي.. انحسار الطقس الديني أمام الاحتفالي
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
سأذهب اليوم مع "جيانتي تاميل سيلفام" المعروفة اختصارا بـ"جيا" إلى القرية التي تقيم فيها أسرتها الكبيرة للاحتفال بعيد "ديبافالي"، إذ إن المكوث في كوالالمبور غير مجد في مناسبات دينية احتفالية كهذه.

تقول جيا -من العرقية الهندية- إنه يصعب عليها أن تستشعر أجواء العيد من دون لمة العائلة الكبيرة ومباركة الآباء والأجداد. وعندما سألتها عن أصوات الألعاب النارية التي لم تهدأ منذ أسبوع هنا ليلا ونهاراً، قالت إنها لا تخص عيدهم فقط، بل هو رمز من رموز الاحتفال بأي عيد كان في ماليزيا.

بعد اجتيازنا الباب الحديدي للمنزل الكبير، كانت أخت جيا الكبرى "شانتولي"، أول من استقبلنا. كانت منشغلة بتحضير الأدوات اللازمة من أجل "الرانغولي" الذي سترسمه قبل حلول يوم الغد، والذي يعد آخر أيام الديبافالي بالنسبة للأسر التي تحتفل به طبقا للمعتقدات الهندوسية، لكن الاحتفال به أصبح مقتصراً على يوم وحيد بالنسبة للغالبية العظمى من الهندوس هنا، كما فهمتُ لاحقا.
 
ليس متسولا وإنما كاهن وعارف هندوسي (الجزيرة)


وعن الرانغولي تقول جيا إنه مصطلح يطلق على الرسومات الأرضية التي تحضر في التقليد الديني الهندوسي من مسحوق الرز الأبيض، لكن جيا تخبرني أن عادة الرسم بمسحوق الرز بدأت بالاندثار هنا، وحل محل الرز الرسم بالرمل، أو بالنباتات المصنعة، وكذلك بمسحوق الدقيق أو الرز الملون والمصنع، ومتوفر شراؤه في كثير من المحلات التجارية.

على أرضية البهو شرعت شانتولي ترسم بالمساحيق الملونة لوحتها، تقول إنها من الأشكال المعروفة عندهم، وإنها تعلمتها عن والدتها، إذ إن النساء وحدهن المطالبات بالقيام بهذا النوع من الرسم. "هناك أشكال معروفة عندنا مستمدة من تراثنا الديني، كالطاووس والفيل وباقي الحيوانات، وكذلك الزهور المقدسة، لكن بإمكاننا أن نبدع أشكالنا الخاصة، إذ الغرض من هذا الرسم على الأرض هو جو البهجة والفرح الذي يمثله ديبافالي لنا".

استغرق الأمر منها بضع ساعات لتنهي لوحتها الجميلة، قبل أن تقول إنه يجب الانتهاء من الرانغولي قبل صبيحة العيد، وإنه لا يجوز رسمه سوى على سطح الأرض.

الديبافالي يوم واحد هنا بالنسبة للعاملين، وأسبوع كامل لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، لكن الألعاب النارية والمفرقعات وأصوات الطبول والمزامير تبدأ قبل ذلك بكثير.
 
ينتشر أمام كل المعابد بائعو الزهور الطبيعية وهي توضع كقلادة أو تشترى لتزين بها التماثيل (الجزيرة)


جدة جايا السبعينية تستقبلنا عند الباب وترش رؤوسنا بزيت السمسم، وتطلب منا أن نغسل رؤوسنا بعد نصف ساعة. سألت جايا عن هذا التقليد، فأخبرتني أنه قبل سنوات كانت جدتها تضع على رأسها عجينا يسمى "شيكاكاي" -وهو عبارة عن مسحوق مستخلص من نبات آكاسيا كونسينا والماء- بدل الزيت كما هو التقليد الهندوسي المتبع، لكنها اليوم غير قادرة على الالتزام بذلك.

وتضيف جايا "يصعب إزالة المسحوق وتنظيفه، نفضل الزيت والقليل منها ما أمكن، وفي التقليد الديني علينا أن نستحم بزيت السمسم، لكن قليلا من الهنود اليوم من يلتزم بعاداتنا وتقاليدنا، أعتقد أن عامل الوقت يلعب دورا، فطقوس عيدنا تستمر لأسبوع، بينما إجازتي مثلا كانت ليوم واحد فقط".

هذا اليوم هو للقاء الأقارب، والذهاب للمعبد من أجل الصلاة وتقديم القرابين للأموات، والاستمتاع بالمأكولات الهندية التقليدية. حسب جيا، التي ترى أن الاحتفالات الدينية هنا خرجت عن مقصدها التعبدي، وأصبحت فرصة لصلة الأرحام.
 
حلويات هندية يتم استهلاكها بكثرة في الأعياد الدينية الهندوسية (الجزيرة)


وتواصل حديثها بالقول "عندما زرت مومباي قبل سنتين للقاء صديقي تفاجأت بالجو الديني الصارم هناك، إذ كان الاحتفال بديبافالي لمدة سبعة أيام في كل الأماكن، وكانت الأمهات يمتنعن عن طبخ اللحوم والأسماك طيلة أيام العيد، بينما في بلدي نقضي أيام الأسبوع في العمل ونضطر للأكل خارجا في المطاعم، ولا نحس بأجواء العيد إلا إذا اجتمعت الأسرة الكبيرة".

تعمل جايا في شركة أسفار في العاصمة كوالالمبور، وتسكن وحدها، بينما عائلتها في ولاية "جهور باهرو" القريبة من سنغافورة، وتقول إن معظم العائلات الهندوسية في الولايات البعيدة، يعمل أبناؤهم في العاصمة أو قريبا منها، وترى أن هذا من الأسباب التي جعلت التمسك بطقوس الأعياد الدينية أمرا صعبا.

لكن الصورة تختلف كثيرا في حي "الهند الصغيرة"، الذي يتميز بأسواقه ومحلاته ومطاعمه الهندية الأصيلة. فقبل أسبوع الديبافالي تبدأ الاستعدادات فيه، من خلال تزيينه بالمصابيح ذات الألوان الدافئة، والشرائط الحريرية المعلقة، ولوحات البانغولي التي توجد عند مدخل كل متجر تقترب منه.

تعتبر الأعياد الدينية والوطنية مناسبة يتفرد بها كل عرق هنا بتراثه الثقافي، ومن أشد مظاهره اللباس والمأكولات (الجزيرة)

يقول أحد الباعة في الهند الصغيرة "يقبل على منتجاتنا قبيل الاحتفالات الدينية والوطنية الكثير من الزبائن، فبضاعتنا نستوردها من الهند كالتوابل والمجوهرات والملابس التقليدية، أشعر أننا نلبي حاجة الهنود بالخصوص وإن كان غيرهم يقبل على محلاتنا أيضا".

تعد "موروكي" أشهر الوجبات الخفيفة التي تتوفر في كل مكان أيام ديبافالي، وهي عبارة عن عجين مشكل مقلي في الزيت، يعتقد أتباع الديانة الهندوسية أنها رمز للكرم والسخاء.

في عشية يوم الاحتفال، كانت العائلة مجتمعة على سفرة هندية أصيلة، رغائف الدوسا المقرمشة، المعدة من دقيق العدس الأسود، ولحم الضأن المتبل بالكاري، وطبعا البرياني بالخضار والزعفران والفواكه الجافة.
كانت النساء يرتدين لباس الساري والشلوار البنجابي، وعنه تقول جايا إن الهنود هنا يرتدون اللباس الهندي التقليدي بغض النظر عن الإثنية التي يمثلها، فهم ينتسبون إلى الهند بكل تنوعها. وقبل أن يجلس الجدان ويأذنا لنا بتناول الطعام، كانت الجدة "كانامي رامو" قد قدمت الطعام لجاراتها، وعلمت فيما بعد أن هذا أحد طقوس الاحتفال، وإن كان قد استحال إلى عادة تتكرر عند كل العرقيات هنا أثناء احتفالاتها الخاصة، أو حتى في المناسبات الوطنية.
يقوم الكاهن بمباركة الزوار في الصلاة الصباحية لليوم الأخير من الديبافالي (الجزيرة)



إحدى راهبات معبد "سري مهاميريامان" القريب من "الحي الصيني" هنا، سألتها عن مظاهر الاختلاف في طريقة الاحتفال بديبافالي بين الرهبان وبقية أتباع الديانة من المؤمنين، فأخبرتني أن "القرابين يقدمها المصلون، وهي في التقليد فواكه وحليب جوز الهند، أما نحن فنقوم بخدمة التنظيف التي تسبق أسبوع الاحتفال، ونزين معابدنا بالزهور والمصابيح الملونة".

في صباح اليوم الموالي استيقظت على أصوات الألعاب النارية بعدما اعتقدت أن ضجيجها سينتهي بانتهاء الاحتفال. قال لي الأصدقاء إن مناطق كثيرة في ماليزيا تستمر في احتفالاتها طيلة السنة، إذ يجد الشباب العاطل والمراهقون متعة في ممارسة بعض الفوضى، التي لا يستنكرها أحد.

خارج البيت، كان الشارع مكسوا باللون الوردي، شاهدا على ضجة ديبافالي مهما قالت عنه صديقتي جايا، إنه احتفال هادئ وبسيط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/14-

العلاجات التقليدية.. ثقافات الشرق تجتمع بماليزيا

العلاجات التقليدية.. ثقافات الشرق تجتمع بماليزيا
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
تقول القصة الرائجة هنا إن سكان الجزر الأصليين "شعب المالايو"، كما يطلق عليهم، طوروا أساليب في العلاج من أمراض عدة، مستفيدين بدرجة أساسية من خيرات الحزام الأخضر، الذي كان يغطي كل مساحة ماليزيا تقريباً، وبدرجة أقل من خلال التجار القادمين من إندونيسيا والهند والصين والشرق الأوسط.

ولأن الاعتماد كان على ما توفره الطبيعة، فقد استعمل شعب المالايو نباتات متنوعة في العلاج، أهمها "كيمبانغ باغي" للمشاكل الجلدية، وهو نوع من نبتة "اليربا" غير الموجودة في الوطن العربي، ونبتة "بونغا تاهي آيام"، وهو نوع من المخمليات الذي يستعمل لمعالجة الدوران، ونباتات أخرى مثل "ماس كوتيك" و"سيرابات أنغين" و"تيلينكا بيروغ"، التي لا تزال تستخدم إلى اليوم من قبل المعالجين التقليديين المالاويين.

في غابات ماليزيا التي باتت تشكل نصف مساحة البلد فقط، يوجد اليوم أكثر من 1200 نبتة من أصل 12 ألفا يُعتقد أنها صالحة للاستعمال الطبي. تحاول كثير من مراكز العلاج التكميلي هنا الترويج لها، وإن كانت الدراسات لا تزال تجرى في المختبرات الرسمية، أو متوقفة بسبب التكاليف الباهظة، كما أنه يوجد أكثر من عشر جامعات متخصصة في الطب البديل.

العلاج بالنحل في ولاية صباح الماليزية (الجزيرة)


بالعودة للحكاية، نجد أنه قبل قرنين من الزمن وصل إلى ماليزيا رهبان من جزيرة "هينانان" جنوبي الصين، اختاروا أكثر التلال ارتفاعاً في منطقة "جلان كلان لما" بالعاصمة كوالالمبور، وبنوا عليها أكبر معبد في دول جنوب شرق آسيا، وهو أقدمها وأكثرها شهرة إلى اليوم.

خصص الرهبان الهينانيون المعبد في البداية لإلهة البحر "ميزو"، التي وفقتهم لعبور البحر الصيني بأمان، وهو البحر الفاصل بين ماليزيا والصين. لكن مع مرور الوقت أصبح للمعبد مكان لآلهة أخرى، وزوار من أتباع مذاهب وديانات أخرى أيضاً، فضلاً عن خدمات وأنشطة لا تستقطب بالضرورة فئة المتدينين.

بعد رحلة نصف ساعة بالسيارة من "جايا أنغاسانا" حيثُ أقيم، وصلتُ إلى معبد "ثيان هوو" لأتعرف على العلاجات البديلة التي يقدمها. كنتُ قد قرأت على مواقع إلكترونية عن وجود حديقة للأعشاب الصينية العلاجية داخل المعبد، فقررتُ أن أبدأ بها زيارتي. لكن تفاجأت بالمساحة الصغيرة لها، مقارنة بالمساحة المخصصة للمتاجر في الطابق الأرضي للمعبد والمطعم الكبير وقاعة عقد القران.

أطفال يتعلمون كيفية العناية بالنبات في حديقة التراث الزراعي في ماليزيا (الجزيرة)


استفسرتُ عن الأمر فقيل لي إنهم قاموا مؤخراً بزيادة عدد محلات التسوق في الطابق الأرضي. جزء لا بأس به منها يعرض منتجات صينية تقليدية للعلاج، وشرحوا لي أن غالبية السياح يقبل على هذه المنتجات الطبيعية والجاهزة للاستعمال أكثر من الأعشاب الورقية، التي تحتاج لكثير من العناية والمعرفة من طرف المستهلك.

عندما رغبتُ في صعود الطابق الأعلى لزيارة قاعات الصلاة، تفاجأتُ مرة أخرى أن قاعة واحدة فقط بالطابق الرابع متاحةٌ للمؤمنين والزوار على حد السواء. أما باقي المساحة فهي مخصصة للرهبان والكهنة والطلاب الناسكين والمشرفين على المكان. وهي أماكن مقدسة جداً تُفتح أبوابها في الأعياد الدينية فقط لعموم الناس. وقد لاحظتُ لاحقاً وأنا أتجوّل في الباحة الخلفية للمعبد أشغال ترميم وتماثيل آلهة جديدة بانتظار أن تصبغ وتزين لتنقل إلى تلك القاعات السرية.

لا يوجد دليل سياحي داخل ثيان هوو، لكن على يمين ويسار قاعة الصلاة توجد مكاتب مخصصة في الأصل لجمع أموال المحسنين، أو تسجيل أسماء الراغبين في تأدية صلوات خاصة، لكني كأي عابرة من هنا، وجدتُ فيها ضالتي لطلب بعض التوضيحات.

عرض للأدوية التكميلية في جامعة الطب التقليدي في ماليزيا (الجزيرة)


تحكي لي الموظفة بالمكتب أن المعبد كان له دور كبير في نقل التداوي بالأعشاب الصينية للشعب المالاوي، وتقول إن "الطب الصيني عموماً كان له السبق في اكتشاف الكثير من الأساليب العلاجية، وأنه قد أثر على الطب الشرقي بفضل توسعه وانتشاره".

وتضيف "نعتمد هنا على النباتات الصينية، مثل القتاد أو الأستراغالوس الذي يقوي الجهاز المناعي ويحسن من الأداء البدني، وكذلك نبتة توت الكوجي التي يقبل عليها كبار السن، فهي تحفز الديستوماز الفائق المعروف بأنزيم الشباب".

وتؤكد "لدينا أيضاً ثمر الشزندرة، الذي يكفي أكله لمئة يوم لإعادة الجسم إلى حالة توازنه، ونحن ننصح به مرضى الكبد خصوصاً. يقبل علينا الرجال الراغبون في زيادة خصوبتهم، لنقدم لهم نباتاً يدعى هيشو هوو. أما السياح الأجانب فيرغبون عادة في المنتجات التجميلية الطبيعية، فيما يقبل المواطنون المحليون على الأعشاب بغرض الاستطباب".

ورغم أن الطب التقليدي هنا يخضع للرقابة، إذ يتعين على كل معالج أن يحصل على إذن من وزارة الصحة قبل ممارسة مهنته، فإن محلات بيع الأعشاب، ومراكز التدليك، والمعابد التي تقوم باستقبال الراغبين في تجربة العلاجات الشعبية، لا تخضع لأي مساءلة قانونية.

مجموعة من النباتات الطبية المختلفة بحديقة التراث الزراعي في ماليزيا (الجزيرة)


كما أن هناك علاجات شعبية أخرى تنتشر في أنحاء البلد، مثل الحجامة، ولسعات النحل، والوخز بالإبر الصينية. ومراكز صحية تعالج بأسلوب "الباتشاكرما" و"السلكيام"، وهي طرق يعتمد عليها الطب الهندي الشعبي، كما أن هناك مراكز للعلاج "بالشياتسو"، وهو أسلوب ياباني تقليدي يدعي أنه يعالج كل أمراض الجسد باللمس.

إيمي كوان سيدة ثمانينية تعالج بلسعات النحل، انتقلتُ مؤخراً للإقامة معها في منزلها بالعاصمة كوالالمبور. تخبرني أن تنوع طرق العلاجات الشعبية هو نتيجة للتحولات التاريخية التي عرفتها البلاد.
 فالعلاجات الأيروفيدية أتت مع وصول شعوب الهند الجنوبية، والعلاج باليدين أو الشياتسو جاء مع الاحتلال الياباني منتصف أربعينيات القرن الماضي، أما العلاج بالإبر والتأمل والأعشاب فكان مع وصول الصينيين واستقرارهم بشكل نهائي هنا قبل قرن من الزمن على الأقل.

إيمي كوان التي تعلمت العلاج بلسعات النحل بالممارسة، تعترف بأنه لم يعد سهلاً عليها كسب المال من خلال عملها التقليدي كما في السابق. ويرجع السبب إلى احتكار عيادات الطب التكميلي للسوق في العقد الأخير، خصوصاً من طرف السياح.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/14-

الأسواق الليلية.. ملاذ الفقراء والدخل المرتفع

الأسواق الليلية.. ملاذ الفقراء والدخل المرتفع
 
رميساء خلابي - كوالالمبور
 
بعد شهر من التجول في شوارع ماليزيا، ومعاناتي من مشاكل في معدتي حتى لم أعد أقوى على أكل شيء غير وجبة الشوفان، اقترحت علي "إيمي وان" (74 عاما)، التي أقيم منذ فترة معها في حي "أنغاسانا"، وهي ماليزية من أصول صينية تدرس اليوغا، أن تأخذني إلى آبتاون. أحد الأسواق الليلية الشهيرة في مدينة "شاه علم" عاصمة ولاية "سيلانغور" المتاخمة للعاصمة، لشراء أعشاب تنظف المعدة، وأقنعتني أنه قد حان الوقت لأبدأ نظاما غذائيا نباتيا.

كان علينا الانتظار حتى الساعة العاشرة ليلا، موعد فتح السوق الليلي أبوابه. أخبرتني إيمي أن أنتبه لحقيبة الظهر، لأن بعضا من مرتادي السوق متسكعون ومتسولون، فضلا عن اكتظاظه الشديد يوم ذهابنا، وقد كان يوم نهاية الأسبوع.

بمشقة بالغة وجدنا مكانا لإيقاف السيارة قريبا من السوق، كان مختلفا عما شاهدته في كمبوديا، أو ربما أكثر تطورا. إذ لم يكن مجرد خيمات مفتوحة لعرض السلع والبضائع، بل متاجر ودكاكين ومحلات مسقوفة، تتوسطها ساحة مربعة الشكل لفرقة موسيقية محلية، ظلت تغني حتى الساعة الثالثة صباحا، موعد إغلاق السوق.

مجموعة من الشباب يبيعون الفواكه الخضروات وأسماكا مجففة (الجزيرة)


تخبرني إيمي أن الأسواق الليلية في كوالالمبور وحدها عشرون سوقا من هذا النوع. كما أن أسواقا ليلية كثيرة تنتشر في باقي الولايات. وقالت إن أسواق العاصمة تغلق أبوابها منتصف الليل عادة، وتفتح مرة كل أسبوع. بينما أسواق في ولايات أخرى تعمل طيلة أيام الأسبوع، وإلى غاية ساعات الصباح الأولى. آبتاون الذي أتينا إليه، كان واحدا من بينهم.

سألتُ إيمي عن سبب هذا التباين، خصوصا أن العاصمة هي أكثر المدن حيوية، فقالت إن خيارات التسوق في العاصمة كثيرة متنوعة، وتغطي كل أحيائها. بينما في شاه علم مثلا التي تقيم فيها أكبر نسبة من العمالة، فإن الأسواق الليلية تعد أحد الخيارات المحدودة أمام هذه الشريحة من المجتمع "العمال يعملون بدوام كلي في المصانع عادة، ولهذا يصعب عليهم توفير احتياجاتهم من الشراء خلال اليوم، فضلا عن رغبتهم في الترويح عن النفس بأقل المصاريف، ما أمكن".

لفت انتباهي ونحن نتجول في أروقة السوق تنوع البائعين، من حيث العرقية والجنس أيضا، لكن أغلب السلع كانت صينية، حتى تلك التي يستعملها المسلمون دون غيرهم مثل "الصارون" أو الإزار، وكذلك أغطية الرأس للنساء، والسبحة والسجاد. بالإضافة إلى الملابس المالاوية التقليدية، مثل "الباجو كورونغ"، وهو فستان تقليدي من قطعتين، ترتديه المسلمات المالاويات.
بائع للمارتاباك وهي رغائف رقيقة تحشى حسب رغبة الزبون إما بالدجاج أو الخضر أو فواكه البحر (الجزيرة)


تنتشر في هذا السوق الليلي بشكل أساسي المطاعم الشعبية، التي تقدم الأكل الماليزي بأثمنة مناسبة، إذ يمكنك الحصول على وجبة دسمة بأقل من دولارين، كما أن هناك عربات متنقلة لبيع المشروبات المثلجة بربع دولار فقط.

تعرفني إيمي على صديقة لها تبيع الحلويات المنزلية منذ خمس سنوات في هذا السوق، وتقول إن باستطاعتها أن تدخل أكثر من 5000 دولار شهريا. سألتها إن كانت قد فكرت في ترك تدريس اليوغا والانتقال إلى العمل في إحدى الأسواق الليلية فأجابتني "الأمر ليس بتلك البساطة، فالتجارة تتطلب كثيرا من الصبر. صديقتي مثلا، لم يكن لديها خيار آخر غير البدء في هذا المشروع، وقد تطلب الأمر منها بضع سنوات لتصل إلى وضع مالي مريح".

لا تفرض الحكومة الماليزية إلى اليوم أي ضرائب على الباعة في هذه الأسواق، لهذا فإنها تعد فرصة ثمينة لأبناء الطبقة الكادحة والعاطلين عن العمل، لفتح مشاريعهم الخاصة برأس مال زهيد جدا.

ورغم محاولة ماليزيا، منذ استقلالها، الاعتماد على القطاع العام في خطة للحد من نسبة البطالة، لا يزال القطاع الخاص يشكل أكثر من 11% من سوق العمل، 55% منهم على الأقل، يعملون لحسابهم الشخصي، ويشكل باعة الطعام المتنقلون وحدهم أكثر من 20%. جزء كبير منهم يستغل الأسواق الليلية من أجل دخل أساسي أو إضافي.
 
جانب من السوق الليلي بالعاصمة (الجزيرة)


لين هوي، يبيع سمكا طازجا هنا. ويقول إنه يعمل في تشو كيت ماركت في اليوم بالعاصمة، وبعد الخامسة مساء يعود للبيت وينام، ثم يأتي بسيارته إلى سوق آبتاون الليلي، بعد منتصف الليل. وعندما سألته عن نسبة ما يربحه خلال سويعات عمله في السوق الليلي، فاجأني بأن نسبة ما يجنيه هنا أكثر بضعفين على الأقل عما يحصل عليه خلال عمله ليوم كامل في كوالالمبور، وأن ذلك يرجع لقلة الزبائن نهاراً، مقارنة بالليل. إضافة إلى التنافس الشديد، "الناس تفضل أن تتسوق بالليل، لأن الطقس لا يكون مساعدا خلال النهار، وهناك عشرة باعة سمك غيري على الأقل في تشو كيت ماركت، بينما يحصل أن أكون وحدي بآبتاون".

سألت إيمي عن قصة الأسواق الليلية في ماليزيا، فأخبرتني أن التجار الصينيين الذين استقروا بتايلند وكمبوديا وتايوان وماليزيا، هم أول من سن التسوق الليلي. وشرحت لي كيف أن هؤلاء التجار كانوا في حقيقة الأمر مجرد هاربين من العقوبات التي كانت تفرض عليهم في الصين، بسبب أنشطتهم التجارية الليلية غير الرسمية. إذ إن الأسواق الليلية في الصين كانت تتركز في الضواحي البعيدة ما أمكن عن أعين السلطة، كما أن جزء كبيرا من اقتصادها كان قائما على الدعارة.

أكثر من الأعشاب التي ذهبت إلى آبتاون من أجل اقتنائها، استمتعت بأكل رغيف الروتي الشعبي اللذيذ، مثلي مثل كثير من الماليزيين الذين يرتادون الأسواق الليلية، فقط من أجل الأطعمة اللذيذة وغير المكلفة. إذ إن الذهاب ليلا رفقة الأصدقاء والعائلة من أجل الأكل يعد مناسبة رائعة بعد يوم شاق من العمل في مدن لا تتوقف عن العمل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/14-

العرائش.. حدّت على الاستعمار بـ "البُلغَة" السوداء

العرائش.. حدّت على الاستعمار بـ "البُلغَة" السوداء

 

وصال الشيخ - العرائش (المغرب)


عندما زار الأسير العاشق جان جينيه مدينة العرائش المغربية كان يقف متأملا المحيط الأطلسي من مقبرة الجنود الإسبان، فاختار أن يبني منزلا لصديقه محمد القطراني على مقربة منها، وبعد إصابته بسرطان الحنجرة أوصى أن يرتاح بالعرائش ويدفن فيه غريبا عن فرنسا.

ترك في العرائش منزلا ومكتبة، وقبرا دون ملامح ولا علامات. وعلى أهمية طنجة التي زارها وقابل فيها محمد شكري، فإنّه فضّل المدينة الوادعة المطلة على نهر قديم وأسطوري، نهر اللوكوس الذي يصبّ في المحيط الأطلسي "بحر الظلمات".

يعيش في العرائش نحو 125 ألف نسمة وفق إحصائيات عام 2014، بعد هجرة الكثيرين نحو بريطانيا وبلجيكا أو طنجة في المغرب بحثا عن عمل، بعد أن فقدت المدينة مكانتها الإستراتيجية والاستثمارية، فقد كانت مطمعا للأوروبيين خاصة البرتغال وإسبانيا منذ القرن الخامس عشر الميلادي، حتى عهد الحماية الإسبانية على شمال المغرب في القرن الـعشرين.

كان ميناؤها القديم على نهر اللوكوس طريقا رئيسيا لتجارة الذهب والملح، يربط بين جنوب الصحراء بأوروبا، خاصة إسبانيا التي احتاجت لاقتصاد قوي لدعم مستعمراتها في أميركا اللاتينية، وقامت من أجله معارك طاحنة قتل فيها الآلاف، ولا يزال هذا الميناء الفريد قائما، وتساق إليه المراكب الصدئة والمعطلة للتصليح.

السوق الذي بناه السلطان محمد بن عبد الله إضافة لجامع وحمّام وفرّان قريب من السوق توفيراً لاحتياجات العرائشيين (الجزيرة)



تبدو المدينة بملامح باهتة، ذابلة، لكن جمالا قويا حاضرا فيها. عندما يهبط الزائر بمحطة سيارة الأجرة الرئيسية، لا بدّ أن يمرّ بمسار تغيرت ملامحه وأسماؤه بعد استقلال المغرب.

بداية مع شارع "الحسن الثاني" أو "كاناليخاس مينديس"؛ وهو شارع رئيسي وحيويّ أحدثته إسبانيا عام 1911، وبنوا مساكن على جانبيه وفق النمط الموريسكيّ أو "العربي الجديد" للمهندسين العسكريين الإسبان، الذين أقاموا بالمدينة عام 1914، واحتوى على مقاهٍ وقاعة سينما ومسرح هُدما وحوّلا لبنايات سكنية حديثة، فضلا عن مكتبات بعضها ما زال مفتوحا، مثل مكتبة "الأمل" ومكتبة "كري ماديس" التي حافظت على اسمها بالإسبانية وتميزت بكتبها.

ومع انفتاح العرائش على أوروبا عبر الإسبانيين، أصبح الشارع ملجأ للنخبة الإسبانية المثقفة والعسكرية أيضا، إضافة للمغاربة، لكنّه اليوم يعيش حالة مغايرة بعد أن تحوّل إلى شارع تجاري عادي، يتبضع منه أهل المدينة، لكنّ الحنين لماضيه ظلّ يسكن قلوب وافديه.

في هبوطنا تجاه "ساحة التحرير" أو "ساحة إسبانيا" (اسمها السابق) التي بناها مهندس إسباني (1924-1928)، قابلنا رئيس مؤسسة "القصبة للنهوض بالتراث الثقافي للمدينة العتيقة" محمد شكيب الأنجري. كان رجلا غارقا بالمعلومات، حافظا لتاريخ مدينته ومحافظا عليه، وعندما سألناه عن اسم مهندس الساحة أجاب بأنّ "الأرشيف المعماري في عهد الحماية الإسبانية أُتلف حرقا في غابة قريبة عام 1989"، في حين توجد نتف دراسات تاريخية في متاحف ومكتبات مدريد ولشبونة.

استخدم ميناء العرائش كمكان لتمليح الأسماك وتصديرها منذ قرون ماضية، لكنّ اليوم اقتصر الميناء على مراكب محلية (الجزيرة)


تعتبر الساحة التي تتوسطها نافورة رابطا بين معمارين: الإسلامي الذي ميّز المدينة العتيقة، والمعمار الكلاسيكي الممزوج بالأندلسي الذي طغى على هندسة المدينة الحديثة الإسبانية لخلق نسيج مألوف بين المدينتين، من حيث شكل الأقواس والزخرفات وشكل المعمار.

يقول الأنجري لـلجزيرة نت "تميزت ساحة العرائش عن باقي الساحات التي بناها الإسبان بأنّها عكست معمار المدن الأندلسية القرطبي والغرناطي، إضافة للديكو الإسباني".

ورغم التغيرات الملحوظة التي شهدتها الساحة، مثل تدمير الحديقة ذات الاثنتي عشرة شجرة نخيل التي استخدمها الناس لمعرفة الوقت عبر الظلّ، وافتتاح مقهى "العلمي" على أحد جوانبها؛ فإنها "خط أحمر بالنسبة للعرائشيين، لا يمكن العبث بها وإلّا ارتفعت الأصوات الوجدانية عندهم"، كما يقول الأنجري.

شيدت إدارة الحماية الإسبانية جزءا من المدينة الحديثة فوق باب العرائش وأسوارها القائمة منذ القرن السابع عشر دون مراعاة لذلك التاريخ.

ولكن من بنى العرائش في ذلك الزمان؟ يجيب الأنجري بأنه "لا توجد مصادر موثوقة تدل على معمّريها الأولين، لكن بعضها يرجح أنها تعود للعهد الإدريسي، وبنيت فوق ثمانية هكتارات، وفي العهد الوطاسي حصّنت المدينة بأسوار وباب ما زال قائما، ويخضع للترميم بطابع أندلسي بعد أن طمع البرتغاليون بالإقامة فيها".

كنيسة دل بيلار في شارع الحسن الثاني الخاوية من المحتفلين بأعياد الميلاد باستثناء الأب القادم من الفلبين (الجزيرة)


شهدت العرائش معركة "وادي المخازن" الشهيرة عام 1578 التي قتل فيها ثلاثة ملوك: المتوكل على الله والمعتصم بالله وسيبستيان ملك البرتغال الشابّ؛ ثمّ عاد الإسبان واحتلّوها مدة 82 عاما وحكمها 18 حاكما إسبانيا متعاقبين، وحوّلوها إلى مدينة مسيحية، وارتدى المغاربة "البُلغة" السوداء حدادا. لكن بقوة جيش السلطان مولاي إسماعيل عادت المدينة، وعاد الناس لارتداء "البلغة" ذات اللون الأصفر، ونشأ على ضفاف المدينة لاحقا أسطول بحري وصل إلى ثلاثمئة سفينة، نتيجة "الجهاد البحري" لاستعادة الثغور الساحلية بعد توحيد المغرب في عهد السلطان إسماعيل وبزوغ حركة العلويين.

وبنى السلطان إسماعيل مسجد الأنوار وسوق فريد وحمّام وفرّان، ولا تزال جميع أبوابها مفتوحة حتى يومنا، وسمح ابنه السلطان محمد من بعده لـ12 قنصلية أوروبية بالوجود في العرائش رغبة بالانفتاح والازدهار.

يبدو زمن العرائش لا يشبه زمن مدن أخرى، لقد ظلّت مطمعا عسكريا قبل التاريخ وبعده، فمن مقهى "البوينتي" من برج الفتح يظهر الموقع الأثري ليكسوس الفينيقي قائما على الضفة اليمنى لنهر "اللوكوس"، وقد شهد قتالا بين هرقل الذي ذهب لقطف التفاحات الذهبية من حدائق الـ"هيسبيرديس"، وبين حارسها التنين وفق الأسطورة.

وقبل الهبوط إلى المرفأ القديم، صادفنا محمد الخلفي يفتح محله الصغير يوم العطلة ويحيك الجلابة الصوفية. كان صوت الدرازة باستخدام "المنوال" الخشبي التقليدي يسمع في زقاق العابرين. عمل الخلفي صيادً وبائع عصير برتقال في الصيف، لكنّ الحياكة طابت له حتى ترأس جمعية "الصانع التقليدي في المدينة العتيقة".

يعمل العرائشيون بإصلاح المراكب وهي مهنة نادرة بالمغرب وقد اكتسبوها عن سابقيهم (الجزيرة)


يحارب الخلفي من أجل صناعته، ويبحث عمّن يتكاتف معه في المدينة القديمة، وجد ابنه الصغير وبدأ بتعلميه الحياكة، كما يخطط لمعرض جماعي مستقبلا.

يقول الخلفي "أخذ البحر أهل العرائش"، دلالة على عملهم في الصيد. لم يعد العمل في الطرز مجديا، فهو يتطلب صبرا ووقتا حتى أصبح مهنة منقرضة في العرائش، لكنّ الخلفي -الذي اكتسبها في سنّ الثانية عشرة- وجد فيها استقلاليته والحكمة والفنّ والإبداع، وقد "ارتداها الصوفيون والأولياء"، كما يقول.

في المرفأ القديم الذي يفتح دفة من بابه، كان الصيادون يتمددون فوق شباكهم ويحضرونها من أجل الانطلاق ليلا إلى عرض البحر. يُقال إنّ سمك العرائش لذيذ ويأتيه المشترون من مدن أخرى.

وصلنا إلى المرفأ القديم، كان عدد من العمال يصبغون مراكب قديمة. توقفوا عن عملهم فضولا لرؤيتنا وتفحصنا. قال الأنجري "يعتبر الميناء الوحيد على نهر في المغرب، ويصلح السفن". كانت مراكب هادرة تستعد للمغادرة، ونحنا غادرنا وصولا إلى أبراج الفتح.

التقطنا صورا للمدينة بلونيها الأبيض والأزرق على غرار أصيلة وشفشاون، ثم تناولنا شايا في مقهى "البوينتي"، وعلى بعد خطوات كانت مقهى باسم "جان جينيه" مفتوحا يقابله رسم للرمز غيفارا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/14-

أكياس الإسمنت لوحات فنية في أصيلة المغربية

أكياس الإسمنت لوحات فنية في أصيلة المغربية


 

اعتماد بلعيد - أصيلة


تبدو ساحة عبد الله كنون في مدينة أصيلة المغربية خالية من الزوار والأجانب في منتصف ديسمبر/كانون الأول على غير عادتها، فالساحة المحاذية للقصبة تعتبر القلب النابض لهذه المدينة الساحلية، التي تتحول إلى وجهة مفضلة للزوار والسياح الوافدين من كل صوب في فصل الصيف، قبل أن يهدأ صخبها مع انقضاء الصيف.

رغم ذلك، يواصل حفيظ المرابط تجواله اليومي في الساحة متأبطا عكازين طبيين وحاملا في جيب سترته لفافات من الأوراق الداكنة اللون، يطارد السياح على قلتهم في هذا الوقت من العام، لا يتردد في الحديث معهم، أو اقتحام جلسة المستريحين منهم في مقهى "المدينة" القريب، بعد أن يتأكد أنهم غرباء، فهو الذي يميّز بدربة وحذاقة أهل أصيلة عن زوارها والعابرين منها.

يبدأ بإلقاء التحية أولا، ثم يعرض اللفافات التي يحملها وهو يشرح لجلسائه أو مستمعيه، غير المكترثين في كثير من الأحيان، كيف أصبحت هذه اللوحات الفنية الصغيرة التي بين يديه على ما هي عليه بعدما كانت مجرد كيس إسمنت فارغ أُلقي في مكبات النفايات.

معلومة ما إن يفشيها حفيظ مرفقا إياها بابتسامة واثقة كساحر يكشف أسرار سحره المكين، حتى يتغير تجاهل من يصغي إليه ويتحوّل لاهتمام وإعجاب، ينتهي بشراء لوحة منه أو أكثر.

الفنان مصطفى المرابط يرسم لوحة جديدة مستعملا جزءا من كيس إسمنت فارغ ومواد طبيعية استخرج منها الألوان أيضا (الجزيرة)


بدأت القصة عندما كان مصطفى شقيق حفيظ الأكبر يرسم على أكياس الكرتون الصغيرة التي كان يلف فيها بقال الحي مشترياته. لكن مع توقفها والاستعاضة عنها بالأكياس البلاستيكية، اكتشف أن أكياس الإسمنت قد تصلح بدورها، ما دامت هي الأخرى عبارة عن "كاغيط" (ورق متين) لا يخلو من ليونة.

مصطفى وحفيظ اعتمدا هذه الأكياس حاملا لرسوماتهما، وبحسب مصطفى فإنهما لا يتركان ورشة للبناء إلا ويذهبان إليها بحثا عن أكياس الإسمنت الفارغة، بل إن جيرانهم وسكان الحي أصبحوا هم الآخرين يبحثون عن هذه الأكياس وسط أكوام النفايات ويحضرونها لهما على سبيل المساعدة.

يقول مصطفى للجزيرة نت إن "ثلاثمئة كيس تنتهي في شهرين اثنين فقط، خصوصا وأنها تشكل مادة أساسية بالنسبة لعملنا الفني، ولذلك ينبغي أن يتوفر لدينا دائما مخزون منها". أما حفيظ فيقول "هذه الأكياس تكون ميتة، ونحن نمنحها حياة أخرى".

اللوحات الفنية التي يرسمها الشقيقان حفيظ ومصطفى يصفانها بـ"الإيكولوجية"، ليس لاستعمالهما أكياس الإسمنت فقط، بل لأنهما يرسمان أيضا باستعمال مواد طبيعية يصنعانها من الزعفران والحناء وقرون الأكباش، والنيلة التي تصبغ بها معظم جدران أصيلة، بالإضافة إلى قلم من القصب يصنع يدويا ليحل محل الريشة.

الفنان حفيظ المرابط يقدم لوحاته لسائح صيني (الجزيرة)


يستخرجان من تلك المواد ألوانا مختلفة تصبغ رسوماتهما، التي تتمحور غالبا حول شخصيات تراثية وموسيقية أو تيمات المرأة والماء والطبيعة، وأيضا مدينة أصيلة، التي يقول عنها حفيظ العائد للاستقرار فيها بعدما أتعبته الغربة في إسبانيا التي قضى فيها قرابة عقد، "أصيلة في حد ذاتها لوحة فنية كبيرة".

وتختلف أحجام اللوحات التي يرسمانها من لوحة لأخرى، وإن كانت في الغالب ذات حجم صغير. لكن سبق لمصطفى أن رسم لوحة عملاقة تجاوز قياسها الأربعة أمتار واستعمل لرسمها ثمانية أكياس إسمنت كاملة، وقد كانت بطلب من زبون يقطن بمدينة أصيلة، حسب قوله.

ويرى حفيظ أنه وشقيقه قادا ثورة ضد الشكل التقليدي المتعارف عليه للوحات الفنية، والذي غالبا ما يكون عبارة عن مربع أو مستطيل، وذلك من خلال اعتمادها في لوحاتهما شكلا عشوائيا، حيث يتم قصها يدويا وقد تتخذ أشكالا متعددة بيضاوية أو غيرها، مؤكدا أن "للمشتري حرية التصرف في عرضها كما يشاء في بيته سواء في إطار زجاجي أو من دونه".

من مخزون أكياس الإسمنت الفارغة المتوفرة في ورشة المرابط. (الجزيرة)


وبينما يستطيع الشقيقان أن يرسما هذه اللوحات، فإن مهمة بيعها وتسويقها تبقى من اختصاص حفيظ وحده. وبفخر جلي يؤكد أنه يستطيع أن يبيع عشرات اللوحات يوميا. تساعده على ذلك لباقته في الحديث وقدرته على إقناع السياح بالأسعار التي يقترحها، معتمدا على إجادته ثماني لغات أجنبية، بينها الإسبانية والإنجليزية والفرنسية وغيرها. بل إنه بدأ يتعلم حتى اللغة الصينية، بعدما لاحظ مؤخرا إقبال العديد من السياح الصينيين على زيارة المدينة.

عملية المفاصلة مع الزبائن للتراضي على سعر اللوحة قد تقود حفيظ إلى اصطحابهم إلى ورشة الرسم التي يعمل فيها رفقة شقيقه، وهي عبارة عن غرفة صغيرة في الطابق العلوي من منزلهما القريب من ساحة عبد الله كنون، ويعلق حفيظ على ذلك بالقول "زيارة الزبون لورشتنا تجعله أكثر تقديرا لعملنا الفني والمجهود المبذول فيه، كما أن الأجانب يقدرون بشكل أكبر أعمالنا الفنية الإيكولوجية".

ويؤكد في الوقت نفسه أن أسعار لوحاتهما تبقى مناسبة سواء تعلق الأمر بسائح مغربي أو أجنبي، وغالبا ما يتراوح ثمنها بين 15 و40 دولارا، لكن حفيظ الذي يفتخر ببيع اللوحات التي تحمل جميعها توقيعا مشتركا يتكون من اسمه واسم شقيقه لسياح من القارات الخمس، يشدد على أن "الفن لا ثمن له". وهي جملة يكررها كلما رفض مشتر السعر الذي اقترحه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/14-

جمهورية الشيخة حسينة.. أرض الخصب والفقر والعسكر

جمهورية الشيخة حسينة.. أرض الخصب والفقر والعسكر

 

سيد أحمد الخضر- دكا


عندما أبلغت الاستشاري وفاء الكمالي بنيّتي السفر إلى بنغلاديش ورغبتي في تلقي تطعيمات ضد مجموعة من الأمراض، رد علي باسما "قل يا سيدي إنك راحل إلى الشيخة حسينة واجد".

في اليوم التالي، استقبلتني الشيخة حسينة بمطار "حضرة شاه جلال الدولي" في العاصمة دكا، ومن ثم قابلتها في المدن والبلدات والقرى، ورافقتني في رحلاتي إلى صعيد القيامة على الحدود مع ميانمار. وهناك علمتُ أن السبعينية البنغالية هي "أمّ الإنسانية"، وبطلة السلام العالمي، ومعلّمة الأجيال، ومنقذة الوطن من الضياع.

تقول اللافتات والشاشات العملاقة إن رئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة تجسد سخاء السماء تجاه الأرض، ويرافقها في الصورة رجل وقور خط الشيب رأسه، ويبدو كأنه يتوجس من الخيانة والغدر.

زعيمة المعارضة في بنغلاديش خالدة ضياء (رويترز)

رحلة الغياب والعودة
في منتصف أغسطس/آب 1975 عاشت بنغلاديش ليلة حالكة. وعندما تمدد الضوء في الأفق، علم المواطنون أن الدماء غمرت القصر، وأن حقبة مهمة من تاريخ الجمهورية قُبرت في مكان مجهول.

أعدم الضباط رئيس البلاد وبطلها ومهندس انفصالها عن باكستان "الشيخ مجيب الرحمن"، ثم قتلوا حرمه وجميع أبنائه وبناته إلا "حسينة" و"ريحانة" اللتين كانتا في رحلة إلى ألمانيا.

تلا العسكر بيانهم الأول، ثم ما لبثوا أن تنازعوا السلطة وبغى بعضهم على بعض، فتحولت بنغلاديش إلى أفشل دولة وأفقرها، وأقلها استقرارا في القرن العشرين. ولم تتوان الشيخة حسينة عن المواجهة والانتقام، وسرعان ما قررت أن ترث أباها وتثأر له في الوقت نفسه.

في عام 1981 انتُخبت رئيسة لحزب "رابطة عوامي" الذي كان يقوده والدها. وفي عام 1996 ورثت سلطته بفوزها في الانتخابات، وتولت قيادة الحكومة في يوم مشهود. ولاحقا، جلبت الضباط إلى القضاء وساقتهم مكبلين إلى الموت، فابتهجت الجماهير للقصاص من قتلة الشيخ مجيب الرحمن.

في عام 2001 فقدت الشيخة حسينة السلطة بخسارة الانتخابات، وتعرضت في 2004 لمحاولة اغتيال سالت فيها دماء كثيرة. وفي 2008 أعادتها الانتخابات إلى قمرة القيادة، ومن ثم هيمنت على المشهد وأحكمت قبضتها على الجيش والقضاء وكل المؤسسات.

رئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة تواجه معارضة شديدة بسبب قمعها للجماعة الإسلامية وإعدام عددا من قادتها (رويترز)

وعندما سألتُ مرافقي عن سر غياب أنشطة رئيس الجمهورية عن الصحافة المحلية، قال إنه "ينام جيدا بالليل وفي الصباح يقدمون له أوراقا يوقعها دون تردد، نشاهده على التلفزيون في صلاتي الفطر والأضحى".

تحكم الشيخة حسينة بنغلاديش بأدوات الحاضر واعتبارات التاريخ، فيطيعها الناس رهبة ورغبة، وتبدو منهمكة في نشاط محموم يعكس أنها لا تفكر أبدا في التقاعد.

القطب الثاني بالمشهد البنغالي هو الحزب الوطني، الذي تقوده "خالدة ضياء"، وهي سيدة أخرى سبق أن ترأست الحكومة لولايتين وتمدّ إلى السلطة بسببي المظلومية والإرث التاريخي، فهي أرملة الرئيس الجنرال ضياء الرحمن الذي اغتيل عام 1981.

أما القوة السياسية الثالثة فيمثلها "حزب الجماعة الإسلامية"، الأكثر تعرضا للقمع نظرا لاعتبارات عديدة، بينها نهجه الديني، وعلاقته التاريخية بباكستان.

الكثير من البنغاليين يصفون الشيخة حسينة بالقمعية والمتسلطة، ويقولون إنه ليس بإمكان أي سياسي معارضتها، إلا إذا كان السجن أحبّ إليه من السكوت. لكن كثيرين أيضا يؤيدون العجوز الصارمة، ويرون فيها صلتهم بالماضي المجيد، وأملهم إلى بر الرفاه، بعدما أثمرت سياساتها انتعاشا اقتصاديا لا يختلف حوله الناس.

مصانع الملابس الجاهزة الأجنبية انتشرت في بنغلاديش ووفرت فرص عمل كبيرة للمواطنين  (رويترز)

دولة المفارقات
تقع بنغلاديش جنوبي شرقي آسيا، وتغص ببشر يبلغ تعدادهم 163 مليونا، يزدحمون في مساحة لا تتجاوز 147 ألف كيلومتر مربع فقط. ويستلقي الشطر الجنوبي من بنغلاديش على خليج البنغال، وتتزين ضفافه بحقول الأرز ومزارع الموز وجوز الهند وأشجار السوباري والبامبو.

وبينما تقربها وشائج الدين من باكستان، تربطها السياسة والجغرافيا بالهند، التي تطوقها من كل الجهات سوى نافذة خصام، بأقصى الجنوب الشرقي، تطل منها على ميانمار.

يتحرش موج الخليج العنيف بالمباني والمنشآت في تكناف وكوكس بازار والعديد من القرى والبلدات، وتستقطب شواطئه السياح من مختلف أنحاء العالم في الفترة من أكتوبر/تشرين الأول وحتى مارس/آذار من كل عام.

عندما زرنا بنغلاديش كان المطر يغسلها مرتين في اليوم، فتفيض الأنهار لتغمر المياه مساكن القرويين وحظائرهم ومزارعهم. فمنذ زمن بعيد، تستوطن في هذا البلد مفارقة الخصب والفقر. فبينما تجود السماء بالغيث وتنبت الأرض من كل الطيبات، يستقرّ البؤس في المدن والقرى، ويخوض الناس كفاحا مريرا لتأمين القوت.

تقول الأرقام الدولية إن بنغلاديش تنمو اقتصاديا بشكل مذهل بفعل أداء مصانع القطن والنسيج، لكن الناس هنا يشكون البطالة والغلاء، ويبعثون أبناءهم للتسول في الشوارع أو العمل بأجر زهيد. فالشوارع والأسواق تزدحم بالأطفال وبالشباب الأقل من عشرين عاما، مما يوحي بأنك في دولة فتية، لكنها منكوبة في الوقت ذاته، فالطبيعي أن يلتحق هؤلاء بالمدارس والجامعات.

يشكل المسلمون نحو 90% من السكان، يليهم الهندوس بنسبة 8%، بينما تتوزع النسبة الباقية على المسيحيين والبوذيين وديانات أخرى. ولا يخفي الشارع البنغالي حنقه من بطش البوذيين بالمسلمين الروهينغا في ميانمار المجاورة، ولكن السلطات والأحزاب والهيئات المسلمة تعمل على تجنيب البلاد خطر الاقتتال الديني.

لقد حضرتُ احتفالات سلمية وهادئة نظمها البوذيون في بنغلاديش بمناسبة عيد "اكتمال القمر"، لتخليد "ذكرى عودة بوذا إلى الأرض بعد أن أمضى ثلاثة أشهر مع والدته في الجنة". وأثناء تجولي بقرية نيلا البوذية على الحدود مع ميانمار، سألت الطفل بابو "هل تشعر بالخوف في هذه الأيام؟" فكان رده "هذا الرجل يحميني".

تعاني بنغلاديش من ازدحام المواصلات بسبب ضعف البنية التحتية والكثافة السكانية (رويترز)

قبضة قوية
وهذا الرجل هو الضابط البنغالي "حسين عريف" المرابط برجاله في القرية لضمان أمن سكانها وتمكينهم من أداء شعائرهم في معبد فخم ينتصب على الشارع العام، وتسدد السلطات تكاليف استهلاكه للمياه والكهرباء.

هجمات التطرف نادرة في بنغلاديش، إنها تختلف عن باكستان من حيث السلام الديني والثقافي. هنا تتجاور المساجد والكنائس والمعابد، وتسير السافرات والمتبرجات في السبيل ذاته الذي تسلكه المنتقبات والمحجبات.

البنى التحتية هشة حتى في المدن السياحية، والازدحام المروري يخنق الشوارع طوال اليوم، بينما يمثل "التوم توم" وسيلة النقل الأكثر راحة والأقل تكلفة، إذ تقلّك منفردا داخل المدينة بـ60 تاكا (0.7 دولار). و"التوم توم" عربة ثلاثية العجلات مكشوفة الخصر خضراء اللون أنيقة المظهر، تتسع لأربعة أشخاص، وقودها الغاز أو الكهرباء، يصنعها جيرانهم في الهند ولا يتجاوز سعرها ألف دولار.

في 2010، زرت إندونيسيا لكتابة تقارير عن آثار تسونامي، واستغربت أن الأرز مكون رئيسي لموائدهم حتى في إفطار الصباح. لكن الأطباق الناصعة البياض تبدو أكثر أهمية هنا في بنغلاديش، فهم يتناولونها في كل حين، وتعني لهم الحاضر والمستقبل أيضا. وقد قرأت تقريرا بصدر صحيفة "ديلي ستار" المحلية عنوانه "حقول الأرز الجديدة تعني أمالا كبيرة".

البنغال في ملامحهم أشبه بالهنود، لكنهم في طباعهم وأمزجتهم أقرب إلى الباكستانيين، وربما أكثر منهم حدة واعتدادا بالنفس.

أحد مخيمات اللاجئين الروهنغيين في مدينة كوكس بازار الحدودية مع ميانمار  (رويترز)

يبدو الجيش البنغالي منضبطا وإنسانيا في تعاطيه مع أزمة الروهينغا، حيث يحمي المخيمات ويسهل عمل موظفي الإغاثة والصحفيين. لكنك تلاحظ في الوقت ذاته غضب الضباط وتأهبهم للحرب مع ميانمار التي تستفزهم يوميا، وتتقوى بعلاقاتها العسكرية بالصين والهند، بينما لا يمكن لبنغلاديش الاستنجاد بباكستان نظرا لضغائن التاريخ وإكراهات الجغرافيا.

التحالفات الإقليمية تضع بنغلاديش في وضع صعب لو دخلت في حرب مع ميانمار، ولن تتلقى دعما عسكريا جدّيا إلا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كما يتوقع المواطنون العاديون. ورغم ذلك، لا يساور البنغاليين أدنى شك في قدرة جيشهم على اجتياح ميانمار خلال ساعات معدودة، عندما تأذن القيادة السياسة للجنرالات في شن الحرب.

طبعا، القيادة السياسة تعني الشيخة حسينة، فقد حذرت الضباط قبل أيام من الانجرار وراء استفزازات الجيران، وأمرتهم بالبقاء على أهبة الاستعداد في انتظار أوامرها.

يُسهب البنغال في تمجيد بطولاتهم وعشقهم للمواجهة وكرههم للغدر، ويروون قصصا كثيرة عن بسالة مقاتليهم عندما ينفد صبرهم. هذه المعاني يجسدها مقال ملحمي كتبه اللواء "علم فضل الرحمن" ونشرته وزارة الدفاع البنغالية على صفحتها على فيسبوك.

يقول إن الجيش البنغالي تغاضى كثيرا عن خطايا ميانمار على ضفاف نهر "ناف" في تسعينيات القرن الماضي، وعندما طفح به الكيل وبلغ السيل الزبى قرر مواجهتها في وضح النهار.

 

بنغلاديش تعاني من الفياضانات وكثرة الأنهر والأمطار (رويترز)

يروي فضل الرحمن أنه كان قائدا لحرس الحدود، وشن حربا على ميانمار عند الثانية ظهرا في يناير/كانون الثاني 2000 فقتل ستمئة من جنودها خلال ثلاثة أيام، وبعدها جنحت للسلم وطالبت بالتسوية عبر الحوار.

لم يسعفني الوقت لتدوين الكثير عن بنغلاديش، فقد كانت مهمتي نقل محنة الروهينغا الذين نشؤوا على أن المسلمين كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا، وعندما نُكبوا خُذلوا استضافهم الجوع والمرض وافترستهم السباع والضباع وسط المستنقعات.

وبعدما أنجزت سلسلة تقارير عن قوارب الفجيعة وطوابير الهوان ونزل القيامة وسردية النزوح والرصاص، حزمت حقائب العودة وودعتني الشيخة حسينة في مطار "حضرة شاه جلال الدولي".

حينها انتبهت إلى أن الاستشاري العراقي أتحفني بعنوان، وكتبت لكم جانبا من بلاد الأرز والقطن والزحام، وعن المسنة الصماء التي يخافها الساسة والقضاة والجنرالات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/14-

التايمز.. ذلك الأرشيف السائل

التايمز.. ذلك الأرشيف السائل

 

عثمان بوشيخي - لندن


قادما من "كيمبل" ومارا على مدينتي "ريدينغ" و"أوكسفورد" ومتدفقا على لندن ليقسمها شطرين، ثم ليصب في بحر الشمال، قاطعا مسافة 346 كيلومترا. إنه التايمز، أطول نهر في إنجلترا.

وقد لعب هذا النهر دورا في تاريخ الجزر البريطانية، إذ كان طريقا مائيا وركيزة اقتصادية وموطنا للصيد ومصدرا للشرب، قبل أن يتحول في السنوات الماضية إلى رمز من رموز السياحة والترفيه في البلاد.

وورد ذكره عند العرب قديما في كتاب الشريف الادريسي المسمى "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق".

لندن هِبة التايمز
سكن الإنسان على ضفافه قبل حوالي تسعة آلاف عام، إذ عثر علماء الآثار عام 2013 بالقرب منه على عشرات القطع من حجر الصوان في ورشة لتصنيع الأدوات تعود للعصر الحجري الأوسط، ويعد هذا دليلا على عودة البشر إلى بريطانيا، وبالأخص هذا النهر، بعد حقبة طويلة فاصلة خلال العصر الجليدي.

وقد مر حين من الدهر على هذا النهر لم يكن له ذكر، ففي عام 1957 أعلن متحف التاريخ الطبيعي التايمز نهرا ميتاً، بسبب استحالة عيش الكائنات الحية فيه، وكان حينئذ يوصف بأنه مجرد مجرى واسع لتصريف المياه العفنة. فظلَّ لعقودٍ مجرد مكان تتجمع فيه المواد البلاستيكية، بل حتى الأسماك لم تكن تقدر على العيش فيه.

أما اليوم، فقد أصبح موطنا لحيوانات مثل الفقمة وخنازير البحر، وأكدت جمعية علوم الحيوان بلندن في مسح استمر من عام 2004 إلى 2014، أن النهر قد غدا موطنا لأكثر من 2000 فقمة.

ومن بين الكائنات التي تعيش على جانبيه طيور البجع التي سرى عرفٌ وتقليدٌ يعود لأكثر من تسعمئة سنة يقضي بإحصائها، إذ ينذُر فريق من المتخصصين خمسة أيام للسفر مسافة مئة كيلومتر تقريبا على طول التايمز لإحصاء هذه الطيور الموجودة فيه ومراقبة حالتها.

بعد 157 عاماً من دقِّ الجرس، البالغ وزنه 13.7 طن، توقفت بيغ بين عن العمل صيف هذه السنة من أجل أعمال الصيانة (رويترز)


على ضفاف النهر
عادة ما يحتضن التايمز فعاليات كبيرة ولا سيما بالتزامن مع المناسبات التي تشهدها لندن، وآخر هذه المناسبات كان في 2012 عندما احتفلت بريطانيا باليوبيل الماسي لاعتلاء الملكة إليزابيث الثانية عرش المملكة، إذ مر موكب الملكة البحري الضخم عبر النهر.

وفي عام 2015 وبالتزامن مع احتفال بريطانيا بمرور ثمانمئة سنة على توقيع وثيقة "ماغنا كارتا" سُيِّرَت قوارب عبر النهر ركبها 23 شخصا وهم يحملون نسخة من الوثيقة، ويقرأون منها على العامة ويسردون حكايتها.

وتعد هذه الوثيقة من أهم الوثائق البريطانية، إذ وقع عليها الملك جون عام 1215 مُقرا بموجبها بأنه يخضع للقانون ولا يمكنه تجاوزه.

ومن بين الفعاليات التي اعتاد النهر على احتضانها سباق الزوارق الذي يجتذب عددا متزايدا من المتسابقين كل عام يبلغ مئات الزوارق والقوارب من مختلف الأنواع والأحجام.

ويعد ركوب قارب في التايمز أمرا ممتعا، إذ تمر هذه الرحلة النهرية بطرق عدة بدءا من منطقة "وستمنستر" مرورا بعدة معالم تشمل برج الجسر وعين لندن بالإضافة إلى غرينيتش.

بمناسبة مرور 400 سنة على وفاة الكاتب المسرحي الانجليزي وليام شكسبير عُرضت مقاطع من مسرحياته على الضفة الجنوبية للنهر في 2016 (الجزيرة)


معالم على النهر
من بين معالم النهر ساعة "بيغ بن" الشهيرة التي تعد من رموز بريطانيا، إذ أكد استطلاع أجري في عام 2008 وشمل ألفي شخص أن هذه الساعة هي المعلم الأكثر شعبية في المملكة المتحدة.

وقد دق جرسها أول مرة عام 1859 ليتوقف أكثر من مرة آخرها كانت في أغسطس/آب الماضي، وسيمتد هذا التوقف حتى عام 2021 بغية إجراء أعمال ترميم وصيانة وضمان بقائها مع "برج إليزابيث" لفترة أطول، على أن تعمل في مناسبات استثنائية مثل احتفالات العام الميلادي. وكانت آخر صيانة مهمة للبرج قد جرت ما بين 1983 و1985.

ومن بين معالم النهر الأخرى "جسر وسينتشر" الذي صممه المعماري الشهير توماس بيج عام 1862 كطريق للمركبات والمشاة، وطُلي بالأخضر، وهو اللون نفسه الذي طُليت به المقاعد الجلدية في مجلس العموم، الذي يقع بالقرب قصر وستمنستر الذي يقع بدوره قرب النهر ذاته.

ويرتبط ذكر النهر بنفق التايمز الذي بُني تحته بين سنوات 1825 و1843، وهو أول نفق عُرف بنجاح بنائه تحت الماء، وعندما افتتح كان حينئذ الأعجوبة الثامنة في العالم، إذ جاء الناس من كل حدب وصوب لرؤيته.

وفي الآونة الأخيرة طرحت مجموعة من الشركات في لندن خطة طموحة لتحويل جزء من التايمز إلى طريق خاص بالدراجات فقط يبلغ طوله نحو ثمانية أميال، وذلك في خطوة تهدف إلى تخفيض المخاطر الدائمة نتيجة حوادث الاصطدام بين الدراجات والشاحنات على طرقات المدينة التي تكاد تختنق بحركة المرور.

على ضفاف النهر يوجد مقلدون ومهرجون بعضهم يتقمص شخصيات ملوك من الماضي بملابس ذهبية وقبعات من العصر الفيكتوري (الجزيرة)

عندما يغضب النهر
شهد النهر عدة فيضانات كان من أشهرها فيضان 1928 الذي أودى بحياة 14 شخصا وشرد الآلاف ودمر العديد من المنازل في وسط لندن.

لكن يبقى فيضان مارس/آذار 1947 أسوأ فيضان شهده النهر في القرن العشرين، وقد جاء في أعقاب شتاء قارس أعقبه هطل شديد للأمطار وندف للثلوج.

أما في 1953 فقد اضطر أكثر من 13 ألف شخص لإخلاء منازلهم هربا من فيضان التايمز، الذي تزامن مع فيضان بحر الشمال بسبب عاصفة شديدة.

أعمال خلَّدت النهر
كان التايمز حديث الأدب الإنجليزي كثيرا، فرواية "ثلاثة رجال في قارب" لكاتبها الانجليزي "جيروم كلابكا جيروم" كان موضوعها الرئيسي عن رحلة بقارب على هذا النهر بين "كينزينتون" و"أوكسفورد"، وقد حازت على شهرة منقطعة النظير لطابعها الفكاهي الصرف.

كما ألف "تشارلز ديكنز"، وهو أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفيكتوري، رواية بعنوان "صديقنا المشترك" وهي تعد من أكثر أعماله تعقيدا، وتحدث في شطر منها عن التايمز بالتحديد.
جسر البرج افتتحه كل من الملك إدوارد السابع (أمير ويلز آنذاك) وزوجته ألكساندرا في 1894 ويعد من أعلى الجسور ارتفاعًا في لندن (الجزيرة)


أما موسيقيا، فيرتبط ذكر النهر بمعزوفة "موسيقى الماء" التي ألفها الموسيقار الإنجليزي "جورج فريديرك هاندل"، وأداها أكثر من خمسين عازفا على متن زورق قرب السفينة الملكية بالتايمز لجورج الأول في 1717، وقد أعجب بها الملك لدرجة طلبه من الموسيقيين المتعبين إعادتها ثلاث مرات من فرط استمتاعه بها.

كما غنت المطربة الإنجليزية "جيسي ماثيوس" قطعة عن التايمز بعنوان "نهري" في فيلم "الإبحار وحيدة" في عام 1938.

وكان النهر أيضا باعثا على الإلهام لدى كثير من الرسامين، من أشهرهم الإيطالي "كاناليتو" والفنان الرومانسي الانجليزي "تيرنر" بالإضافة لرائد المدرسة الانطباعية الفرنسي كلود مونيه.

وفي 2015 جلست الفنانة المقعدة البريطانية "ليز كرو" أياما طويلة على ضفافه لتستخدم طينه في صناعة تماثيل صغيرة عددها 650 مجسما بعدد أعضاء البرلمان البريطاني.

وكان الهدف من وراء هذا هو حث البريطانيين على التفكير بالأشخاص الذين سيصوّتون عليهم في انتخابات تلك السنة.

السابق

السابق

التالي

السابق