عوض الرجوب -الخليل


شكلت السجون الإسرائيلية والاعتقال والأحكام العالية، تحديا جديا أمام الفلسطينيين في مقاومتهم للاحتلال منذ البداية، لكنهم مع ذلك وظفوا سنوات سجنهم لخدمة قضيتهم بشتى الطرق ومنها الرسائل الصغيرة أو "الكبسولة" كما هو متعارف عليه فلسطينيا.

وترتبط الكبسولة (تشبيها بكبسولة الدواء نظرا لصغر حجمها) ارتباطا وثيقا بتجربة الأسرى الفلسطينيين كأداة مقاومة وتواصل مبتكرة منذ عام 1967، حافظ من خلالها الأسرى الفلسطينيون على التواصل فيما بينهم ومع الخارج.

والكبسولة بتعريف مبسط هي وسيلة اتصال ورسالة مكتوبة بخط صغير جدا على ورق دقيق وشفاف، يتم لفها حتى تصبح بحجم حبة الدواء ومن ثم يحكم إغلاقها بالبلاستيك وتناقلها إما عن طريق الفم أو عن طريق البلع لتجاوز إجراءات التفتيش العاري الدقيقة.

ويحتفظ مركز أبو جهاد التابع لجامعة القدس، بأرشيف من عشرات الكبسولات التي هربت من السجون لأهداف مختلفة، وتتواصل المساعي والجهود لتنظيمها وأرشفتها إلكترونيا بما يخدم الدارسين والباحثين والحركة الوطنية الفلسطينية عموما.

فهد أبو الحاج-مدير مركز أبو جهاد-جامعة القدس (الجزيرة)


أرشيف كبوسلات
ويقول مدير المركز فهد الحاج، إن الكبسولة استخدمت قديما ولا تزال تستخدم حتى اليوم لعدة أغراض بينها التواصل بين الأسرى أنفسهم داخل السجون لترتيب الإضرابات أو القضايا المتعلقة بحياة الاعتقال أو التنظيمات.

وأضاف أن الأسرى استخدموا الكبسولات للتواصل مع عائلاتهم وذويهم ومحاميهم، ومع المنظمات الحقوقية والدولية، وللتواصل بين الأسرى وتنظيماتهم أو مجموعاتهم التنظيمية، ولأغراض تتعلق بالمقاومة وتنظيم العمليات وغيرها.

وعن تهريب الكبسولة، يقول مدير المركز، وهو أسير سابق أمضى في سجون الاحتلال عشرة أعوام، إن الأسرى كانوا قديما يضعونها في أفواههم وينقلونها لأمهاتهم من خلال شبك الزيارة.

ومع وضع الحواجز بين الأسرى وذويهم، أوضح أن الطريقة التي حافظت على استمراريتها هي ابتلاع الكبسولة من قبل الأسير في يوم الإفراج عنه واستخراجها عند العودة إلى المنزل، ومن ثم تنظيفها وإيصالها إلى الهدف.

وأشار الحاج الذي شرح للجزيرة نت عمليا كيفية عمل الكبسولة، إلى تمكنه من تأليف كتابه "فرسان الانتفاضة يتحدثون من خلف القضبان" من خلال تهريب قرابة خمسين كبسولة بطرق مختلفة.

وخلص إلى وصف الكبسولة في حياة المعتقل السياسي بأنها "شريان حياة" أبقت الحركة الأسيرة على اتصال فيما بينهم ومع الخارج بنسب نجاح عالية.

من جهته يوضح مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى فؤاد الخفش أن الكبسولة كانت تشكل في مراحل معينة العمود الفقري التي تبنى عليها التنظيمات وعناصرها، حيث كانت تشكل أداة التواصل الوحيدة بين القيادة والعناصر وبين العناصر أنفسهم.

وقال إن أفراد التنظيمات بين السجون كانوا يتواصلون حصرا عن طريق الكبسولة في غياب وسائل الاتصال والتواصل الأخرى، مشيرا إلى تكبد الأسرى عقوبات شديدة نظير الحفاظ عليها أو بسبب ابتلاعها.

ويضيف الخفش أن دور الكبسولة تراجع، لكنه موجود، موضحا أن التنظيمات لم تعد تعمد على القيادات داخل السجون فقط، وأن بعض وسائل الاتصال البديلة كالهواتف المهربة تساعد الأسرى.

مجموعة رسائل خرجت من السجون الإسرائيلية على شكل كبوسلات (الجزيرة)


كلمة الحسم
بدوره يقول الخبير بقضايا الأسرى والأسير السابق عبد الناصر فروانة إن الكبسولة حافظت على وجودها، وإن كان بشكل أقل مركزية من السابق، مضيفا أنها أداة ابتكرها الأسرى وتناقلوها لعدة أغراض بينها تبادل المعارف والخبرات ونقل التعليمات والمعلومات بين قيادات الحركة الأسيرة.

وقال إن كثيرا من الكتب والإرشادات نقلت بواسطة الكبسولة داخل السجون وخارجها، فغيرت حياة الأسرى وأقلقت السجان الذي أدرك خطورتها وتأثيرها ولاحق الأسرى بالتفتيش العاري لحملهم على عدم نقلها من سجن لآخر أو إلى الخارج.

وخلص إلى أن الكبسولة تجاوزت كأداة سرية وغير المعلنة كل المعيقات والعقبات والأسلاك والجدران وكان لها الكلمة الحاسمة في إعلان وتعليق الكثير من الإضرابات التي خاضتها الحركة الأسيرة.

المصدر : الجزيرة