عرض/ أحمد حسن علي

كشفت الحركات الجماهيرية التي قادت الثورة المصرية عن مصادر قوة ونقاط ضعف لا تخطئها العين، وبرهنت على قدرتها على الحشد المليوني الذي أجبر الدكتاتور على التنحي. ومن ناحية أخرى ونظرًا لافتقادها أيَّ قيادة قومية وسياسية، لم تستطع الوصول إلى السلطة لتحقيق مطالبها الكاملة، مما أتاح لقيادة الجيش العليا -التي كلفها مبارك بإدارة شؤون البلاد- حماية النظام من السقوط بخلع رأس النظام!

-الكتاب: الثورة العربية والثورة المضادة أميركية الصنع
-المؤلف: جيمس بتراس
-ترجمة: د. فاطمة نصر
-عدد الصفحات: 130
-الناشر: مكتب سطور للنشر, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

وترتب على ذلك إبقاء تبعية مصر للولايات المتحدة، وحماية الشريحة العليا من غضبة الشعب، وإقصاء الملايين الذين احتشدوا في الميادين، ليصبح بعدها المجال مفتوحًا أمام قوى الثورة المضادة كي تتقدم بخطى سريعة لإعادة إنتاج النظام البائد، ولتصبح الثورة في النهاية بين شقي الرحى: التصفية الكاملة أو الاحتواء!!

وتؤرخ مقالات هذا الكتاب الست لعسكرة السياسة الأميركية المتنامية في شمال أفريقيا والخليج، وللمواجهات التاريخية بين الثورة العربية الديمقراطية وبين الحكام المستبدين التابعين للقوى الإمبريالية.

1- واشنطن تواجه الثورة العربية: التضحية بالمستبدين من أجل إنقاذ الدولة
من الضروري وضع سياسة نظام أوباما تجاه مصر ودكتاتورية مبارك والانتفاضة الثورية الشعبية في سياقها التاريخي من أجل فهمها، فإن هناك سوابق تاريخية كثيرة ضرورية لفهم التوجه الإستراتيجي لسياسة أوباما، فللسياسة الخارجية الأميركية تاريخ طويل من تنصيب الأنظمة الاستبدادية التي تساند سياستها ومصالحها الإمبريالية طالما أبقت على التحكم في شعوبها، وتمويل تلك الأنظمة وتسليحها ودعمها.

قاموا بتمويل ودعم الانقلاب العسكري في كوبا عام 1952، والبرازيل عام 1964، وتشيلي عام 1973، والأرجنتين عام 1976، وما تلا ذلك من أنظمة قمعية. وتقوم حسابات واشنطن لموعد إجراء التعديلات على النظام، على أساس تقديرات قدرة الحاكم المستبد على الصمود في وجه الانتفاضات السياسية، وقدرة القوات المسلحة وقوتها وولائها، ووجود بديل مطواع!

نتيجة لذلك تحرك نظام أوباما ببطء يحدوه الخوف من الحركة الشعبية المصرية المتنامية وما تمارسه من ضغوط، ففتحت واشنطن مباحثات مع معظم القطاعات الليبرالية والدينية في الحركة المعادية لمبارك، وحاولت في البداية إقناعها بالتفاوض معه، وكان هذا اقتراحًا رفضته جميع قطاعات المعارضة من القمة وحتى القاعدة، وبعد ذلك حاول أوباما تسويق "وعد" مبارك بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات التي كان من المفترض إجراؤها بعد تسعة شهور، لكن الجماهير الثائرة رفضت هذا الاقتراح أيضًا، ومن ثم بدأ أوباما يُعلي من وتيرة خطاب "التغييرات الفورية"، لكن دونما اتخاذ أية إجراءات لدعمها.

وبينما تعاظم ضغط الحركة الجماهيرية وزاد زخمها، تعرض أوباما لضغوط متعارضة من لوبي إسرائيل المناصر لمبارك وأتباعه من أعضاء الكونغرس من جهة، ومن جهة أخرى من المستشارين الذين طلبوا منه اتباع الممارسات السابقة، والتحرك بحزم للتضحية بالنظام، وإنقاذ الدولة طالما كان الخيار الليبرالي/ الديني المنتخب ما زال على الطاولة!

ونظرًا لأن استمرار مبارك في السلطة سارع "بردكلة" الانتفاضة الشعبية وحوّلها إلى ثورة ورفع سقف مطالبها، تدخل المجلس العسكري وقرر خلع الحكم الاستبدادي من أجل تجنب حدوث انهيار قد يهدد سلطته وممتلكاته وثرواته.

وفي أعقاب تنحي مبارك حدث تنافس على السلطة بين جميع قوى المعارضة التي لحقت بالثورة، وضمت كافة أطياف الشارع السياسي المصري الذين سعوا لإقامة نظام دستوري على أساس مدنية الدولة والاستقلال السياسي والديمقراطي والاجتماعي، وبدأت المرحلة الثانية من النضال والصراع بعد سقوط مبارك!

2– الحركات الاجتماعية الجماهيرية المصرية "سي.آي.أي والموساد"
توضح الثورات العربية مرة أخرى عدة إخفاقات إستراتيجية للشرطة السرية والقوات الخاصة ووكالات استخبارات الولايات المتحدة، وكذلك أجهزة دولة إسرائيل، حيث لم تتوقع أي منها هذا الحشد الناجح للثورات العربية، ناهيك عن التدخل لإعاقته أو التأثير في سياسة حكوماتها تجاه الحكام العملاء موضع الهجوم.

أصيب خبراء الكيان الصهيوني وعملاؤه السريون في مقتل، إذ لم يستطيعوا رصد مشاعر الغضب لدى المصريين، وعجزوا عن منع تصدي الجماهير لعميلهم المفضل
وهناك عدة ملاحظات نظرية يتعين ذكرها:
- ثبت زيف فكرة أن الحكام المستبدين القامعين الذين يتلقون مليارات الدولارات في شكل مساعدات عسكرية، ولديهم قوات أمنية وقمعية تربو على المليون، هم أفضل ضمان للهيمنة الإمبريالية.

- أصيب الصلف الإسرائيلي وخبراء الكيان الصهيوني وعملاؤه السريون في مقتل، إذ لم يستطيعوا رصد مشاعر السخط والغضب لدى المصريين، وعجزوا عن منع تصدي المعارضة الجماهيرية "لكنزهم الإستراتيجي" وعميلهم المفضل، وأدى فشل الاستخبارات إلى تعقيد جهود واشنطن وتل أبيب في التضحية بنظام استبدادي وإنقاذ الدولة، ومن ثم تطلعت إلى قيادات المجلس العسكري للإمساك بالسلطة ودعمتهم في ذلك من أجل استباق مزيد من تطرف مطالب "الثوار"!

3– جذور الثورات العربية والاحتفال قبل الأوان
ركزت معظم التقارير عن الثورات العربية على أسبابها المباشرة جدًا: الاستبداد السياسي، والبطالة، وقمع المتظاهرين، بيد أنه لم تكن ثمة محاولة لتوفير إطار للثورة يأخذ في الحسبان البنى الاجتماعية/ الاقتصادية الواسعة المدى ذات الأمد الطويل والمتوسط، إلى جانب العوامل المباشرة التي أدت إلى تفجير الوضع، مثل أن معظم اقتصادات البلاد العربية التي تشهد ثورات الآن هي "اقتصادات ريعية" تعتمد على عائدات النفط والغاز والسياحة التي تشكل معظم الدخل من الصادرات، وتعد مصدر إيرادات الدولة.

وقد يولد الدخل الريعي ثروات هائلة، إلا أن الأموال تجنيها طبقة ذوي الدخول الريعية الثابتة الذين ليست لديهم مشاريع أو دوافع لتعميق عملية التنمية الاقتصادية وتوسيع مداها وتحديثها.

ويهيمن على الوظائف والمناصب الكبرى أفراد العائلات/ العشائر الممتدة والكوربوريشنات الأجنبية من خلال الخبراء الأجانب. أما الأعمال التقنية والوظائف الأقل مستوى، فتضطلع بها قوة العمالة الماهرة المحلية.

وتضطر الطبقة الحاكمة الريعية الطفيلية من أجل التعويض عن تلك الفروق الاجتماعية الضخمة وحماية وضعها، إلى تكوين "تحالفات" قيمتها مليارات عديدة مع شركات الأسلحة، والسعي إلى الحصول على الحماية العسكرية من القوى الإمبريالية المهيمنة (الولايات المتحدة)، وممارسة الضغوط على الدول الريعية التي تحكمها الأسر/ العشائر عبر المؤسسات المالية الدولية لإجراء "إصلاحات اقتصادية" لفتح أسواقهم المحلية ومشاريعهم العامة للمستثمرين الأجانب، وتقليص العجز الناجم عن الأزمات العالمية بإجراء إصلاحات نيوليبرالية!

ونتيجة لإجراء الإصلاحات الاقتصادية يتم تخفيض دعم الأغذية الذي يقدم لصالح الفقراء أو إلغاؤه، وكذلك تقليص عدد الوظائف الحكومية، وارتفاع المعدلات الضريبية على أجور العاملين، في حين تقدم للمستثمرين بكافة أنواعهم إعفاءات ضريبية.

وفاقم التحرير الاقتصادي من معدلات الفساد ونقلها من نطاق الطبقة (الأسرة الحاكمة) الريعية إلى الحواشي الملتصقة بها! وتدور المواجهة السياسية والاجتماعية حول القطبين النقيضين: الزمرة الحاكمة ومحاسيبها، والجماهير المتدنية المكانة التي لا تنتمي إلى أي طبقة اجتماعية (الشارع العربي).

ولا تملك الحركات الجماهيرية التي تتخذ من الشارع قاعدة المهارات التنظيمية والكوادر القيادية التي تمكنها من التخطيط لإقامة نظام سياسي أو اجتماعي جديد، ناهيك عن فرض مثل هذا النظام.

وهذا يفسر السهولة التي أمسك المجلس العسكري بها بتلابيب الدولة دونما معارضة من الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل حماية أجهزة الدولة الريعية والبنية الاقتصادية، مع الإبقاء على الروابط مع تلك القوى، والتظاهر بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية عبر الوعد بإجراء محاكمات لبعض الأفراد ورجال الأعمال.

4– حرب أوروبا/ الولايات المتحدة على ليبيا.. الأكاذيب الرسمية ومدركات النقاد الخاطئة
أسس كثير من نقاد حروب أوروبا/ الولايات المتحدة القائمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الآن، أطروحاتهم على الكليشيهات والتعميمات المجردة من الحقائق والتي عدّها المؤلف مجرد أساطير وهو يتحدث عن ليبيا، ويرصد ست أساطير:

أسس كثير من نقاد حروب أوروبا/ الولايات المتحدة القائمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الآن، أطروحاتهم على الكليشيهات والتعميمات المجردة من الحقائق والتي عدّها المؤلف مجرد أساطير

1- يمين ويسار: تزعم قوى الإمبريالية الرئيسية وصنائعها في الإعلام الجماهيري قصف ليبيا من أجل أأسباب إنسانية"، في حين يوضح ماضي هذه القوى القريب وتدخلاتها العسكرية في العراق وأفغانستان ويوغسلافيا النتائج المأساوية على تلك البلدان من هذه السيطرة.

وعلى حد قول المؤلف "فإنهم يقومون بتدمير الأسس الجوهرية لحياة المدنيين الذين يزعمون أنهم يسعون لإنقاذهم، أو كما كان يزعم جنرالات حرب فيتنام أنهم يقومون بتدمير القرى من أجل إنقاذها".

2- الحرب من أجل النفط: إن الكليشيه المفضل لدى اليساريين هو أن الحرب من أجل "التحكم في نفط ليبيا وتسليمه للشركات المتعددة الجنسية التابعة لتلك البلاد". لكن الواقع ينطق بأن الشركات المتعددة الجنسية الأميركية والفرنسية واليابانية ومنافساتها الآسيوية، تتحكم في آبار النفط والغاز دون إسقاط قنبلة واحدة. وعليه فإن هذه المقولة التي تتردد بأن الحرب من أجل النفط لا تصمد أمام أي نقد!

3- القذافي إرهابي: أثناء الإعداد للحرب على ليبيا، قام وزير المالية الأميركي بتجميد أصول ليبية بزعم أن القذافي طاغية قاتل، رغم أن ديك تشيني قام برفع ليبيا من قائمة النظم الإرهابية وتبعته القوى الأوروبية، ومنحها صك البراءة -من مفوضية حقوق الإنسان- من أية انتهاكات حقوقية، مع تسليم وتفكيك القذافي لبرنامجه النووي الكيميائي، فكيف الآن يتهم بالإرهاب؟!

4- أسطورة الجماهير الثورية: ركزت حملة الدعاية في وسائط الإعلام الجماهيري على شيطنة نظام القذافي وكيل المديح "للمتمردين".

ويرى المؤلف أن من بين قادة "المجلس الانتقالي المتنازعين في بنغازي عددًا من النيوليبراليين الذين عاشوا في الخارج، وعددًا من مؤيدي دكتاتورية القذافي ومن دعاة استيلاء الكوربوريشنات المتعددة الجنسية على حقوق الغاز والنفط، ويرى أنهم غير قادرين على إقامة دولة رفاهية اقتصادية اجتماعية، ومكنت الليبيين من أن يكون لهم أعلى معدل دخل في أفريقيا".

5- القاعدة: يتركز الإرهابيون الذين يشتبه في وجود روابط لهم مع القاعدة مع "المتمردين"، وحدث زواج منفعة بين الإمبرياليين الغربيين والقوميين الإسلاميين من أجل إسقاط القذافي، كما يقول المؤلف!

6- "الإبادة الجماعية" أو الحرب الأهلية المسلحة: إن الحقيقة هي الضحية الأولى للحرب، فقد لجأ الطرفان إلى فبركات مهولة عن الانتصارات والقتلى والمصابين، فالصراع هو ما بين سلطة أبوية مستبدة مقابل نخبة موَّلها الغرب ودربها.

5– ليبيا ودفاع أوباما عن "انتفاضة المتمردين"
في معرض دفاع المؤلف عن نظام القذافي، يجابه دعايات الإعلام الجماهيري الذي يردد "نقص تسليح عملائهم"، ويقول إنهم يتناسون الآن القنابل والصواريخ التي أطلقت من غواصات وسفن الناتو التي تدك مطارات وطرق ومستودعات سلاح كتائب القذافي.

ويعزو الإعلام الأجنبي الذي لا يدرك سبب التقدم الذي تحرزه القوات الموالية للحكومة على الأرض هذا التقدم إلى "القمع" و"الإجبار"، وذلك لأن هذا الإعلام يستند إلى مزاعم "المتمردين" بأن الجميع يعارضون القذافي سرًا!

ويقول المؤلف إن هناك واقعًا اجتماعيًا لا يمكن تجاهله، وهو أن نظام القذافي أقام شبكة واسعة من دولة الرفاهية الاجتماعية، ولكن الليبيين الذين يحتمل أن يكونوا قد استاؤوا من الفترة الطويلة التي حكم فيها القذافي البلاد بأسلوب سلطوي، لم يغتروا بهذه الشبكة ويسكتوا عن القمع السياسي.

6– "الربيع العربي" والسياق العالمي
تقيم الدول الاستعمارية شبكات تربط الأنشطة الاقتصادية والعسكرية والسياسية في نظام متسق يدعم بعضه، وتؤدي هذه المهمة إلى حد كبير مؤسسات متنوعة للدولة الإمبريالية.

التحركات الشعبية في الشرق الأوسط هيأت الفرصة لقطيعة حاسمة مع الاقتصاد الراهن ذي الركائز الإمبريالية، بينما تتحرك باتجاه إحداث ثورة اجتماعية تواكب الثورة السياسية!

ويثبت التاريخ الاستعماري أن أقل الوسائل كلفة للحفاظ على الهيمنة الطويلة الأمد وواسعة المدى، هو ضمان عملاء ومتعاونين محليين، سواء على شكل قادة سياسيين واقتصاديين أو عسكريين يعملون من داخل الأنظمة التابعة. ذلك أن الحكم العسكري الصريح تنجم عنه حروب مكلفة أو حالات من الفوضى والتمزق والقلقلة، بخاصة بين التنويعات العريضة من الطبقات المتضررة من الوجود الإمبريالي. وإحدى المغريات الأساسية التي يستخدمها صناع السياسة الإمبريالية لإغواء "الطبقة الحاكمة الجديدة" في الدول التابعة البازغة، هي فرصة المشاركة في نظام اقتصادي مرتبط بالمراكز الإمبريالية تتشارك فيه النخب المحلية الثروة الاقتصادية مع رعاتها الأجانب. ومن أجل الحصول على دعم جماهيري محلي، تعمل الطبقات المتواطئة على طمس الأشكال الجديدة من الخضوع للقوى الإمبريالية عبر تأكيدها "الشفوي" للاستقلال الاقتصادي والحريات الفردية والفرص الاقتصادية ودعم التوجهات الاستهلاكية الفردية.

ومن الواضح أن شبكة الولايات المتحدة الاقتصادية الليبرالية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتعاظمت نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي، آخذة في التفسخ لتحدي القوى الاقتصادية الجديدة التي تنشئ مراكز بديلة للنمو والتنمية.

ونتيجة لهذا التحدي تعمل التغيرات التي تحدث في البلاد الواقعة على هامش الإمبراطورية، ومعها الديون المتنامية ومنحنيات العجز التجاري المتصاعدة، على تآكلها.

وتستنزف الطبقة العسكرية الخزانة في مسعاها لشن الحروب، وإقامة القواعد العسكرية المتقدمة وتفاقم العجز التجاري، بتقويضها الظروف المواتية للاستثمار والتجارة.

الأهم من ذلك أن التحركات الشعبية في الشرق الأوسط هيأت الفرصة لقطيعة حاسمة مع الاقتصاد الراهن ذي الركائز الإمبريالية، بينما تتحرك باتجاه إحداث ثورة اجتماعية تواكب الثورة السياسية!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك