عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب لتاريخ الغناء المقامي العراقي والذي يعود إلى قرون عدة خلت، ويركز على التحولات التي أصابت هذا الفن الغنائي منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما بدأت المرأة تقتحم هذا المجال وتشارك فيه بعدما كان فنا رجوليا.
 
ويتوقف المؤلف عند أهم مغنيات المقام العراقي ذوات التأثير الجماهيري: صديقة الملاية، وسليمة مراد، وسلطانة يوسف، وزهور حسين، ومائدة نزهت، وفريدة محمد علي، وسحر محمد طه.
 

- الكتاب: غناء المقام العراقي بأصوات النساء
- المؤلف: حسين إسماعيل الأعظمي
- عدد الصفحات: 316
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى، 2005

المقام العراقي
لكل أمة أصيلة من الأمم فنونها وتقاليدها ومعتقداتها وظواهرها المتأصلة الجذور والتي تتصل في أعماق التاريخ، وفن الموسيقى والغناء في أي عصر من العصور هو انعكاس لحياة المجتمع وتعبير عنه، وهو صور صادقة لها قيمتها في نقل التأملات والانفعالات والتطلعات من زمن إلى آخر ومن جيل إلى جيل.
 
والظروف التي مر بها العراق الحديث سواء على المستوى المحلي أو الدولي، لم تؤد إلى تأثر ثقافته الموسيقية بثقافة البلدان الأخرى، فالفنانون الغنائيون العراقيون التفتوا إلى الاهتمام بموسيقاهم الإقليمية، بسبب الاتجاه المحافظ الذي كان يسود الأوساط الفكرية والفنية لدى المجتمع العراقي، بل إن الظروف الدولية زادتها كما ونوعا في التأثير والتأثر.
 
والمقام العراقي نوع من الغناء والموسيقى العراقية، يعبر عن حياة العراق وتاريخه وحضارته وثقافته على مدى آلاف السنين، ويتكون من خمسة عناصر أساسية يعتمد عليها كل مقام على حدة في بنائه اللحني والموسيقي، وهي:
 
التحرير: المفردة بالبداية أو الاستهلال لغناء أحد المقامات، ويأتي هذا الاستهلال غالبا بكلمات وألفاظ خارجة عن النص الشعري المغنى، مثل أمان.. أمان، أو ويلاه.. ويلاه.
 
القطع والأوصال: التنوع السلمي، أي التحولات السلمية أو الأجناس الموسيقية ضمن علاقات لحنية متماسكة، والعودة دائما إلى سلم المقام المغنى، وهذه التحولات أو القطع ذات أشكال ثابتة ومحددة في مساراتها اللحنية.
 
"
فن الغناء في أي عصر من العصور هو انعكاس لحياة المجتمع وتعبير عنه، والموسيقى هي صور صادقة لها قيمتها في نقل التأملات والانفعالات والتطلعات من زمن إلى آخر
"
الجلسة: النزول إلى الدرجات الموسيقية المنخفضة بأسلوب القرار، ولكن بمسار لحني محدد ذي شكل معين.
 
الميانة: ويأتي غناؤها بطبقة صوتية عالية بعد الجلسة مباشرة، وهي ذات شكل ومسار لحنى معين، على أن هذه الجوابات أو هذه الميانات ليس من الضروري جدا أن تسبقها جلسة، فقد تأتي صيحات غنائية عالية لها مقومات الميانة دون حاجة إلى أن تسبقها جلسة.
 
التسليم: وهو نهاية المقام، ويأتي غالبا بألفاظ أو كلمات غنائية خارج النص الشعري، شأنه في ذلك شأن ما يحدث في العنصر الأول "التحرير".
 
ومن أهم المقامات العراقية الإبراهيمي، وهو من المقامات الثقيلة المعقدة، والمنصوري، وهو ذو أصول ومضامين تاريخية، ويغنى بالشعر الفصيح، والحجاز "فصيح"، والبيات "فصيح"، والسيكاه، والمحمودي، والناري، والنوى، والأفشار، ويغنى بالشعر الزهيري، والكرد، ويغنى بالشعر الزهيري.
 
إن الممارسات الغنائية المقامية التي لها صلة مباشرة بالمقام العراقي عموما نجدها منتشرة بصورة متقاربة ومتشابهة في بيئة جغرافية واسعة الأطراف، ابتداء من العراق ومعظم غرب وأواسط آسيا.. تركيا وإيران والهند والباكستان وأفغانستان الصين..
 
لكن إطلاق المقام العراقي تحديدا هو امتلاكه مقومات الشخصية المستقلة المؤثرة فيمتلك ما يميزه عن الدول المجاورة، فهو من هذه الزاوية يعد بحق عراقيا، والبيئة الجغرافية الجبلية هي انعكاس حقيقي لخشونة الحياة الجبلية، وهذه الحالة الانفعالية كانت سبب إطلاق مصطلح "الفن الرجولي" على هذا الفن المقامي في بغداد والعراق عموما.
 
هذه الأسباب أدت إلى رفض الرجل البغدادي للممارسات الغنائية المقامية النسائية كتجربة جديدة رائدة في غناء المقامات العراقية، التي هي في حقيقتها انفعالات حادة رجولية، والصوت النسوي وليونته عندما ولج إلى عالم الفن الرجولي أخذ يعاني من وسيلة التعبير المضنية، فحاولت المرأة الإجادة غير أنها وقعت في مشكلة التصنع ذلك أن الرقة تحاول إبعاد ذاتها عن الخشونة.
 
لكن تعرض بغداد إلى كثير من المآسي والنكبات من خلال الغزو المغولي وتعدد الأقوام التي حكمت العراق أحدث منعطفا نوعيا في المجتمع، وأبقاها فترة طويلة تحت حكم الاستعمار الإنجليزي، وهذا يعني أن الممارسات الأدائية المقامية تكون قد انتقلت من البيئة الجبلية ومميزاتها الحياتية المعينة إلى بيئة مدينة تتسم بتطور وتغير الأساليب الحياة باستمرار، ولذلك فقد غزت المصطلحات الأعجمية الغنائية الموسيقية بحيث استبدلت الأسماء الموسيقية العربية بكثير من الأسماء الفارسية والتركية.
 
"
الممارسات الغنائية المقامية التي لها صلة مباشرة بالمقام العراقي نجدها منتشرة بصورة متقاربة ومتشابهة في بيئة جغرافية واسعة الأطراف ابتداء من العراق ومعظم غرب وأواسط آسيا
"
ومنذ مطلع القرن العشرين شهد المقام ولادة جديدة بسبب نشوء الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى، وظهور التكنولوجيا، وبرز في هذه الحقبة الكثير من النتاجات الصوتية في غناء المقام العراقي، مثل جميل بغدادي، ورشيد القندرجي، ورشيد الفضلي.
 
وفي هذه الحقبة تحركت المرأة لتعلن وجودها بعد الانعزال الاجتماعي، فغنت أولا التراث الموسيقي، وأخذت طابع التقليد في البداية وأحيانا طابع الاقتباس، وكانت أولى تجارب النسوية المقامية في العقد الثالث من القرن العشرين، فعندما بدأت صديقة الملاية أنشدت في الفرق الدينية لأداء الشعائر الدينية، حتى دخلت ميدان احتراف الغناء المقامي، فقد حققت تجربة الأداء النسوي للمقامات العراقية إنجازات فنية لعبت دورا فعالا في دعم الفن الأدائي للمقامات العراقية وتنميته، حيث كانت تتمتع بالمقدرة أن توقظ الرغبة في سماع التراث الغناسيقي، وأسهمت في مضاعفة عدد الناس الذين أصبحوا يهتمون بالمقام العراقي.
 
المرأة والمقام العراقي
بدأت المرأة تدخل عالم المقام العراقي للمرة الأولى، كما يظهر تراث المقام الممتد إلى أكثر من ثلاثة قرون في نهاية القرن التاسع عشر على يد طليعة من المغنيات الرائدات، مثل: صديقة الملاّية، وبدرية أنور، ومنيرة الهوزوز، وسلطانة يوسف، وبهية العراقية، وماري الجميلة، وطيرة حكيم، وزنوبا وعزيزة العراقية، وروتي وغيرهن كثير...
 
وقد أدى نجاح هذه الطليعة من النساء المطربات إلى دخول جيل جديد من المغنيات مثل: سليمة مراد، وعفيفة إسكندر، وصبيحة إبراهيم، ولميعة توفيق.... وغيرهن، ورغم أن هذا الخط من ظهور النساء المطربات يبهت تارة ويظهر تارة أخرى، وذلك بسبب القيود الاجتماعية ونظرة المجتمع إلى الفنانين فقد كانت المرأة أقل احتمالا للنجاح.
 
إن حقبة التحول كانت في بداية القرن العشرين، حيث كان هناك تحولات كثيرة تنمو، وكان أبرز هذه التحولات ورمزها المرأة التي قادت هذه الحقبة إلى الانفتاح في شتى مجالات الحياة، أمست هناك حالة من الضجيج اخترقت المجتمع العراقي، فذاع صيت الحجاب بين أن تتركه أو تتمسك به، وكذلك ولوج المرأة عالم الأداء المقامي والغناسيقي، والتقت النهضة الجديدة للغناء والموسيقى في العراق مع الأفكار الوطنية والقومية، وكان من كبار هذه الحقبة الفنان المقامي جميل البغدادي ويوسف كربلائي، ونجم الشيخلي،...
 
وقد اتسمت هذه الحقبة بولوج المرأة الحياة على كل الأصعدة، ورافقت هذه الحقبة ظواهر الدراما الذوقية والجمالية بين طرق الأداء المقامي، وسيطرت الطريقة القبانجية في الأداء المقامي، وبدأت حركة جديدة من النقد الموسيقي، والتوسع في الأغاني العقلية، مع انتشار الاتجاهات الجمالية الرومانتيكية واضمحلال الاتجاهات الكلاسيكية.
 
"
تحركت المرأة العراقية لتعلن وجودها بعد الانعزال الاجتماعي، فغنت أولا التراث الموسيقي، وأخذت طابع التقليد في البداية وأحيانا الاقتباس، وكانت أولى تجارب النسوية المقامية في العقد الثالث من القرن العشرين
"
ويعرض الكتاب الإمكانية الفنية لدى المرأة على وجه الخصوص، سواء في الأداء المقامي أو الأغاني بكل تنوعاتها ومراجعها البيئية، ثم يعرض اسم كل مطربة وحياتها الفنية والاغاني التي قدمتها في المقام، ودورها في المقام العراقي على حدة، من الرعيل الأول أواخر القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين، واللواتي ظهرن عند حقبة التحول مثل:
 
صديقة الملاّية (1900-1970):
لقد كان ظهور صديقة الملاّية اسما جماليا وفنيا واجتماعيا، وقد كان اسمها الحقيقي "فرجة بنت عباس"، وهي مطربة تتمتع بشهرة واسعة منذ عشرينيات القرن الماضي في مدينة بغداد العاصمة، وهي فنانة شعبية ناجحة، وقد تمكنت من وضع حجر الأساس لعنصر المرأة في مشاركتها الرجل بغناء المقام العراقي، ومن المثير للجمهور المستمع هو ما يحصل عليه من مقامات "الحكيمي" ومقام "المحمودي" ومقام "البهيرزاوي" هو الشعور الصوت الذاتي والتعبير الذاتي، الشعور بالخصوصية، وبالتالي إتاحة الفرصة للفرد للإعلان عن إمكانياته الذاتية.
 
وصديقة بصوتها الجميل كانت وسيلة للتعبير عن غاياتها وأصالتها كعراقية تصدر عن غناء وموسيقى العراق في كل عصوره وتاريخه، فقد مارست الأداء الديني مكونة فرقة لإقامة المناقب الحسينية، والشعائر في الأفراح والأتراح،
وصوت صديقة ينحو منحى الغلاظة نوعا ما، لطول الفترة التي قضتها في الممارسات الأدائية، وفي عام 1918 حيث كانت تغني في الملاهي ثم تفرغت لتسجيل الأسطوانات.
 
وتكمن أهمية الملاية في إصرارها على المشاركة في المقام العراقي، كونها أول مطربة ساهمت في فتح الأبواب، وقد استطاعت مواءمة ألحانها الموضوعة من قبل ملحني حقبتها مع كلمات الأغاني الموضوعة من قبل الشعراء المعاصرين.
 
سليمة مراد (1905-1974):
بقيت سليمة مراد في أغانيها تبحث عن التحول الذي تسعى إليه المرأة العراقية، وقد شاركتها قريناتها من المغنيات، وجميع أغاني سليمة مراد كانت بالتعابير البغدادية، أي التعابير العراقية، فقد كانت أغانيها مرجعها عراقي، في الشكل والمضمون، وفي الكلام واللحن والأداء، وقد كانت مهمتها إعادة الحياة الطبيعية لموسيقى وغناء البلد وطرحها على العالم، على مبدأ المحلية أساس العالمية، فكلما كان الفنان محليا كان عالميا، فقد كانت أشهر أغاني سليمة مراد تلك الأغنية الأثيرة، -هذا مو إنصاف منك- والتي تبلغ فيها سليمة مراد كل مراميها الخيالية والفكرية والجمالية، وتشكل أغانيها انعكاسا فعليا لحقبة التحول التي نشأت بذروتها سليمة مراد، من ركود إلى حركة ومن رتابة إلى تطلعات، حقبة فكرية جمالية خيالية.
 
سلطانة يوسف (1910-1995):
حاولت سلطانة يوسف جاد أن تعلن عن إمكانياتها في أداء المقامات، وقد اقتربت في أدائها لهذا المقام إلى شبه الكمال في أداء الأصول التقليدية، وقد انهمكت سلطانة يوسف بإعداد أبوذيات وعتابات ومقامات قامت بغنائها، خاصة عندما قدمت أداء لمقام البهيرزاوي ضمن حفلة في الموصل، فقد تجاوز صوتها أبعاد المساحة الصوتية التي يمتاز بها المقام، كما أنها اقتربت من شبه الكمال في أدائها للمقامات من الناحية الأصولية التقليدية.
 
لقد عاشت سلطانة يوسف حتى انتصاف التسعينيات، ولقد اعتزلت الفن وتفرغت للعبادة أواخر الخمسينيات.
 
زهور حسين (1924-1964):
المطربة زهور حسين تعتبر رائدة الغناء الشعبي، وانتاجاتها بصورة عامة كانت رصينة، امتزج عقلها مع قلبها لتعبر ببساطة عن هموم المجتمع في حقبة انتصاف القرن العشرين، فقد غنت هذه المطربة الكثير من الأغاني القديمة والجديدة نسبة لحقبتها التي عاشت بها، وامتازت أغانيها بخصوصية إقليمية بغدادية، فهي قد نشأت في بغداد فامتلكت مميزات البيئة البغدادية، وقد عاصرت موسيقيين ومطربين أفذاذا أمثال جميل بشير، وسلمان السكران... الذين أنتجوا للمقام العراقي أعمالا في غاية الأهمية لتاريخ العراق الحديث والمعاصر، والتي امتازت بالتطلعات الفنية الأخرى خارج المحلية الإقليمية أملا في التفاعل الفني والثقافي للبلدان المجاورة وخاصة العربية.
 
نجحت زهور حسين في تزويد العالم بعالم خيالي وعاطفي والتعبير عن محيطها البيئي بواسطة أسلوب أدائي فني عفوي في الأعمال، فقد كانت لغتها مليئة بالحزن والشجن والخيال والعاطفة والعذاب، وهي مازالت حية.
 
سحر طه (1963-...):
أكملت دراستها العليا في إدارة الأعمال، وهي تمارس الكتابة والنقد الموسيقي في الصحافة العربية واللبنانية وتكتب في جريدتي النهار والحياة، وتقدم البرامج التلفزيونية والمشاركات كعضو تحكيم في برامج المواهب الجديدة، وقد أقامت سحر طه العديد من الحفلات الغنائية في أداء المقامات العراقية والأغاني التراثية، وقد كونت لنفسها أسلوبا أدائيا خاصا في غنائها لبعض المقامات العراقية.
 
فريدة:
ولدت فريدة عام 1963 بكربلاء في أسرة تشجع الفن، وكان والدها يعمل مترجما للغة الفارسية في الإذاعة العراقية، وقد شاركت في فرقة الفنان إلهام مدفعي، ثم درست الموسيقى بعد انقطاع عن الفن لمدة خمس سنوات أعقبت اختفاء زوجها في الحرب العراقية الإيرانية، وكان من زملائها في الدراسة كاظم الساهر، ونصير شمة، وغيرهما.
 
وقد أنجزت فريدة في المقام العراقي مجموعة كبيرة من الأغاني لم يسبق لغيرها من المطربات أن تنجزها، وأدت مقامات صعبة الأداء من المقامات الرئيسية، مثل مقام الحجاز، والعجم، والنهاوند وغيرها، كما غنت في معظم أنحاء العالم، وهي تعيش اليوم في هولندا.

المصدر : الجزيرة