*بقلم/ د. مصطفى كبها

قيام أو سقوط الحكومات في إسرائيل
الحكومة الإسرائيلية الائتلاف والاختلاف
خلفية التبكير بالانتخابات الإسرائيلية
الانتخابات الإسرائيلية ومن يحق لهم الترشح
نتائج الانتخابات المحتملة وانعكاساتها
آفاق الانتخابات المقبلة

قيام أو سقوط الحكومات في إسرائيل

لم تحظ حكومة إسرائيلية واحدة في العقدين الأخيرين، بإكمال المدة القانونية (وهي أربع سنوات) التي يمنحها قانون الانتخابات الإسرائيلي للحكومة المنتخبة، بل إن وتيرة سقوط رؤساء الحكومة زادت زيادة ملموسة في العقد الأخير بشكل أصبح فيه عمر الحكومة لا يزيد عن السنتين ونصف السنة ليس أكثر.

ويمكننا أن نرصد عاملين اثنين أساسيين تقوم عليهما أو تسقط أي حكومة إسرائيلية، وهما الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي والوضع الاقتصادي الاجتماعي، وكل منهما مرتبط بالآخر ارتباطا وثيقا لا فكاك منه.

بالنسبة للعامل الأول فقد يثبت أي تمعن معمق لسلوك الناخب الإسرائيلي والرأي العام بشكل عام أنه في أوقات الانفراج وخفة حدة الصراع فإن آمال حزب العمل ومعسكره بتولي زمام الأمور تنتعش إلى حد كبير، في حين تصاب بالانتكاس والتراجع لتزداد إزاءها فرص حزب الليكود اليميني ومعسكره في أوقات اشتداد الصراع واستعار أواره. وقد يعود هذا إلى سببين بارزين:

  • أولهما انتماء معظم مصممي الرأي العام (والمستشرقين منهم على وجه الخصوص) إلى معسكر الصقور أصحاب الخلفية الأمنية وهم مدفوعون أساسا بهواجس أمنية.
  • وثانيهما معادلة جدلية قوامها مزيج غريب من الشعور بالاستعلاء والاستخفاف من الطرف الآخر من جهة، وعدم الثقة والتوجس خيفة من نواياه من جهة أخرى.

وبناء على ذلك يمكن تفسير تفضيل الناخب الإسرائيلي للجنرالات ورغبته الدائمة برؤيتهم يتولون دفة القيادة وبحثه الدؤوب في أوساطهم عن شخصية "مسيح مخلِّص" يمكن أن يجيب على الهواجس والمخاوف الأمنية من جهة، ويدير الصراع "بيد حديدية" مع الفلسطينيين من جهة أخرى.

بالنسبة للوضع الاقتصادي فإن المتأمل لتصرف المجتمع الإسرائيلي على مدار 54 سنة خلت يرى أنه كلما ارتفع مستوى المعيشة وازدادت معالم الرخاء فيه زادت مطالبه المعيشة-الاقتصادية من الحكومة وقلت قدرته على مواجهة وتحمل قسريات الوضع الاقتصادي، كما كان الوضع في سنوات الخمسينيات التي يحلو للمؤرخين الإسرائيليين تسميتها "سنوات التقتير". هذه المعادلة رفعت من وزن العوامل الاقتصادية في الطروحات السياسية للأحزاب وقدرة هذه العوامل بالتأثير على سلوك الحكومات ومصداقيتها ومدى ثباتها في سدة الحكم. وقد حصلت هذه العوامل على أبعاد مضاعفة من الأهمية عندما ربطت مع الشرخ الاجتماعي الاقتصادي العميق بين اليهود من أصل شرقي وأولئك من أصل أوروبي (إشكنازي) وبين كليهما وبين أبناء الأقلية القومية العربية-الفلسطينية في إسرائيل. بل إن النقاش حول الميزانية التي يصادق عليهما عادة في نهاية كل عام ميلادي أصبح مع الوقت من أهم الأحداث السياسية التي تفوز بحصة الأسد من التغطية الإعلامية واهتمام الرأي العام. وحول هذا النقاش وكيفية عرض الميزانية على البرلمان "الكنيست" للمصادقة عليها يتم تصميم قواعد ومعايير اللعبة السياسية وربط المستقبل السياسي لأي ائتلاف حكومي ومدى قدرته على الاستمرار بإدارة دفة القيادة.

وقد كانت قصة سقوط حكومة شارون الأخيرة ولجوئها إلى تبكير الانتخابات مزيجا من العاملين آنفي الذكر، فاشتداد انتفاضة الأقصى وارتفاع حدة النزاع مع الفلسطينيين انعكس بشكل سلبي على ثبات واستقرار حكومة الوحدة الوطنية ذات القاعدة البرلمانية الواسعة التي شكلها شارون مع حزب العمل وأحزاب اليمين المتشدد وبعض الأحزاب الدينية المتزمتة، فعلى الرغم من تلك القاعدة الواسعة والشعبية الكبيرة غير المسبوقة التي حظي بها أرييل شارون في أوساط الشعب الإسرائيلي فقد أجهز العامل الاقتصادي في النهاية على تلك الحكومة، حين انسحب حزب العمل منها على خلفية عدم موافقته على الميزانية التي اقترحها وزير المالية سيلفان شالوم، أكثر الوزراء قربا من شارون.

الحكومة الإسرائيلية بين دواعي الائتلاف وإكراهات الحسابات الحزبية


لم تخل حسابات شارون السياسية من الطابع الشخصي، وهو يدعو إلى انتخابات مبكرة، إذ شعر بعدم القدرة على الاستمرار إزاء عودة بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الأسبق، إلى الحلبة السياسية والذي لم يخف نواياه بالعودة لقيادة حزب الليكود وتولي رئاسة الحكومة

ولم يكن موضوع الميزانية هو الوازع الوحيد الذي دفع بحزب العمل ورئيسه آنذاك، بنيامين بن إليعازر، إلى الانسحاب من حكومة الوحدة وفك الشراكة مع شارون وبالتالي إفقاد تلك الحكومة قاعدتها البرلمانية وإسقاطها. بل إن ثمة حسابات حزبية داخلية وشخصية لرئيس الحزب دفعته لذلك مستغلا الأصوات الكثيرة المعارضة لسياسة شارون الاقتصادية وميزانيته المجحفة بحق الطبقات الشعبية الدنيا، فقد كان حزب العمل على عتبة انتخابات داخلية على رئاسته وقد كان المرشحان الآخران اللذان نافسا بن إليعازر، حاييم رامون وعمرام متسناع خارج المنظومة الحكومية، وبالتالي كانا يشعران بحرية تامة لتوجيه سياط النقد لبن إليعازر وشريكه الأساسي شمعون بيريز، اللذين بجلوسهما في حكومة الوحدة الوطنية منحا رئيسها أرييل شارون غطاء شرعيا لممارساته القمعية ضد الفلسطينيين ولسياسته الاقتصادية الفاشلة التي أوصلت الاقتصاد الإسرائيلي إلى إدراك لم يصله منذ عشرات السنين، هذا فضلا عن الأضرار الجسيمة التي سببتها هذه السياسات لصورة إسرائيل في الإعلام والرأي العام الدولي.

لكن انسحاب بن إليعازر من حكومة الوحدة الوطنية وقلبه لها ظهر المجن لم يشفع له في حزبه حيث تعرض في الانتخابات التي جرت في التاسع عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني العام المنصرم لهزيمة نكراء خسر على إثرها زعامة الحزب لعمرام متسناع، رئيس بلدية حيفا والجنرال السابق في الجيش (كان قد شغل في الانتفاضة الأولى منصب قائد المنطقة الوسطى وبحكم هذا المنصب كان مسؤولا عن منطقة الضفة الغربية). وقد عزا المحللون فشل بن إليعازر إلى انغماسه الزائد، بحكم منصبه وزيرا للأمن، في سياسة شارون التي لم تقد الشعب الإسرائيلي إلى السلام والأمن اللذين وعده بهما عشية انتخابه، في حين عزا مساعدو بن إليعازر المقربون ذلك إلى أصله الشرقي ورفض الطبقة العليا الغالبة في حزب العمل (وهي بمعظمها من أصل أوروبي-إشكنازي) دعم مرشح من أصل شرقي لرئاسة الحكومة، علما بأن أحدا من اليهود الشرقيين لم يفز حتى الآن بهذا المنصب.

كما لم تخل حسابات شارون نفسه من الطابع الشخصي، فقد كان بإمكانه لو أراد أن يحافظ على منصبه مستندا إلى قاعدة برلمانية ضيقة، ولكنه شعر بعدم القدرة على الاستمرار إزاء عودة بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الأسبق، إلى الحلبة السياسية والذي لم يخف نواياه بالعودة لقيادة حزب الليكود وتولي رئاسة الحكومة، ذلك المنصب الذي فقده على أثر هزيمته في الانتخابات النيابية التي جرت عام 1999، أما إيهود باراك زعيم حزب العمل آنذاك فمنذ عودته لم يفتأ نتنياهو بالسعي ضد شارون والعمل على تغييره ولم يفلح شارون بالتخفيف من حدة هذا السعي و"اقتناء" سكوت نتنياهو بمنصب وزير الخارجية الذي أسنده له بعد انسحاب حزب العمل من الحكومة، بل إن حسم النزاع بينهما مؤقتا بعد فوز شارون بترشيح الحزب له لقيادته في الانتخابات القادمة لم يخفف من التوتر بين الرجلين الذي ازدادت حدته مجددا بعد فضائح الفساد الانتخابي في مؤسسات الحزب والاعتقاد بتورط بعض أعضاء عائلة شارون فيها.

خلفية التبكير بالانتخابات الإسرائيلية


تراجعت شعبية حزب الليكود الحاكم قبيل الانتخابات المقبلة بعدما كان معظم المحللين يرون فيها معركة معروفة النتائج مسبقا ومحسومة لصالح اليمين. فبعد الكشف عن التجاوزات في حزب الليكود ربما تحدث تحولات تستفيد منها أحزاب أخرى

إذا أردنا أن نقيم مبادرة شارون لتبكير الانتخابات من الناحية التكتيكية نرى أنه حقق من خلالها بعض النجاح، فقد استغل شعبيته العريضة في حينه وحسم الأمر مع نتنياهو، كما أنه اعتقد -وكان هناك أساس متين لهذا الاعتقاد- أن إجراء الانتخابات في هذه الأجواء يمكن أن يكفل له نصرا مكفولا ضد حزب العمل. وبالفعل فقد أشارت استطلاعات الرأي التي أجريت غداة الإعلان عن تبكير موعد الانتخابات على تفوق واضح لحزب الليكود (الذي حصل حسب تلك الاستطلاعات على قرابة الأربعين مقعدا) ولمعسكر اليمين بشكل عام. ولكن هذا النجاح التكتيكي لم يدم طويلا، فحسم النزاع مع نتنياهو كان زمنيا فقط وسرعان ما عاد الأخير بجد واجتهاد إلى السعي ضد زعامة شارون ومضى قدما بتنفيذ مشروع العودة إلى تزعم الليكود مستغلا ما أثير حول بعض معاوني شارون وأبنائه من شبهات لتجاوزات في المعركة الانتخابية الداخلية في الحزب. وبطبيعة الحال استفادت أحزاب أخرى من تراجع الليكود وخاصة حزب شينوي (التغيير) بزعامة طومي لبيد الذي يرفع شعار "نقاوة الأكف" ومحاربة الفساد إضافة إلى رفعه لواء الفكر العلماني ومحاربة الأحزاب الدينية المتزمتة.

ولعل التراجع في شعبية حزب الليكود الحاكم وجسر الهوة التي كانت قائمة بين معسكري اليمين واليسار يكسب الانتخابات القادمة أهمية خاصة بعدما كان معظم المحللين يرون فيها مجرد تحصيل حاصل بسبب كونها معركة معروفة النتائج مسبقا ومحسومة لصالح اليمين.

لكن الأمور تغيرت بشكل كبير بعد الكشف عن التجاوزات في حزب الليكود، علما بأن حزب العمل لم يستفد كثيرا من التراجع بشعبية الليكود، وذلك لوجود بعض الشبهات أيضا حول بعض أعضائه (نائب الوزير السابق إيلي بن مناحيم على سبيل المثال)، كما يعزو بعض الخبراء ذلك إلى سلوك عمرام متسناع زعيم الحزب وطروحاته السياسية التي لا تروق كما يبدو للمصوتين خائبي الأمل من الفساد داخل حزب الليكود (وهم بأغلبيتهم الساحقة من اليمينيين الصقور) الذين يتوجهون إما للحزب اليميني المتشدد "الاتحاد الوطني، إسرائيل بيتنا" برئاسة فلاديمير ليبرمان أو لحزب "شاس" الديني الشرقي المتزمت أو لحزب شينوي كما أسلفنا أعلاه.

الانتخابات الإسرائيلية ومن يحق لهم الترشح


سيكون لرفض شطب النواب العرب بالغ الأثر في تصميم شكل العلاقة المستقبلية بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية وخاصة حق الأقلية بالتعبير عن آرائها والسعي للمساواة التامة في المواطنة مع الإبقاء والمحافظة على تميزها القومي والحضاري

بدأت الحملة الانتخابية بشكل فعلي في اجتماعات لجنة الانتخابات المركزية التي يقف على رأسها قاضي المحكمة العليا ميشال حيشين ويتكون أعضاؤها الاثنان والأربعون من ممثلي الأحزاب المختلفة، وقد قام ممثلو اليمين بتقديم الدعاوى والطعون في شرعية ترشيح حزب التجمع الوطني الديمقراطي ورئيسه الدكتور عزمي بشارة بدعوى تأييد "تنظيمات معادية" والتحريض على العنصرية، وكذلك طعنوا في ترشيح الدكتور أحمد الطيبي المرشح الثالث في قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير لأسباب مشابهة، في حين قام ممثلو اليسار بالطعن بأهلية وزير الدفاع شاؤول موفاز للترشح، وذلك بسبب عدم مرور الفترة القانونية اللازمة حسب القانون (ستة أشهر) للفصل بين أدائه لوظيفته العسكرية (كرئيس لأركان الجيش الإسرائيلي) واشتراكه في الحياة النيابية. كما قدموا طعونا في ترشيح باروخ مرزل أحد كبار رموز المستوطنين المتطرفين يمينيا في الضفة الغربية وعضو حركة "كاخ" العنصرية المرشح الثاني في قائمة حيروت "الحرية" برئاسة عضو الكنيست اليميني المتشدد ميخائيل كلاينر. وكذلك في قانونية ترشيح موشيه فيغلين، المرشح الأربعين في حزب الليكود، بسبب إدانات قضائية سابقة.

وقد جاءت قرارات هذه اللجنة مجسدة لتركيبتها السياسية، خاصة في ما يتعلق بقرارات الشطب المتعلقة بقائمة التجمع وعضوي الكنيست بشارة والطيبي، وعدم شطب اليميني المتطرف باروخ مرزل. ومن الجدير ذكره أن شطب الأعضاء العرب كان تتويجا لحملة تحريض مسعورة أديرت ضدهم منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وأحداث أكتوبر/ تشرين الأول 2000 بل إنها كانت قمة سياسة التمييز والتهميش التي مارستها الحكومات المتعاقبة في إسرائيل إزاء أبناء الأقلية القومية العربية–الفلسطينية في إسرائيل على مدار 54 سنة ماضية. وهي تأتي لتسهم في حملات نزع الشرعية من أبناء هذه الأقلية وعن ممثليهم وحرمانهم من حق أساسي من حقوق المواطنة في دولة تعرِّف نفسها بأنها دولة ديمقراطية وهو حق الترشح والترشيح. وقد جاءت قرارات محكمة العدل العليا التي توجه إليها الأعضاء والهيئات التي تعرضت للشطب داعمة -على الأغلب- لهذا الحق الأساسي، ففي القرار الصادر في التاسع من يناير/ كانون الثاني 2003 تم تثبيت عدم أهلية موفاز وفيجلين، في حين أبطل شطب حزب التجمع الوطني الديمقراطي وعضوي الكنيست بشارة والطيبي وكذلك المرشح اليميني مارزل.

ويمكن تلخيص النتائج المباشرة وانعكاساتها المحتملة لهذا القرار على الوجه التالي:

  1. رفض محاولات نزع الشرعية عن أبناء الأقلية العربية وممثليها، تلك المحاولات التي بدأت مؤخرا بالتسلل إلى بعض المنصات الشرعية في وسائل الإعلام وبين أعضاء البرلمان. وعليه فإنه بالإمكان الافتراض أن رفض شطب النواب العرب سيكون له بالغ الأثر في تصميم شكل العلاقة المستقبلية بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية، خاصة حق الأقلية بالتعبير عن آرائها والسعي للمساواة التامة في المواطنة مع الإبقاء والمحافظة على تميزها القومي والحضاري. وحدوث ذلك مقرون على الأغلب بمشاركة قصوى من جانب الناخبين العرب في الانتخابات وإدخالهم لأكبر عدد ممكن لأعضاء البرلمان الذين سيسعون حتما لتمثيل المطالب الأساسية للجماهير التي بعثتهم وعلى رأسها المساواة والمواطنة التامة، علما بأن مقاطعة الانتخابات أو مشاركة جزئية فيها من قبل المواطنين العرب سيعمل بشكل عكسي وجدلي لصالح اليمين المتطرف الساعي دوما لنزع شرعية الجماهير العربية والتضييق عليها بقصد تمرير عملية "الترحيل المتفق عليه" التي يدعون لها في طروحاتهم ودعاياتهم الانتخابية.
  2. تقوية وتثبيت معسكر اليسار وتضييق الفارق بينه وبين معسكر اليمين بشكل يبلور ويصمم أكثر نقاط الخلاف بينهما ويجعل الانتخابات اقتراعا على مشروعين من شأنهما تشكيل وجه المنطقة مستقبلا، أولهما مشروع شارون الذي تحركه نشوة القوة والتعصب القومي ومحاولة حسم الصراع مع الفلسطينيين بالقوة قبل أي مفاوضات معهم. وثانيهما مشروع متسناع القائل بالعودة للمفاوضات مع الفلسطينيين مع الاقتناع بعدم إمكانية حل النزاع معهم بالقوة، وتقديم بعض التنازلات لإقناع الفلسطينيين بجدوى إيقاف الانتفاضة والعودة إلى طاولة المفاوضات، علما بأنه من الظاهر أن متسناع لم يفلح بعد بإقناع صقور حزبه وجناح الصقور في مصممي الرأي العام الإسرائيلي بهذا التوجه، وقد يكون ذلك هو السبب في عدم الارتفاع الملموس في شعبية الحزب إزاء تدهور وتقلص شعبية منافسة حزب الليكود، إن الفضائح حول الفساد السياسي في الليكود يمكن أن تساعد متسناع إلى حد كبير، هذا إذا نجح بإقناع شريحة واسعة من الشعب الإسرائيلي مالت في السنتين الأخيرتين نحو اليمين وأخذت تعتقد تحت تأثير الأحداث الدامية مع الفلسطينيين والدعاوى الديماغوجية من قبل زعماء اليمين باستحالة الحل السلمي مع الفلسطينيين، بالعودة إلى القناعات المبنية على ضرورة التنازل من أجل التعايش. وإن هذا التعايش مع الطرف الآخر (الفلسطينيين) لن يتم بإلغاء الآخر وحقه بتجسيد سيادته الوطنية بل العمل من أجل الحياة إلى جانبه وتطوير إمكانيات التعاون المثمر معه. ومن الجدير ذكره أن خلفية متسناع العسكرية–الأمنية ستساعده، إن بذل المزيد من الجهود، في تحقيق ما حققه سلفه الأسبق إسحق رابين في انتخابات عام 1992 حين أقنع شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي بعدم جدوى التوجه اليميني الذي مثله آنذاك إسحق شامير. صحيح أن رواسب السنتين الأخيرتين ستشكل عائقا كبيرا، لكن اقتحام العوائق الصعبة هو الامتحان الذي يوضع فيه الزعماء على المحك، وفيه تمتحن قدراتهم على القيادة والتغيير.
  3. إن شطب موفاز والطعن في أهليته للاشتراك في الحياة النيابية قبل إنهائه للفترة القانونية اللازمة للفصل بين نشاطه العسكري والحياة النيابية سيشكل حتما مؤشرا مستقبليا واضحا سيحدد سلوك ضباط الجيش الإسرائيلي الكبار، الذين درجوا بعد إنهائهم لخدمتهم العسكرية على الانخراط السريع في الحياة السياسية والمدنية وتبوء أماكن مرموقة ومؤثرة اعتمادا على سمعتهم العسكرية، إذ إن بعض المحللين السياسيين في إسرائيل يشيرون إلى هذا التصرف على أنه بمثابة "كعب أخيل" في التركيبة السياسية الإسرائيلية، فمن الواضح أنه ليس من الضروري أن يكون الضابط الناجح ذو الأوسمة والنياشين (كما كان إيهود باراك على سبيل المثال) سياسيا ناجحا، بل إن رواسب علاقاته مع المؤسسة السياسية أثناء أدائه مهامه العسكرية قد تلقي بظلالها على أدائه السياسي. وقد وجد كبار رجال القضاء الإسرائيلي قضية موفاز فرصة مواتية لقول كلمتهم في هذا المجال، وقد يكون ذلك هو التفسير الممكن لاجتماع جميع أعضاء المحكمة العليا (11 قاضيا) على شطبه.

نتائج الانتخابات المحتملة وانعكاساتها


أكثر البدائل واقعية هو قيام حكومة وحدة وطنية يجتمع فيها الحزبان الكبيران (العمل والليكود) على أن يكون حزب شينوي عراب تلك الوحدة

لن نكون مجانبين للحقيقة إذا قلنا إن الانتخابات الإسرائيلية القريبة سيكون لها بالغ التأثير على الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني المحتدم وعلى إمكانيات حله أو تهدئة حدته التي تجاوزت حدودا وخطوطا حمراء كثيرة في السنتين الأخيرتين، إذ إن كل متمعن لسلوك الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي في السنتين الأخيرتين يعرف أن الخروج من المأزق الحالي هو الحل السلمي مع الفلسطينيين الذي سيكفل مع الوقت انفراجا اقتصاديا يخرج المجتمع الإسرائيلي من مأزقه الاقتصادي ويبعده عن مزالق الانحدار في طريق التضخم المالي والبطالة وانخفاض مستوى المعيشة. كل الأطراف المشاركة في هذه الانتخابات تعرف هذه المعادلة جيدا لكنها تتفاوت في درجة استيعابها أو استيعاب ضرورة العمل حسبها أو كيفية التخلص من أحد طرفيها (الحل مع الفلسطينيين) ومحاولة تطبيق الطرف الثاني (الشق الاقتصادي) كما تعتقد بعض أجنحة اليمين، بيد أن كل ذي لب مفكر يعرف أن فصل الأمرين هو أمر غير ممكن وأن علاقة التناسب الطردي بينهما هي علاقة يجب أخذها بالاعتبار.

وإذا أخذنا بالاعتبار أن استطلاعات الرأي الأخيرة هي إشارة شبه مؤكدة على النتائج (بشرط ألا يحصل تطور دراماتيكي غير متوقع يكون من شأنه قلب الأمور رأسا على عقب) فإن معسكري اليمين واليسار سيكونان شبه متعادلين وأغلب الظن ألا يكون بمقدور أحدهما إنشاء حكومة على قاعدة برلمانية ضيقة دون التنازل عن بعض طروحاته المعروضة في الدعاية الانتخابية أو الجمع بين الخصوم والمتناقضات. وعليه فإن أكثر البدائل واقعية هو قيام حكومة وحدة وطنية يجتمع فيها الحزبان الكبيران (العمل والليكود) على أن يكون حزب شينوي عراب تلك الوحدة، مع إمكانية ضم أحزاب صغيرة أخرى لهذا الائتلاف الذي من المتوقع أن يستبعد منه حزب شاس الديني المتزمت المرفوض جملة وتفصيلا من قبل شينوي الذي تشير جميع استطلاعات الرأي إلى إمكانية حصوله على 15 مقعدا ونيِّف بشكل يجعل منه القوة السياسية الثالثة دون منازع، إن ائتلاف كهذا يعتمد على قاعدة ثابتة سيغلب عليه أساسا الطابع العلماني وسيكون متحررا -على الأغلب- من القيود التي تفرضها عادة الأحزاب المتدينة (التي ستفقد كما يبدو بعضا من قوتها ولن يزيد تمثيلها مجتمعة عن عشرين مقعدا).

أما في ما يتعلق بطروحات هذا الائتلاف السياسية فإن هذا سيكون مقرونا بشخص رئيس هذه الحكومة الذي سيدير دفة قيادتها، فلو قام رئيس الليكود أرييل شارون بتشكيل هذه الحكومة فإن مواقف الحكومة ستكون أكثر تصلبا، وإن إمكانيات الحل مع الفلسطينيين ستكون شبه معدومة، بل إن الحال ستكون أقرب إلى الحال التي سادت أثناء فترة حكم حكومة الوحدة الأخيرة برئاسة شارون.

إما إذا قام متسناع بتشكيل هذه الحكومة فإن الأمر سيختلف قليلا، بل قد يؤدي إلى العودة للمفاوضات وعلى الأغلب لن تؤدي هذه المفاوضات إلى تحول جذري في الوضع الحالي، بل أقصى ما يمكن توقعه هو تحسينات تجميلية على الموقف الإسرائيلي الحالي. وخلاصة القول أن حكومة كهذه لو شكلت لن تخرج إسرائيل من مأزقها السياسي والاقتصادي ولن تقود المنطقة على طريق جديدة من الانفراج. وعليه فإن عمر حكومة كهذه لن يكون طويلا وستجد إسرائيل نفسها بعد مدة قصيرة على أعتاب انتخابات جديدة.

بالإضافة لإمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية هناك سيناريوهات أخرى لائتلافات يمكن أن تحدث بسبب رواسب قد تحدثها الحملة الحالية والاتهامات المتبادلة بين الحزبين الكبيرين ويكون من شأنها منع قيام ائتلاف بينهما. أهم هذه السيناريوهات:

  1. حكومة يمينية ضيقة:
    يرأسها الليكود وباشتراك أحزاب اليمين والمتدينين تعتمد على قاعدة برلمانية تقارب الـ65-70 عضوا، هذه الحكومة ستكون شبيهة جدا بالحكومة الانتقالية الأخيرة التي أنشأها شارون حين أعلن عن تبكير الانتخابات في ديسمبر/ كانون الأول الأخير. خطوط هذه الحكومة لن تحيد عن خطوط الحكومة الانتقالية، بل من الممكن أن تزداد انحرافا نحو اليمين إرضاء لنتنياهو وليبرمان زعيم الاتحاد الوطني. وعليه فإن إمكانيات إحداثها تغييرا في المجالين السياسي والاقتصادي ضئيلة جدا. علما بأنها ستحاول التغطية على عدم التقدم بهذين المجالين بمحاولة الإجابة على بعض الشروخ الاجتماعية في المجتمع الإسرائيلي كالشرخ بين الشرقيين والغربيين على سبيل المثال محاولة بذلك تحسين وضع أبناء الطبقات المسحوقة من اليهود الشرقيين والمهاجرين الروس والإثيوبيين.
  2. حكومة يسارية بدعم من الوسط:
    هذا الائتلاف يمكن أن يضم حزب العمل وميرتس و"شينوي" و"عام أحاد" العمالي مع الاعتماد على الأحزاب العربية كجسم مانع (كما حصل على سبيل المثال مع حكومة رابين التي شكلها على إثر انتخابات 1992). هذا الائتلاف سيعتمد على قاعدة برلمانية ضيقة وهشة (من 61-63 عضوا برلمانيا) هذا بالإضافة إلى تعرضها للطعن بشرعيتها من قبل مصممي الرأي العام الإسرائيلي وأحزاب اليمين بسبب اعتمادها على الأحزاب العربية كجسم مانع، وعليه فإن إمكانيات حدوثها قليلة جدا، علما بأنها الحكومة الوحيدة (على الرغم من ضآلة قاعدتها) التي باستطاعتها أن تحدث تغييرا جذريا بالموقف الإسرائيلي وبشكل الصراع مع الفلسطينيين الشيء الذي من شأنه أن ينعكس إيجابيا على مناحي الحياة المختلفة الأخرى.
  3. حكومة يمينية – علمانية:
    يشكلها الليكود وأحزاب اليمين مع شينوي وحزب المهاجرين الروس، هذا الائتلاف سيعتمد على قاعدة برلمانية ضيقة (من 62-63 مقعدا) وميزته أنه سيكون متحررا من إملاءات الأحزاب الدينية. علما بأنه قد تطرأ تغييرات طفيفة على الخطوط السياسية العامة لهذا الائتلاف نحو إيجاد معادلة للعودة للمفاوضات، وذلك بتأثير من حزب "شينوي"، لكن إمكانيات نجاح هذا التوجه ضئيلة للغاية. وذلك لأن حزب "شينوي" نفسه الذي من المفروض أن يكون بمثابة المادة اللاصقة المجمعة لهذا الائتلاف أعلن أنه لا يفضل حكومة كهذه.
  4. حكومة برئاسة حزب العمل:
    يشترك فيها بالإضافة له الأحزاب الدينية وحزب "ميرتس وأحاد وأحزاب المهاجرين الروس وحزب "عام أحاد". هذا الائتلاف سيعتمد على قاعدة ضيقة (من 62-65)، ومن الممكن أن يعتمد على الأحزاب العربية كجسم مانع. وعلى الرغم من أنه سيعاني التناقضات الكثيرة بين أحزاب المتدينين وحزب "ميرتس" اليساري العلماني فإن إمكانيات إحداثه لتغييرات جذرية في السياسة الإسرائيلية أمر مأخوذ في الحسبان.

آفاق الانتخابات المقبلة ومسيرة السلام


لن تشكل الانتخابات القادمة نقطة تحول جذرية في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، بل إن أقصى ما يمكن حدوثه هو تحقيق بعض الهدوء الذي يمكن أن يقود للعودة إلى طاولة المفاوضات

مما تقدم أعلاه يمكننا القول إنه في ظل النتائج المتوقعة للانتخابات الإسرائيلية المقبلة فإن أكثر الإمكانيات الواردة لتشكيل الحكومة هي إمكانية حكومة الوحدة الوطنية بين الحزبين الكبيرين والأحزاب الأخرى السابحة في فلكها أو الواقعة في منتصف الطريق السياسي–الإيديولوجي بينهما. إمكانية كهذه لا تحمل الكثير من البشائر بالنسبة لحل قريب للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني أو حتى انفراج يمكن أن يوقف تدهور هذا الصراع إلى وضع أسوأ. هذا إذا لم تعمل جهات خارجية على تغيير هذا الوضع كتغيير في السياسة الأميركية مثلا وسعي من الولايات المتحدة للعب دور أكثر توازنا من الدور الحالي، أو حدوث تغييرات جيو- سياسية في خارطة المنطقة بعد حرب العراق المحتملة.

وعلى هوامش لعبة الأحزاب الكبار تقف الأحزاب التي تمثل قطاعات وأقليات اجتماعية وقومية كالأحزاب العربية وأحزاب المهاجرين... إلخ، وفي ظل الوضع المتعادل بين المعسكرين الكبيرين فإن وزن هذه الأحزاب سيرتفع حتما إن كان ذلك داخل الائتلاف أو في المعارضة المكافحة لنيل حقوق هذه القطاعات والأقليات أو على الأقل عرض شؤونها على منصة البرلمان وإدراجها من خلال ذلك على أجندة أي حكومة ستقام.

هذه العبرة يجب أن تقودنا إلى خلاصة مفادها أن الانتخابات القادمة لن تشكل نقطة تحول جذرية في ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وأن أقصى ما يمكن حدوثه هو تحقيق بعض الهدوء الذي يمكن أن يقود للعودة إلى طاولة المفاوضات، أما بالنسبة للجبهة الداخلية فإن إلغاء طريقة الانتخابات المباشرة لمنصب رئيس الحكومة والعودة إلى الطريقة القديمة (التي تقتضي تكليف رئيس الحزب الأكبر وصاحب الحظوظ الأكثر بتشكيل الحكومة) رفعت مجددا من شأن الأحزاب الصغيرة ومن بينها الأحزاب العربية، إن هذه الحقيقة يجب أن تشكل دافعا لجماهير هذه الأحزاب للمشاركة القصوى في الانتخابات، وذلك لضمان عرض مطالبها وشؤونها والعمل على تجسيد مصالحها وطموحاتها.
_______________
* أستاذ ودكتور بجامعة تل أبيب ومحاضر في التاريخ والإعلام.