جمال مبارك
بدأ صعوده السياسي يظهر بوضوح منذ المؤتمر العام الأول للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في سبتمبر 2002، الذي طرح شعار "فكر جديد" تعبيرا عن التوجهات الإصلاحية التي يقودها جمال مبارك. واتخذ هذا المنحى سبيلا جادا بإنشاء ما يسمى لجنة السياسات التي يرأسها جمال مبارك إلى جانب عضويته في هيئة مكتب الأمانة العامة للحزب الوطنى. وتضم اللجنة مجموعة من النخب الفكرية والثقافية المصرية، وبدت للكثيرين بمثابة دينامو الحزب الحاكم في رسم الخطوط العريضة للسياسات العامة. وارتبط ظهور اللجنة بأحاديث متفرقة من قبل بعض قوى المعارضة ذهبت إلى حد تهيئة المسرح لصعود نجل الرئيس مبارك السياسي لخلافة والده في السلطة.
 
وقد أثار هذا الأمر الارتياح لدى البعض والغضب لدى البعض الآخر داخل الحزب الوطني نفسه. وظهرت تجليات متعددة تؤكد أن هناك صراعا خفيا بين طرفين في الحزب. أحدهما يقوده جمال مبارك ومعه عدد من الرموز الشبابية النشطة في المجالين السياسي والاقتصادي وأطلق عليهم "الحرس الجديد" وأخذت مكانا بارزا في الحكومة. والآخر وصف بـ "الحرس القديم" وأبرز رموزه صفوت الشريف وكمال الشاذلي. وبدأت معالم الخلاف التي وصلت إلى حد التضارب تتكشف في بعض التقديرات السياسية.
 
لكن أكثر من مرة أشار جمال مبارك إلى ضرورة أن يغير الحزب الوطني من ممارساته بما "يواكب العصر" في إشارة إلى أهمية التجديد في مفاصل الحزب الحاكم. وحذر من عدم قدرة مصر على مواجهة التحديات الصعبة، ما لم تنجح في تطوير المؤسسات السياسية والاقتصادية الراهنة وإقناع المواطنين بممارسة حقوق المواطنة وتعميق المشاركة في اتخاذ القرار.
 
ومع أن هذا الخلاف بدأ يتسرب إلى بعض وسائل الإعلام، فإن جمال كان حريصا على ربط تصوراته بسياق الإصلاح العام، محاولا الابتعاد عن تقويم الأشخاص في الحزب، رغبة في الحفاظ على وحدته. ولجأ للتغيير عبر أداتين:
 
الأولى: فتح الطريق للشباب للتفاعل مع الحزب وأشرف على جمعية "شباب المستقبل" التي تمركزت مهمتها في خلق جيل جديد على دراية كبيرة بتطورات العصر ومفرداته السياسية والاقتصادية، وحاولت صحيفة "المستقبل" الكشف عن أبعاد هذا الدور.
والثانية: تركيز الأضواء على توجهاته الإصلاحية بصورة عملية وحواراته الفكرية النظرية لخلق انطباع يعزز حظوظه السياسية في الشارع المصرى.
 
ورغم دوره الواضح داخل الحزب الوطني وخارجه، لاسيما في الشق الاقتصادي، فإنه لم يتبوأ مناصب رسمية إلى جانب مهماته الحزبية.
 
المهم أن صعوده المفاجئ وانتشاره المتدرج أثار تحفظات بعض قوى المعارضة، حيث نظرت إليه باعتباره محاولة لخلق أمر واقع لخلافة والده، خاصة في ظل ما بدا وكأنه تعمد في تهميش الشخصيات المنافسة لإفساح الطريق أمامه، وشاعت استنتاجات قالت إن هناك تصورات يجري إعدادها لجس النبض في هذه المسألة. وقادت صحيفة العربى الناطقة بلسان الحزب الناصري حملة مكثفة في هذا الاتجاه، كرست في مضمونها رفض ما وصف  بـ "التوريث" ولفتت الانتباه إلى عدم استبعاد هذا السيناريو، وانطوى كلامها على انتقادات حادة، لكن جمال مبارك والحكومة استفادا منها في التدليل على الوجه الديمقراطي لسياسات النظام المصري.
 
وجرت تطورات كثيرة دون أن يعلن جمال مبارك أنه سيكون مرشحا لمنصب رئيس الجمهورية، واكتفي في البداية بعبارات مطاطية تنفي هذا الاحتمال، لكن ثمة إشارات مختلفة استشعرت منها بعض قوى المعارضة الرغبة في تسويق هذا السيناريو، خاصة أن الصعود السياسي والانتشار الإعلامي ارتبطا باقتراب مدة نهاية الولاية الرابعة للرئيس مبارك، واتساع نطاق محاولات التجديد والإحلال في الحزب الوطني بمعرفة جمال مبارك.
 
وفي هذا السياق بدأت خطواته تتزايد في مجال تعزيز الإصلاح، لكنه نفى وجود نية لإجراء تعديل في الدستور قريبا (قبل أسابيع من إعلان الرئيس). وبعد ذلك اعتبر خطوة تعديل المادة (76) بمثابة خطوة متقدمة على طريق الإصلاح السياسى. وفي الوقت الذى نفى فيه صراحة أن يكون ضمن المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، أشار إلى أن الرئيس مبارك "لم يتخذ قراره بعد" بترشيح نفسه، وأنه سيتخذ قراره في هذا الشأن عندما يحين الوقت المناسب.