*بقلم/ حمزة الحسن

هناك جملة من الأسئلة تواجه الأقليات في العالم عامة، مثل موضوع الهوية والارتباط بالخارج والموقف من السلطة السياسية القائمة واتجاهات الولاءات إن كانت للداخل أم للخارج، للفكر أم للسياسة.. إلخ. ولطالما واجهت هذه الأسئلة المواطنين الشيعة في المملكة، فهل ولاؤهم للمذهب قبل الوطن؟ وهل ولاؤهم للخارج الديني يؤثر في ولائهم السياسي الوطني؟ وهل هم عملاء وطابور خامس لليهود والأميركيين حسبما تشير بعض الأدبيات السلفية المتداولة داخل المملكة؟

حمزة الحسن

انتماءات شيعة السعودية
تواجه المواطنين السعوديين عامة مجموعة من الأسئلة عن الانتماءات والولاءات غير المحسومة والمتفاعلة مع بعضها بعضا أو المؤثرة في بعضها بعضا. فهناك الانتماء المناطقي مقابل الانتماء للدولة بحدودها المعروفة، وهناك الانتماء الوطني مقابل الانتماء الديني/المذهبي، وهناك الولاء للنظام السياسي مقابل الولاء للوطن وليس متساوقاً معه، وغير ذلك.

إن موضوعات الانتماء والولاء والهوية غير واضحة المعالم لدى المواطن السعودي، وقد انعكس ذلك على علاقته بالدولة وعلى أولوياته السياسية والدينية.

بالنسبة للمواطنين الشيعة، فإن علاقتهم بالسلطة السياسية لم تكن في يوم من الأيام حسنة، فقد كانت تتدرج بين السيئ والأسوأ، حسب طبيعة المعاملة التي يتلقونها من العائلة المالكة، وحسب قوّة وتأثير السلطة الدينية الرسمية في القرار الحكومي. ونظراً للأزمة الهيكلية الناشئة من حقيقة أن الدولة قامت على أسس "الحرب الدينية" بين المسلمين (أتباع المذهب الرسمي) والكفار (ما عداهم).. ونظراً لحقيقة سيطرة مذهب "أقليّة" على القرار الديني المتفاعل مع القرار السياسي، واعتماد نفس المنهج القديم في الحروب وإن بصور مختلفة عما كان قبل قيام الدولة، بقيت العلاقة بين الدولة والسلطة السياسية متأزمة لم تحل منذ سيطرة الملك عبد العزيز على المناطق الشيعية عام 1913. وأدّى الدور الكبير الذي منح لعلماء المؤسسة الدينية الرسمية إلى إضعاف الزعامة الدينية المحلية الشيعية وغيرها -كما في الحجاز- لحساب الخارج الديني المتماثل مع الداخل.

شيعة السعودية وإيران


فشلت السعودية في خلق مؤسسة دينية جامعة لكل المذاهب الدينية في المملكة وإشراكها في صناعة القرار الديني
إن أحد أوجه علاقة الشيعة مع الخارج تصنّف ضمن البعد الديني والثقافي، وهذا أمر مقبول ومتعارف عليه بين كل الجماعات الدينية بما فيها المملكة نفسها. فهناك جماعات سلفية في كل أنحاء الدنيا تستقي من علماء المؤسسة الدينية الرسمية مرجعيتها ورسالتها وعنوانها ونشاطها ودعمها المادي والمعنوي. وبالنسبة للشيعة في المملكة، كان العراق من الناحية التاريخية -وقبل قيام الدولة السعودية الحديثة- مركزاً علمياً يستقطب أبناءهم للدراسة الدينية. فالعراق هو مركز التشيع "العربي" وحاضرته الأساس، وبغيابه -بسبب ظروف القمع السياسي والطائفي في العراق في فترة حكم البعث- توجهت الأنظار إلى إيران التي انتصرت فيها الثورة للتوّ، مما أعطى الارتباط الديني العبادي الصرف ملامح سياسية واضحة، خاصة وأن الإمام الخميني ولأول مرة في تاريخ الشيعة الحديث كان مرجعاً دينياً وسياسياًً في آن واحد، وكانت إيران والمملكة تعيشان صراعاً حادّاً بشأن مسائل عديدة، أدّى في أحد جوانبه إلى استهداف شيعة المملكة في الداخل من قبل السلطة السياسية والمؤسسة الدينية الرسمية.

لا شك في أن انتصار الثورة في إيران، وبقيادة رجال دين، أعطى دفعة معنوية لشيعة المملكة، وضمن هذه الحدود كان الأمر مقبولاً وطبيعياً، فالتموجات السياسية تؤدي إلى انعكاسات محلية ليس فقط على فئة محددة من السكان بل على مجمل البلدان والشعوب المجاورة، ويكون تأثيرها بحجم الخلل الداخلي القائم. وإن القول بأن أزمة الشيعة في المملكة بدأت منذ انتصار الثورة في إيران خاطئ من زوايا عديدة، أولها أن المشكلة بين الشيعة والسلطة السياسية ابتدأت منذ قيام السلطة السياسية السعودية بسبب التمييز الطائفي الشديد. ومن جهة ثانية فإن تحسّن العلاقات الإيرانية السعودية والذي شهدنا فصوله في السنوات الماضية لم يغيّر من واقع الحال. ولذا يجب أن ينظر إلى المشكل في بعده المحلّي قبل التفكير في إلقاء اللوم على الآخرين خارج الحدود. كما يجب التفريق بشيء من الحذر بين الولاء الديني والمرجعي وبين الانتماء والولاء السياسي في ظرف نعلم فيه أن المؤسسة الدينية الرسمية لا تمثل إلا قطاعاً محدوداً من السكان السعوديين، وأن الحكومة السعودية فشلت في خلق مؤسسة دينية جامعة لكل المذاهب الدينية في المملكة وإشراكها في صناعة القرار الديني، كما فشلت في مأسسة العمل الديني غير السلفي (أو لنقل من باب التعريف: غير الوهابي) ولم تقبل بتشكيل مؤسسة دينية شيعية داخل المملكة تكون مرجعاً للشيعة السعوديين ووسيطاً بينهم وبين السلطة السياسية، بحيث ينخفض الشعور بالحاجة إلى التوجيه الديني الخارجي بالنسبة للمواطنين الشيعة، وبالشكل الذي يجدون فيه أقنية محددة وفاعلة تحلّ مشاكلهم اليومية.

الديني والسياسي


مواقف مراجع الدين الشيعة تتأثر بشكل كبير بالموقف الرسمي السياسي السعودي تجاه المذهب الشيعي السلبي، وبموقف المؤسسة الدينية الرسمية وفتاواها الحادة
إن الحذر في الفصل بين الموضوعين الديني/ الثقافي والسياسي مطلوب، ولكنه في حقيقة الأمر ليس قطعياً. ففي كل مكان في العالم يتداخل الولاء الديني بالسياسي كما هو حاصل في المملكة نفسها، إذ يعتقد المسؤولون السعوديون أن الولاء الديني للمذهب الرسمي شرط أساسي لولاء سياسي صادق لهم كنظام حكم، وهناك عدم تفريق بين الولاء للنظام السياسي وبين الولاء للدولة نفسها. هذا الاعتقاد أدّى إلى النظر إلى غير "السلفي" بعين الشك والريبة، وترتب عليه إرساء قواعد سياسة التمييز الطائفي التي شملت الشيعة وغيرهم من المواطنين في الوظائف والخدمات وتسلم المواقع الحكومية. والتداخل ذاته يمكن أن نجده لدى بعض المواطنين الشيعة، فاتباع مرجع ديني معيّن، سواء كان في إيران أو في العراق أو حتى في لبنان، ينعكس على الموقف السياسي للأفراد أو "المقلدين" تجاه كل القضايا السياسية المطروحة على الساحة العربية والإسلامية بما فيها الموقف من نظام الحكم في المملكة نفسه.

وبديهي أن معظم المراجع الدينيين وإن كانوا لا يعيرون اهتماماً للشأن السياسي وإعطاء مواقف سياسية من الأحداث، فإنهم يجبرون على توضيح مواقفهم بسبب الظروف المفروضة عليهم، وبسبب إلحاح "المقلدين" على استماع وجهات نظرهم. وبديهي أيضاً أن مواقف المراجع الدينيين أنّى كانوا يتأثر بشكل كبير بالموقف الرسمي السياسي السعودي تجاه المذهب الشيعي السلبي من جهة، كما يتأثر بموقف المؤسسة الدينية الرسمية وفتاواها الشديدة الحدّة للشيعة كأتباع مذهب منتشر في كل أنحاء العالم، أو كأقلية دينية في المملكة نفسها.

إن حدّة الاستقطاب الديني والسياسي في المجتمع الشيعي السعودي محكومة بعوامل محليّة وتحديداً بعلاقة الدولة بذلك المجتمع وقدرتها على استيعابه ضمن أطرها ومؤسساتها السياسية والدينية والاقتصادية والإعلامية والوظيفية وغيرها. وفي ظل الاستمرار في سياسة التمييز على أسس مذهبية، فإن الخارج الشيعي سواء أكان في إيران أم في العراق أم في لبنان والبحرين سيلعب دوراً في بلورة الشخصية الشيعية السعودية سيكولوجياً وسياسياً ودينياً، فحين يغيب التأطير المحلّي ضمن البوتقة الوطنية، تتوجه الأنظار إلى الخارج استجلاباً للمعنويات والأفكار والمواقف تعويضاً عن النقص وتعبيراً عن المعاناة الإنسانية التي لم تجد لها حلاً في محيطها الطبيعي.

في موضوع العلاقات السياسية المحضة بين الشيعة والخارج، ينبغي التأكيد أن الشيعة كغيرهم من الكتل البشرية في هذا العالم يتأثرون بما يجري حولهم ويجري عليهم كبقية المواطنين السعوديين. ونظراً لتوتّر علاقتهم بالسلطة أصبحت مناطق الشيعة أرضاً خصبة لكل الأفكار والتوجهات السياسية من شيوعية وبعثية وقومية ناصرية وإسلامية أيضاً، وقد كان الشيعة عصب معظم التنظيمات السياسية -غير الدينية- التي نشأت في المملكة مثل الحزب الشيوعي السعودي واتحاد شعب الجزيرة وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب العمل الاشتراكي وغيرها. هذه الأحزاب شكّلت مخارج طوارئ للتنفيس عن حالة الاحتقان الداخلي أملاً في تغيير سياسي داخلي راديكالي أو سلمي يفضي إلى مساواتهم ببقية السكان وفتح الآفاق أمام التعبير عن الهوية الثقافية الذاتية ضمن الإطار الوطني الجمعي لمجتمع المملكة العربية السعودية.


تتحدث أدبيات السلفية الراديكالية عن القوس الرافضي الممتد من أفغانستان حتى لبنان، ويشمل شيعة المملكة ودول الخليج
شيعة السعودية وقوس الرفض
ولكن الصورة التي يحاول رسمها التيار الراديكالي الديني السلفي تختلف عن هذه، فهو يرى أن الشيعة في مواقعهم ولقربهم من حقول النفط التي استضافت موجات هائلة من العمالة الأجنبية وبالخصوص الأميركية رتبوا علاقات "تآمر" خاصة مع الأميركيين بغرض فصل المنطقة الشرقية عن المملكة والاستحواذ على خيراتها. كما تحدثت أدبياتهم عما سمّي بـ"القوس الرافضي" الممتد من أفغانستان حتى لبنان مروراً بإيران والعراق وتركيا وسوريا بما يشمل شيعة المملكة ودول الخليج أيضاً.

لقد اتخذت الصورة العامة لدى ذلك التيار تجاه المواطنين الشيعة صفة التوجّس والحذر والخشية والاتهام والريبة من الحركة السياسية المعارضة في المنطقة الشرقية، ولم ينظر إليها إلا كحلقة ضمن صراع كوني يقسم العالم إلى مسلمين وكفار حيث ينضوي الشيعة ضمن هذه الخانة الأخيرة.

وقد طفحت هذه الرؤية أكثر بعد أن تكاثر الحديث عن موضوع "تقسيم المملكة" في الإعلام الخارجي الغربي، وتكوين دولة شيعية في الشرق وأخرى حجازية في الغرب، وثالثة في نجد. فما هي حقيقة العلاقات السياسية للقوى الشيعية بالخارج، وإلى أي حدّ هي تشكل خروجاً عن المألوف بالنسبة لأي حركات ومنظمات سياسية عاملة على الساحة العربية؟

نظراً لضيق هامش الحرية في داخل المملكة، وتقلّص سقف مخاطبة السلطات السياسية لحلّ مشكلة العلاقة بين الطرفين، تشكّلت الحركات الداخلية السياسية وانطلق بعضها للخارج للقيام بحملة إعلامية وسياسية ضد نظام الحكم، أثّرت بصورة ما في سلوكه الداخلي بقدر قليل، خاصة فيما يتعلق بمعاملة السجناء السياسيين الشيعة.

لقد أقام الناشطون السياسيون الشيعة علاقات واسعة في الخارج في محيط العالم العربي، وكذلك في المحيط الغربي، وكانت لهم مراكز نشاط في كل من لندن وواشنطن، تواصلت من خلالها مع الفاعليات الإعلامية والصحفية والسياسية ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث وأعضاء في البرلمانات وغير ذلك. كما أقام الناشطون الشيعة علاقات طيبة مع عدد من الحركات السياسية والحزبية في العالم العربي، في اليمن ولبنان والعراق ودول الخليج لحشد الدعم من أجل التغيير السياسي السلمي الداخلي.


ركز شيعة السعودية على الإصلاح السياسي والبقاء ضمن البوتقة الوطنية رغم الإغراءات الكثيرة التي حاولت بعض الجهات الأميركية الدخول من خلالها لتفتيت الوضع المحلي
العلاقة مع الدول
أما العلاقة مع الدول فقد كان هناك تحفظ عليها من قبل التيار الشيعي السياسي الأقوى والذي كان ممثلاً في "الحركة الإصلاحية" وانحصرت العلاقات مع بعض الدول التي يقيمون فيها في حدود ضيقة تكفل هامشاً من الحركة لأعضائها دون التورّط في مشاريع الأنظمة والدول ذات الأهداف الكبرى. ربما كان هذا النشاط السياسي المتزن واحداً من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالملك فهد في صيف عام 1993 إلى محاولة إعادة حلحلة الموضوع الشيعي في إطاره الداخلي بعد أن أصبح فاقعاً مؤذياً في الخارج، وفعلاً جرى الحوار الرسمي الذي أدّى إلى عودة المئات من المعارضين من الخارج إلى الداخل بعد اللقاء المباشر مع الملك فهد وتقديمه وعداً جازماً بإنهاء سياسة التمييز الطائفي. لكنّ أطرافاً في الحكم، وبالخصوص وزارة الداخلية ممثلة في وزيرها، وكذلك الأمير محمد بن فهد، عارضا الاتفاق من الناحية العملية، وإن أرغموا على القبول به آنياً. ومن الناحية الفعلية تمّ تعطيل كل الوعود والمشاريع المتعلقة بإصلاح وضع المواطنين الشيعة ودمجهم ضمن النسيج العام، وجاء مرض الملك فهد ليقلب الموضوع رأساً على عقب، ولتعود الأمور إلى وضعها السابق، وكذلك عودة بعض المعارضين إلى مواقعهم في الخارج والبدء بالعمل من جديد ولكن وفق رؤية مختلفة تشير إلى حقيقة أن إصلاح وضع المواطنين الشيعة لا يمكن الوصول إليه باتفاقات منفردة بقدر ما يتطلب الوضع إصلاحاً سياسياً عاماً يكون المواطنون الشيعة جزءاً منه.

وحين أثيرت موضوعة تقسيم المملكة، ركّز المواطنون الشيعة على موضوع الإصلاح السياسي والبقاء ضمن البوتقة الوطنية رغم الإغراءات الكثيرة التي حاولت بعض الجهات الأميركية الدخول من خلالها لتفتيت الوضع المحلي. ومع استبعاد موضوع التقسيم حصرت الفعاليات الشيعية نشاطها مع القوى الوطنية الأخرى وساهمت في مشروع رؤية الإصلاح الوطني التي رفعت إلى الأمير عبد الله ولي العهد. لكن إذا ما تعثرت خطوات الإصلاح فإن المملكة قد تنحدر باتجاه التقسيم الفعلي، وهناك أصوات وإن كانت قليلة بين الشيعة والحجازيين تدعو إليه، وقد يتزايد عددهم في المستقبل مع الفشل السياسي المتوقع ضمن الحسابات الحالية، وحينها ستنعكس الأهداف المستجدة على طبيعة العلاقات مع القوى الخارجية الدولية التي بيدها التأثير، وهذا ما يخشى منه حقاً.

أما في الظروف الحالية فإن ما يقال عن تآمر شيعي مع أطراف خارجية ليس له صحّة بتاتاً. وكل النشاط السياسي الشيعي الموجه في الخارج لم يخرج عن أطر الدفع باتجاه الإصلاح السياسي الداخلي السلمي.
ـــــــــــــــ
* باحث وكاتب سعودي