الصراع في جنوب السودان

* بقلم الدكتور رفائيل بادال

أولا: الجغرافيا والبيئة
ثانيا: جذور الصراع
ثالثا: وجهة نظر السودان
رابعا: محاولات اتخاذ القرار
خامسا: توقعات المستقبل

أولا: الجغرافيا والبيئة

جمهورية السودان هي كبرى الدول الأفريقية مساحة، إذ تبلغ حوالي مليوني كيلومتر مربع. وتنفرد الأراضي السودانية بتنوع ملحوظ، فهي تتباين من مناطق صحراوية تماما في أقصى الشمال إلى شجيرات وأراض معشوشبة في الوسط، إلى مراع استوائية ومستنقعات تنتهي إلى غابات استوائية في أقصى الجنوب.

السودان
وهذا التنوع البيئي أفرز أنماطا حرفية واقتصادية واجتماعية متنوعة. لذا يمكن أن ترى في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية في الشمال أصحاب الإبل والماشية يعيشون حياة بدوية، في حين أن سكان الأراضي المعشوشبة في الوسط يمتهن معظمهم الزراعة على نطاق واسع، وغالبا ما يعيش المزارعون أسلوب حياة المقيمين. وباتجاه الجنوب، بين مراعي الأراضي المعشوشبة، تجد رعاة الماشية النيلية والمحاربين الذين يعيشون حياة شبه بدوية في سهول الفيضانات والأراضي المعشوشبة الغنية. أما في منطقة الغابات الاستوائية، جنوب منطقة السدود أو سهول الفيضانات، فإن الزراعة التحويلية هي المهنة الاقتصادية السائدة، حيث تستخدم الوسائل الزراعية المتطورة المدخلة حديثا.

1- الإطار النظري
يمكن وضع الصراع في جنوب السودان داخل الأطر التحليلية النظرية لمركزها ومحيطها الخارجي والأقلية العرقية وواجبات بناء الدولة. وبجمع هذه المصطلحات، فإن التوترات تكون محتومة في أي علاقة بالمركز والمحيط الخارجي الذي تمليه الضرورة الأساسية المركزية لاختراق ودمج المحيط الخارجي أثناء مزج رموزها وهياكلها الثقافية. هذا المزج الهيكلي يتضمن الأحزاب السياسية والمؤسسات والبيروقراطية والمؤسسة العسكرية، في حين أن المزج الثقافي يتعلق باللغة والثقافة والدين. وبالنسبة للسودان، كمعظم الدول الأفريقية بعد الفترة الاستعمارية، فإن عملية المزج هذه تشمل كلا من الهياكل الرمزية الثقافية للمنطقة المركزية. أما الاختراق فإنه يدل ضمنا على الوجود الفعلي لحكومة قومية أو وسطائها في الأماكن التي لم تتواجد فيها تلك الحكومة من قبل. وبالتبادل، فإن الاختراق يستلزم قيام الحكومة المركزية بممارسة سلطتها ونشاطاتها في مواقع أو أراض معينة لم تدرس من قبل على أنها ملائمة أو شرعية. وبعبارة أخرى، فإن الاختراق يستلزم أن يكون للسلطة الإقليمية أو المحلية دور ثانوي في الميدان.


يمارس ممثلو الحكومة القومية (المركزية) الاختراق الإداري لمحيط الحكومة القومية الخارجي (الأطراف) بالاستعانة بسلطة حكومية مركزية في العلاقات المباشرة بين المركز والأطراف، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث أزمات إما في الهوية أو الشرعية أو كلتيهما.
وفي مجال الاختراق الإداري يمارس مواطنو الحكومة القومية الموجودون في المحيط الخارجي سلطة حكومية مركزية في العلاقات المباشرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث أزمات إما في الهوية أو الشرعية أو كلتيهما. فالسلطة المركزية قد تأخذ أي شكل، من إداري التنمية في القرية إلى ساعي البريد، ومن محصل الضرائب إلى الشرطي، ومن الاختصاصي الاجتماعي إلى القاضي المحلي. على أية حال، التأثير واحد، فعمدة القرية قد استبدل به مسؤول ميداني يمثل الحكومة المركزية. وكما أشار أحد المراقبين "شخص غريب تماما، يدعي سلطة قومية مركزية شرعية، يقوم بجباية الضرائب وتجنيد الأفراد وتلقيح الماشية ومنح أو رفض الديون المالية وتعليم الأولاد.. إلخ من خلال قائمة طويلة من النشاطات المباشرة التي تأتي بالحكومة القومية من المركز إلى المحيط الخارجي".

عندما تسعى حكومة مركزية أو قومية سعيا حثيثا لإنشاء سلطة إدارية بهذه الطريقة، أو عندما تحتاج الطلبات إلى استعجال من البيئة المحلية فإن احتمال حدوث أزمة أو توتر اختراقي يصبح موجودا. ووفقا للمصطلح الثقافي، فإن التوترات أو حتى الصراعات تكون محتومة متى حاولت الحكومة المركزية فرض سياسات استيعاب قسرية تهدف إلى التجانس الكامل لمجتمع متعدد الثقافات. فالاختلافات بين المركز والمحيط الخارجي يسهل صوغها في مصطلحي الحداثة والتقليد. ففي مجموع ما كتب عن المعاصرة والتطور السياسي، نجد أن استمرار اقتصاد مخصصات إعاشة الفلاحين في المحيط الخارجي متباين مع النمو الصناعي والمدني لقلب المنطقة، فإن استغلال المحيط الخارجي في التجارة والدعم المالي من قبل عناصر المنطقة المركزية المهيمنة يماثل التدني الموجود في السكان والقوة العاملة في المحيط الخارجي في مقابل تركيز القوة العاملة غير الماهرة في المدن والعاصمة القومية، التي يصف أفرادها بأنهم أناس في المدينة ولكنهم ليسوا منها.

2- تعريف المركز والمحيط الخارجي
تحت هذا العنوان الفرعي، سنحاول الإجابة على السؤال، ما المقصود بمصطلح المركز والمحيط الخارجي؟

ينبني أحد تعريفات المركز والمحيط الخارجي على فكرة المركزية. فقد تكون مركزية اجتماعية، بمعنى القرب من مركز عملية صنع القرار في مجتمع بعينه، فليست السمات المكانية هي المهمة في هذا القرب، بل الاتصال والتفاعل. وهذا يعني أن الأشخاص القريبين من المركز أو القلب يحتلون محيطا أو مركزا اجتماعيا يربطهم ارتباطا طبيعيا بشبكات الاتصال بالمجتمع المشتغل بالأمور السياسية والقرارات الأساسية. على سبيل المثال، غالبا ما يكون الأشخاص أصحاب المراكز الرفيعة قريبين من مركز المجتمع، والأشخاص ذوي المراكز الدنيا عادة ما يكونون في المحيط الخارجي.

هذه الدراسة تقتبس فكرة جون غالتونغ في المركزية، التي تعتمد بدورها على مبدأ المنزلة الاجتماعية. فالمجتمع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
- نواة صنع القرار،
- محاطة بمركز البناء الاجتماعي،
- المحاط أيضا بالمحيط الخارجي، فيما يعرف عموما بالمتمتعين بالسلطات العليا وذوي المراكز الدنيا. وعليه لا يعرف مركز أو قلب غالتونغ وفقا للمراكز الاجتماعية ولكن وفقا لجزء من المجتمع. ورغم تعريفه حسب الأشخاص، فالقصد هو الأشخاص ذوو المراكز الاجتماعية. وهذا المركز له خاصية جغرافية للإحاطة بشيء مازال أكثر مركزية، بمعنى نواة (حكومة) صنع القرار، والنخبة السياسية أو السلطوية التي تشكل المركز، والمحيطات الخارجية هي بقية المجتمع.


ينقسم المجتمع وفق نظرية جون غالتنغ إلى ثلاثة أقسام: نواة صنع القرار، محاطة بمركز البناء الاجتماعي المحاط أيضا بالمحيط الخارجي فيما يعرف عموما بالمتمتعين بالسلطات العليا وذوي المراكز الدنيا. وعليه لا يعرف مركز أو قلب غالتونغ وفقا للمراكز الاجتماعية ولكن وفقا لجزء من المجتمع.
3- توصيف مناطق الصراع
من شأن التوصيف الواضح والملائم لمناطق الصراع المساعدة ليس فقط في تحديد آليات الحل الملائمة، بل أيضا تسهيل مهمة اكتشاف الأسباب الحقيقية للب الصراع. فهناك عصيانان مسلحان مدنيان يعتبران الإشارات التقليدية الدالة لبحثنا هذا. الأول هو: حرب أنانيا (1955-1972)، والآخر حرب حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان، التي اندلعت عام 1983 وماتزال تدور رحاها حتى الآن. فقد بدأ عصيان أنانيا المدني كتحريض لتبني نظام حكومة فدرالية للدولة ككل، ولكن بمنح الجنوب وضع تكوين دولة فدرالية، إلا أنه اتخذ بعد ذلك شكلا انفصاليا متطرفا. وكما كان متوقعا، تفجر الوضع بسبب العناد من جانب النخبة السياسية الشمالية حول قضايا مشاركة السلطة، والهوية القومية، وتوزيع الثروة والموارد الطبيعية. فقد تم التوصل إلى تسوية سياسية مع المركز في فبراير/ مارس 1972، التي سهلتها وساطة اتفاق أديس أبابا، لكن الانهيار الأخير حدث بعد 11 عاما.

يمكن تفسير المرحلة الحالية للحرب على هذا النطاق الواسع كمحصلة لرفض ترتيبات إدارة الصراع الأول، وبلغة الانتشار والشدة والقوة التدميرية، فقد تبين أنها أشرس وأعند وأقسى من الأولى. ومما ساعد على تأجيج الحرب عصيان آخر قامت به كتيبة للقيادة الجنوبية مقرها في "بور"، أعالي النيل، وسرعان ما انتشرت الاضطرابات في المواقع العسكرية القريبة في "بيبور وباتشالا". وإذا كانت حرب أنانيا الأولى قد صورت ببساطة ثورة الاستوائيين، فإن هناك اتجاها بأن حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان يمكن تسميتها بالمقاومة النيلية للسلطة المركزية، على الأقل في مراحلها الأولى. ومع ذلك ففي مرحلة أكثر تأخرا تمكنت الحركة من توسيع قواتها المسلحة بدمج الاستوائيين والعناصر الأخرى من المحيطات الخارجية المحرومة والمهمشة. وهذه القوة الإضافية يمكن أن تفسر لنا المكاسب الكبيرة والسريعة التي أحرزتها قبيل الانشقاق الداخلي للحركة في أغسطس 1991.

ثانياً: جذور الصراع

بعد استقلال السودان عام 1956 برزت عدة مستويات من التناقض بين النخبة الحاكمة على مستوى الحكومة المركزية والمحيط الخارجي وذلك فيما يتعلق بالأسباب الأساسية والثانوية. فبينما كان نشوء معظم العوامل الأساسية متأصلا في التراث الاستعماري، كانت العوامل الثانوية في المقابل متأصلة في السياسات الخاطئة والمضللة التي استنبطتها وطبقتها النخبة السياسية. فقد كانت الأسباب الثانوية انعكاسا لوجهة النظر الرسمية للسودان فيما يتعلق بالجنوب. لكن ظهور وإعادة تنشيط الانقسامات والتناقضات العرقية أو الإقليمية المتأصلة في مجتمع الجنوب نفسه تفسر الكثير من هذا السلوك. وكفرضية مركزية لهذا البحث، فإنه بمجرد اشتعال التناقضات، سواء كانت منفصلة أو مجموعة، ومن ثم تفجر الموقف إلى مواجهة مفتوحة، فإن المتنافرات الثانوية لطبيعة المخططات السياسية تصبح إلى حد كبير القوى الدافعة أو الحاقنة. ومن الجدير بالذكر هنا أن العوامل الثانوية نفسها غالبا ما كانت ذاتية الدعم بالتبادل.

وللمزيد من الإيضاح، يمكن تلخيص الأسباب الأساسية أو الضمنية للصراع في الجنوب إلى أربعة معالم متداخلة:

  • التراث الإداري الاستعماري.
  • المتنافرات الثقافية بين القلب والمحيط الخارجي: العربية والأصولية الإسلامية في مقابل المعتقدات الأفريقية والمسيحية.
  • التصنيف الاجتماعي: الطبقة، المنزلة الاجتماعية والسلطة، ميراث الاستعباد.
  • التفاوت الاقتصادي: عدم التوازن التنموي والاقتصادي الاجتماعي الإقليمي (وفي مرحلة متقدمة صراع على الموارد الاقتصادية الطبيعية: النفط، والماء والأرض).

1- الميراث الإداري
ليس الغرض هنا استعراض التاريخ المعقد للعلاقة الشمالية الجنوبية قبل أو أثناء الحكم الاستعماري. يكفي أن نقدم موجزا لمساهمات النظام المشارك في بناء الهوية الشمالية والجنوبية التي أصبحت مستقطبة إلى حد بعيد.

أولا: لم يُضم جنوب السودان بطريقة فعالة ولم يُدر بإحكام قبل حكم الاستعمار البريطاني.

ثانيا: كان فتح الجنوب محض صدفة أملتها المصلحة الإستراتيجية لبريطانيا في مصر لتأمين المراكز الهامة للنيل الأبيض من القوى الإمبراطورية. وهذا يقتضي صد الغزو البلجيكي والفرنسي القادم من الجنوب والجنوب الغربي.

ولكن بمجرد إخضاعه، مر جنوب السودان بسياسات هيمنة متطرفة للوقوف ضد ما يعتبره الاستعماريون الأعداء التقليديين للجنوب، ولكبح انتشار النفوذ الإسلامي باتجاه الجنوب، تم إعلان سياسة تنمية منفصلة للجنوب. وهذا تضمن فرض إجراءات مقيدة للعرب والعناصر الإسلامية القادمة إلى الجنوب أو المقيمة فيه، وتقنين تحويل ديانة الأفارقة السود الذين يرغبون في الذهاب إلى الشمال؛ أي تشجيع التعليم التبشيري المسيحي في الجنوب، ومنحت اللغة الإنجليزية واللغات الأفريقية القومية مكانة رسمية لاستبعاد اللغة العربية كلية. لقد قصدت الإدارة الاستعمارية عند نقطة ما فصل أراضي الجنوب فعليا وإمكانية ضمها إلى أراضي شرق أفريقيا الخاضعة لها.

ومع ذلك لم تنته هذه السياسية الجنوبية إلى الضم أو الفصل، لكنها انقلبت على عقبها عام 1946. وأخيرا، لم يكن قرار الدمج مع الشمال متسرعا فقط، بل اتخذ بدون احتياطات كافية للمنافسة الاقتصادية والسياسية المحتومة للجنوب في السودان الموحد. وبالنظر للأمر من أي وجه تجد أن هذا التأثير التبايني للسياسة الاستعمارية قد مهد الطريق لصراع إقليمي وعرقي أو عنصري في دولة ما بعد الاستعمار. وكما ذكر من قبل، فقد دعم التطور غير المنتظم للدولة وجود جنسية واحدة على حساب الآخرين. وبإمساك زمام السلطة والتحكم في اقتصاد الدولة، لم تعد النخبة الحاكمة الجديدة ذات الجنسية المهيمنة قادرة على إدارة الأزمة وغير راغبة في النظر في مظالم الذين يعيشون على هامش مركز صناعة القرار.

2- التبشير المسيحي
يعتبر زرع المسيحية في الجنوب في ظل الحكم الاستعماري متغيرا رئيسيا إضافيا. إذ إنه أثناء الهيمنة البريطانية حتى نهاية القرن الماضي، كان من الواضح أن شمال السودان قد تم أسلمته وتعريبه بدرجة كبيرة. ومن ثم ظهرت الحساسية الاستعمارية في الحال نحو المشاعر والعاطفة الدينية الإسلامية بإصدار توجيه إداري لجميع حكام الأقاليم مفاده: يجب مراعاة عدم التدخل في المشاعر الدينية للناس وضرورة احترام الدين الإسلامي. وعلى النقيض، هذا المنع لم ينطبق على الجنوب، فقد كان الشعور السائد أن إنشاء الإرساليات المسيحية في منطقة فاشودا والمدن الجنوبية لم يكن مسموحا فقط، بل كان مرغوبا أيضا. لقد افترضت السياسة الاستعمارية المهيمنة في الجنوب وجود فراغ ثقافي، وإذا كان لابد من ملء هذا الفراغ فليكن بالمسيحية إذن بدلا من الإسلام، اعتقادا بأنها المرشح الأفضل للقيام بالمهمة. وبالنظر إلى مستويات السلطة الاستعمارية الحاكمة، فهذا الوضع يدل ضمنا على تفوق المسيحية على الإسلام: يجب أن نقدم للقبائل الوثنية في السودان شيئا أعلى منزلة من الإسلام.

ومما لا شك فيه أن الإسلام أخذ في الانتشار بسرعة في بعض أجزاء الجنوب وكذلك في المناطق الشمالية التي لم يكن فيها مسلمون. كانت الإدارة الاستعمارية تأمل أن تقوم الإرساليات التبشيرية بتوفير المصل الواقي من الاختراق الإسلامي للجنوب. وبرغم الصعوبات التي واجهت النشاط التبشيري في البداية (الطبي والتعليمي والإنجيلي) كان ينظر إليه كسلاح أكيد وفعال في محاربة التوسع الإسلامي في الجنوب.

وأخذت سياسة الحفاظ على الوضع الديني الراهن في الشمال المسلم بينما يتم تشجيع المسيحية في الجنوب تتبلور في السنوات التالية إلى ما عرف بسياسة الجنوب التي تتلخص في اتخاذ تدابير أكثر صرامة للحد من النفوذ الإسلامي باتجاه الجنوب. لكن الهدف الحقيقي كان التمهيد لصراع مستقبلي.

3- التدرج الاجتماعي
كان الميراث الاستعماري في السودان مسؤولا إلى حد بعيد عن خلق منطقة مركزية مهيمنة، ومحيطات خارجية. لقد تسببت الخطة الاستعمارية لإعادة رسم الحدود الأفريقية، بقطع النظر عن التوزيع العرقي والتركيبة الاجتماعية والثقافية والدينية واللغوية، في خلق مشاكل جمة للسودان (كباقي الدول الأفريقية في فترة ما بعد الاستعمار). وكان أفضل تصور للفصل بين المركز والمحيط الخارجي فيما يتعلق بالمتعارضات العرقية واللغوية والثقافية والدينية هو الفصل بين الشمال والجنوب. فالرموز الثقافية للمركز من الناحية العرقية هي خليط من العناصر العربية والأفريقية المعربة (القيم العربية الأفريقية، والأنماط الحياتية والهوية) والإسلام. وجنوب السودان، مثله كمثل الشمال، ليس كله وحدة ثقافية واحدة. فالتعددية الثقافية التي نشأت نتيجة لولاءات قومية فرعية كانت سائدة في دارفور في الغرب، وجبال النوبة في الوسط والشرق بين شعب البيجا. ومع ذلك، فقد أدت الرمزية العربية للغة والإسلام إلى صهر شمال السودان في بوتقة واحدة.


لم يُضم جنوب السودان بطريقة فعالة ولم يُدر بإحكام قبل حكم الاستعمار البريطاني وكان فتح الجنوب محض صدفة أملتها المصلحة الإستراتيجية لبريطانيا في مصر لتأمين المراكز الهامة للنيل الأبيض من القوى الإمبراطورية

وعلى النقيض، الجنوب خال من أي ثقافة ومنطقة مركزية واحدة. هناك تعددية في التجمعات العرقية الرئيسية والأكثر شهرة من الناحية الأنثروبولوجية هي النيلوتك والدينكا والنوير والتوبوسا واللاتوكا والزاندي والشلك. وكل واحدة من هذه الجنسيات أو التجمعات الثقافية المكتفية ذاتيا والمنعزلة لها لغتها الخاصة ومعتقداتها الدينية المختلفة. لكن الرمزية الثقافية النهائية للجنوب هي تكوين نخب مثقفة وقيادات سياسية. ولا ينبغي لأحد تحت أي زعم أن يعتقد أن العامة في أي دولة متحضرة هم الأوصياء على الثقافة الوطنية أو القيم الأصلية. ففي هذا السياق وكنتيجة تاريخية حتمية ترتبط ثقافة الجنوب السوداني بالمسيحية واللغة الإنجليزية والجنس الأفريقي: النيلي أو السوداني أو غير ذلك. وليس معنى هذا أن العناصر الأفروعربية أو الإسلامية واللغة العربية غائبة تماما في الجنوب. فمن الملاحظ أن هذه التراكيب الثقافية تحتل مكانة دنيا وليس لها الصدارة في الجنوب على أية حال.

4- التباين الاقتصادي والاجتماعي الإقليمي
يعزى التباين الاقتصادي لعدم التوازن العرقي والإقليمي بين المنطقة المركزية المسيطرة من ناحية، والمحيطات الخارجية من ناحية أخرى.

ففي المنطقة المركزية على سبيل المثال أنشئت السكك الحديدية بالتزامن مع البنى الأساسية الأخرى كالمؤسسات التعليمية وشبكات الاتصالات ومشاريع التنمية الحيوية. أما في المقابل فقد كان مستوى التنمية في مناطق المحيطات الخارجية أقل بكثير، وكان مستوى التعليم متدنيا للغاية وبالتالي لم تكن الوظائف الحكومية متاحة وخاصة على المستويين السياسي والإداري الأعلى.

وبعد الاستقلال أصبحت مناطق واسعة من السودان، وخاصة الجنوب والغرب وحتى الشرق، مهمشة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم ظهر في الدولة نمط واضح من الطبقية الاجتماعية. فقد توافقت الثروة والسلطة والمكانة الاجتماعية مع الهوية العرقية والإقليمية. فكبار المسؤولين والضباط والمفكرين وغيرهم كانوا يميلون للتجمع في المناطق المركزية، وهذا الأمر ينطبق على شريحة كبيرة من سكان المدن ذوي الهيئة المتحضرة. في حين أن المناطق الخارجية كانت تضم تجمعات كبيرة من الأميين والرعاة ذوي الهيئة الرثة والسلوك الخشن.

لقد اتجهت سياسات الاستثمار العامة في السودان بعد الاستعمار إلى تعزيز هذا النمط من التشوهات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي أدى إلى تركيز مفرط لمشروعات التنمية العامة والخاصة في المنطقة المركزية.

ثالثاً: وجهة نظر السودان

الموقف الرسمي للسودان تجاه الجنوب يمليه مسؤوليته الأولى للحفاظ على الوحدة الوطنية ووحدة أراضي الدولة. فمن وجهة نظر بناء الدولة، وضعت السياسات الوطنية وطورت لحماية الحدود الاستعمارية الموروثة بالإضافة إلى صهر الجماعات العرقية المتنوعة السائدة في المحيط الخارجي. ومن ثم تم ابتكار وتطبيق إستراتيجية من شقين: الأولى الاختراق الإداري ودمج الجنوب بطريقة تعزز قبضة المركز على المحيط الخارجي، والثانية، التزاوج الثقافي للرمزية الوطنية للغة العربية والإسلام في الجنوب، والذي يهدف إلى تجانس المجتمع.

أفضل طريقة لتصوير مصطلح "المركز- المحيط الخارجي" في السودان هي طريقة الانقسام الثنائي أي الشمال- الجنوب، التي وفقا لها غالبا ما تكون المجموعة العرقية أو العنصرية -التي استطاعت عبر التاريخ الوصول إلى مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن وقيادتها- واقعة تحت تأثير قوي لاستخدام نفس آلية الدولة لتعزيز هويتها الثقافية أو التحسينات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه المجموعة العرقية أو العنصرية المهيمنة في السودان تتمثل في العناصر العربية والأفريقية المعربة والإسلامية، المؤتمنة نفسها على مهمة مراقبة عمليات بناء الدولة والأمة. ففي فترة ما بعد الاستقلال مباشرة واجهت هذه النخبة السياسية السودانية مهمة شاقة لفرض السيطرة السياسية الكاملة على المحيطات الخارجية. فالحكام الاستعماريون عموما لم يؤسسوا سلطة قوية على جميع الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم الشرعية. وغالبا ما كانت مهمة سد الفراغ بين السيطرة الشرعية والواقعية توكل إلى الدولة التي تخلفها. وبالنسبة للحالة السودانية استتبع هذا الأراضي التي كانت محكومة بموجب قانون الولاية المغلقة لعام 1922، الذي شمل جبال النوبة، وخاصة من ناحية الجنوب. ومن الجدير بالذكر أن محاولة اختراق ودمج الجنوب خلال حقبة ما بعد الاستقلال مباشرة قد أثارت تمردا عنيفا مهد الطريق لأول حرب أهلية استمرت سبع سنوات، هي حرب أنانيا.


كانت الإدارة الاستعمارية تأمل أن تقوم الإرساليات التبشيرية بتوفير المصل الواقي من الاختراق الإسلامي للجنوب
لقد دعا منطق مشروع بناء الدولة والأمة إلى الاختراق الإداري في الجنوب، من خلال البنى التحتية الاجتماعية كالمدارس والمستشفيات والمساجد إلى آخره. على النقيض، هذه المؤسسات الحكومية المركزية نفسها كانت الواسطة التي من خلالها أصبح الجنوب مدركا تماما للتفاوتات المادية الموجودة به مقارنة بالمركز. وبالتالي، تدخلت المجموعة العرقية أو العنصرية المهيمنة بطريقة أكثر مباشرة في خط التصور الاجتماعي للمحيط الخارجي، الأمر الذي دفع المحيط الخارجي لإعادة تحديد هويته. فكانت الإدراكات الحسية المتباينة سببا واضحا في استياء مجموعة المركز المثقفة.

لم يسع المركز (الشمال) إلى إحكام السيطرة على الجنوب فقط، بل إلى نشر رمزياته الثقافية كاللغة والدين، أي، العربية والإسلام، مما استلزم سياسة استيعاب إجبارية. لكن يجب كبح المشروع التبشيري في الجنوب أولا لتمهيد الطريق للدعاية الإسلامية الرسمية. ولهذا السبب، اتخذ أول إجراء هام شكل تشريع قانوني في عام 1962 لقانون الجمعيات التبشيرية، الأمر الذي تطلب الحصول على تجديد سنوي لترخيص عمل الإرسالية، ومن ثم أصبح مخالفا للقانون تنصير الأفراد دون سن 18، وحرم تبني أو تربية الأطفال الأيتام واللقطاء دون إذن رسمي من السلطات المحلية. وإلى أن تم إلغاؤه في نهاية عام 1996 عقب زيارة قداسة البابا، كان القانون مصدرا ليس فقط للقيود الصارمة على عمل الإرساليات، لكنه كان أيضا مصدر سخط دائم حتى للكنائس الأهلية. فقد تم طرد الإرساليات التنصيرية نهائيا من الجنوب في فبراير عام 1964.

وعلى مستوى التعليم، فقد تم تأميم جميع مدارس الإرساليات المسيحية عام 1957، وأعقب ذلك إلزامية تعليم اللغة العربية في مدارس الجنوب، برغم أن اللغة الإنجليزية ظلت محتفظة بوضعها كلغة التعليم الأساسية إلى إن استبدلت باللغة العربية في بداية التسعينات.

على الرغم من سياسة الأسلمة والتعريب القسرية التي باتت سمة عامة في الجنوب كله خلال الستينات ثم في الثمانينات أصبحت غير مثمرة، لأن هذه السياسة كان لها تأثير عكسي أدى إلى اندفاع الشباب باتجاه قوات المعارضة الجنوبية في أنانيا والجيش الشعبي لتحرير السودان. كذلك فإن الإغراءات المادية والسياسية بقصد المشاركة الفاعلة للجنوبيين في النظام السياسي كانت أيضا واضحة في الآليات السياسية للنظام الحالي.

بالإضافة إلى هذه المجالات السياسية العريضة والمعروفة، فقد أدت سلسلة من العوامل المنفردة والعرضية في بعض الأحيان إلى أمر واقع سيئ واتفاقات ووعود مُخْلَفة من جانب النخبة المركزية الحاكمة، ولاسيما الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان من قبل العسكريين العاملين في الجنوب. هذه العوامل، منفصلة أو مجتمعة على الأرجح، أصبحت عوامل الدفع المحفزة والمذكية لنار الصراع المستمر. وعلى سبيل المثال، كان المظهر العام لوفود الجنوبيين غير المتمرسين سياسيا واضحا في مؤتمر جوبا عام 1947، حيث كانت وفود الجنوب مكونة من الزعماء والموظفين أنصاف المتعلمين مقارنة بوفود الشمال من المتعلمين والمتمرسين.

إن فهم الجنوب لنظرية مؤامرة الشمال لتسليم زمام الأمر للمؤسسة العسكرية في مراحل صعبة يمر بها الجنوب تتطلب صياغة منصفة للمشاركة في السلطة لتقديم مظالمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا حدث ثلاث مرات: في 17 نوفمبر 1958، 25 مايو 1969، وفي 30 يونيو 1989، عندما كانت الحكومة العسكرية هي المهيمنة.

رابعاً: محاولات اتخاذ قرارات

قامت عدة مبادرات سلام داخلية وخارجية بهدف إنهاء الصراع في الجنوب، ولكن دون جدوى. وسنعرض فيما يلي ثلاث محاولات سلام فقط وأسباب فشلها. الأولى، كان هناك في البداية اتفاق سلام ناجح لإنهاء الحرب الأهلية الأولى أو أنانيا. والثانية، مبادرة السلام في 16 ديسمبر 1988. والثالثة، إعلان المبادئ الموقع في أسمرا برعاية وكالة التنمية بين الحكومات (إيجاد)، وهي المنظمة (المظلة) لدول شرق أفريقيا. وقد توسطت في عملية السلام هذه الكنائس المسيحية وإمبراطور إثيوبيا السابق هيلا سيلاسي.

1- اتفاق أديس أبابا عام 1972
إثر الانقلاب العسكري في 25 مايو 1969، استطاع نظام جعفر نميري إقصاء كل مراكز القوى في شمال السودان. وقد شمل هذا حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي والشيوعيين. ومنذ ذلك الحين أصبح النظام يعتمد بشكل متزايد على دائرة انتخابية قوية في الجنوب، شكلها النظام بعد إبرام اتفاقية سلام مع قيادة أنانيا في أديس أبابا في فبراير/ مارس 1972. وقد رعى عملية السلام هذه مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس كل أفريقيا بالإضافة إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي.

أنشأت الاتفاقية شيئا أشبه بنظام فدرالي من السلطات المقسمة ونظام شبه فدرالي يضمن انفصال هويتها المسيحية والأفريقية بالإضافة إلى البيروقراطية الإقليمية. وتم تأخير أو تهدئة مطالب الانفصاليين إلى حين. وفيما بعد تم التوصل إلى تسويات تاريخية في مجالات الدين واللغة والثقافة وترجمت إلى المادتين 9 و 16 من الدستور الوطني لعام 1973. وتنص المادة 9 على أن العادات والشريعة الإسلامية هي مصادر التشريع الرئيسية. وأن الأمور الشخصية لغير المسلمين تخضع لقوانينهم الشخصية. أما المادة 16 فإنها تقر بالدور المهيمن للإسلام والمسيحية في الحياة الوطنية لشعب السودان، بينما تستوعب كذلك الجوانب الطيبة في المعتقدات الروحية الأخرى.

وهكذا لبى الاتفاق مطلبا جنوبيا عزيزا للاعتراف بوضعه الخاص. وتحقق سلام وأمن نسبيان داما لمدة 11 عاما، وكفلت كذلك حرية الحركة من وإلى الجنوب. لكن الصراع المسلح المرير والطويل مع المركز خلال الستينات أفرز نوعا من الوحدة العميقة بين الجنوبيين. وبعد انتهاء الحرب الأهلية وإنشاء حكومة إقليمية، بدأت الخلافات العرقية تبرز على السطح يغذيها الصراع على السلطة والتنافس على الامتيازات الاقتصادية والميزات الوظيفية المحدودة التي أتى بها الحكم الذاتي. وشكل قدر من التحديث والتحضر إطارا مثاليا للإحيائية العرقية ونمائها ونضجها. وساهم التأثير التراكمي في تقطيع أوصال الجنوب، بوضع إسفين عميق داخل الطبقات الاجتماعية والسياسية للجنوب السوداني، وأخص بذلك المثقفين. ومما لا ريب فيه أن السياسيين ذوي الدهاء على مستوى الحكومة المركزية تمكنوا بسهولة من الاستفادة من هذا الضعف الظاهر للجنوب، مستغلين التصدعات الداخلية لأقصى درجة ممكنة.

لكن الإلغاء النهائي للاتفاق والتصفية النهائية للحكم الذاتي في الجنوب يعزى لما وصفه سياسي شمالي بارز بقوله "الضعف المتأصل في الاتفاق الموقع مع نظام أقلية غير شرعية في غياب ممثلي أغلبية السكان". ومنذ أن أصدر النميري، في يونيو 1983، قرارا من جهة واحدة لحل إطار الحكومة الإقليمية الجنوبية، وأعقبه في سبتمبر من نفس السنة فرض الشريعة الإسلامية، وقد انفرط العقد. ومع حلول شهر يوليو/ تموز وقع الجنوب في قبضة حرب أهلية جديدة، حرب الجيش الشعبي لتحرير السودان.

2- مبادرة السلام بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والجيش الشعبي لتحرير السودان
استمر أمر تطبيق الشريعة الإسلامية الذي فرضه نظام النميري في سبتمبر 1983 يشكل عائقا رئيسيا للبحث عن السلام في السودان. فمنذ تجدد القتال في الجنوب، أخفقت جميع مبادرات السلام السابقة في هذه المسألة بالذات. ثم بدت بادرة أمل جديدة بتوقيع اتفاقية سلام مؤقتة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والجيش الشعبي في منتصف نوفمبر 1986. وفي ذلك الوقت وقع محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي -ثاني أكبر حزب في الحكومة الائتلافية المكونة من 3 أحزاب برئاسة الصادق المهدي الحزب الاتحادي الديمقراطي - اتفاق سلام مع الجيش الشعبي في أديس أبابا.

وفي حين أنها كانت تؤكد على الالتزام بالوحدة ووحدة أراضي السودان، دعت خطة السلام إلى وقف لإطلاق النار وتجميد العمل بالشريعة الإسلامية والإعداد لمؤتمر دستوري في 31 ديسمبر 1988. أما حزب الأمة -أكبر شريك في الائتلاف الحكومي- فقد رفض التصديق الفوري على خطة السلام. أما حزب الجبهة الإسلامية القومية، ثالث حزب في الائتلاف، والذي يتزعمه حسن الترابي، فقد شجب توقيع الحزبين الآخرين على الاتفاق ووصف المبادرة بأنها استسلام واضح من قبل الشمال. فمن وجهة نظر الجبهة، فإن هذا الاتفاق كان غير مقبول جملة وتفصيلا بسبب الفقرة الخاصة بتجميد العمل بالشريعة الإسلامية. وصرحت قيادة الجبهة بأن مشاركتها في الائتلاف الحكومي كان مرهونا بتطبيق الشريعة.

أم درمان
كان اتفاق السلام، الذي كان يرى أنه خطوة ناجحة لحزب الأمة الديمقراطي، كانت فرصة نجاحه قليلة. فقد أصدرت الجبهة الإسلامية تهديدا بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إذا تم تبني خطة السلام. وبعد سلسلة من المناورات التكتيكية نجح الصادق في التفوق على مناورات الحزب الاتحادي الديمقراطي والجيش الشعبي. فقد أراد سلاما وفقا لشروطه. ثم طلب بعد ذلك من البرلمان منحه تفويضا لعقد مؤتمر دستوري لمناقشة مستقبل السودان، بما في ذلك مشاركة السلطة مع الجنوب، في الزمان والمكان الذي يختاره. وفي 21 ديسمبر صوت البرلمان بأغلبية ساحقة لصالح اقتراحه. وفي يونيو 1989، أجهض الانقلاب العسكري الذي رتبت له الجبهة الإسلامية بزعامة عمر حسن أحمد البشير عملية السلام.

3- خدعة الحكم الذاتي
منذ عام 1994 كان لمنظمة "إيجاد" دوراً بارزا في تسهيل عملية السلام والتوسط بين الحكومة السودانية أو ما يسمى بحكومة "الإنقاذ" من ناحية، وقوات المعارضة في المنفى المتمركزة في أسمرا بإريتريا من ناحية أخرى. وفي المقابل شكل الجيش الشعبي لتحرير السودان، وهو تنظيم لمتمردي الجنوب، بزعامة جون قرنق لب المقاومة المسلحة للتحالف الديمقراطي الوطني، وهو مظلة لجميع المعارضة السودانية في المنفى. وفي هذا الجو الذي تشكل فيه تحالف نادر للتضامن السياسي المتعارض عبر شطري الشمال والجنوب برز مبدأ الحكم الذاتي لأول مرة.

كان أول رد فعل لحكومة الإنقاذ هو رفضها لإعلان المبادئ الذي أصدرته "إيجاد" عام 1994 وشجبها لقرار أسمرا عام 1995 الذي اعتبرته خيانة للإسلام والسودان. وعلى أية حال، كان احتمال تجميد تطبيق الشريعة الإسلامية في البلد ومنح الجنوب حق الحكم الذاتي، إما بالوحدة أو انفصال الجنوب، بمثابة حرمان للإنقاذ. ورداً على ذلك، بدأ النظام الحاكم عملية سلام من الداخل قبل من خلالها بعض مبادئ أسمرا، التي شجبها من قبل، التي تتناول مسألة التطور السياسي وفقا لدستور جديد، وأبرمت اتفاق سلام في أبريل 1997 مع 7 جماعات وأحزاب جنوبية منشقة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان. بل ذهب نظام الخرطوم أبعد من ذلك عندما حدد أن بإمكان الجنوبيين ممارسة الحكم الذاتي في استفتاء حر ونزيه تجريه لجنة خاصة برعاية منظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية والأمم المتحدة والهيئات الدينية ومنظمة "إيجاد" والمنظمات الدولية غير الحكومية.

وللدلالة على أن الحكم الذاتي للجنوب كان مجرد خدعة، أن اتفاق الخرطوم للسلام عام 1997 لم ينفذ مطلقا، واضطر الدكتور ريك مشار، أحد الموقعين الجنوبيين البارزين على الاتفاق، إلى مغادرة البلد مرة أخرى في ديسمبر 1999 بسبب الإحباط الذي أصابه من التأخر الشديد في التنفيذ وعدم الجدية من جانب الحكومة المركزية. وكما قال الصادق المهدي أن الاستفتاء وفقا للشروط التي وضعتها الجبهة الإسلامية بهويتها العقدية الثقافية الضيقة ستؤدي لا محالة إلى التصويت على الانفصال ونشوء دولتين معاديتين لبعضهما. بالإضافة إلى أن اتفاق الخرطوم للسلام، مثل اتفاق أديس أبابا قبله، تحول إلى دستور غير ديمقراطي، خاضعا لتغيرات سياسية مستبدة مشابهة لأسلوب دستور 1973.

خامساً: توقعات المستقبل

تعتمد توقعات المستقبل للسلام والوحدة واستقرار الجنوب بصفة خاصة والسودان عموماً على سن وتنفيذ القوانين السياسية في 3 محاور رئيسية هي:

1- تداول السلطة: ابتكار هيكل فدرالي حقيقي للاهتمام أولاً بتداول السلطة،
وثانيا توزيع مصادر الثروة. لكن عدم وفاء الحكومة المركزية بتعهدها بقيام فدرالية عقب فترة ما بعد الاستقلال مباشرة أثار حربا أهلية طويلة استمرت 17 عاما. هناك إجماع عام بين علماء الدين أن الفدرالية وحدها هي الأداة الدستورية الملائمة لتلافي الانفصال واستيعاب التنوع العرقي والثقافي والإقليمي في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والديانات. فمنذ أكثر من 50 سنة لاقت فكرة الفدرالية رواجا وقبولا عاما في السودان، لكن التجربة الفعلية لها كانت أقرب إلى الخدعة.

الفدرالية بمعناها المقيد، هي خليط من الحكم الذاتي أو الاستقلال والمشاركة في الحكم على مستوى فدرالي أو وطني، ويوازي المصالح المحلية في مقابل المصالح الوطنية. في الحقيقة هي تطويق للتمثيل الإقليمي في عملية صنع القرار على المستوى المركزي. والتفسير الآخر للفدرالية هو أن المنطقة أو الدولة لها حقوق أو صلاحيات خاصة بها وحكومتها الخاصة، لكن في نفس الوقت، تعتبر بموجب القانون والدستور مشاركة في الحكومة الوطنية أيضا. وبعبارة صريحة، تعتبر الحكومة المحلية أو حكومة الدولة مقصورة على المركز، لكنها من الناحية القانونية عضو في الحكومة الوطنية أو الفدرالية. وبهذه الطريقة يتم حماية وصيانة مصالح الدولة.

2

المجاعة في السودان
- توزيع الثروة والمصادر الطبيعية
من أجل دفع عملية السلام للأمام وتعزيز العلاقات بين الشمال والجنوب يحتاج الأمر إلى صياغة وتبني قانون محدد في الدستور الفدرالي لتداول الثروة، خاصة بعد التنقيب عن البترول واكتشاف كميات كبيرة منه. ويجب عدم النظر إلى عائدات النفط المحصلة من حقول النفط الجنوبية على أنها لتعزيز ومن ثم تخليد الآلة الحربية أو المساعي المبذولة في هذا الاتجاه. ومن الواضح أن معظم الفدراليات الهامة في العالم( باستثناء أميركا) مثل كندا ونيجيريا وأستراليا لديها قوانين لتوزيع النفط والثروة المعدنية. وحان الوقت لأن يفعل السودان نفس الشيء.

3- الثقافة: اللغة والدين
إن تقليل التوترات في العلاقات الثقافية بين المركز والمحيط الخارجي السوداني ، أي الشمال والجنوب، من خلال مشروع السلام ودعمه سيكون شرطا أساسيا لسلام دائم. ومن المهم هنا مراعاة جانبين ثقافيين هامين هما: اللغة والدين. فبادئ ذي بدء، ليكن معلوما أنه في أي دولة حديثة ينبغي التمييز لا محالة بين اللغة الرسمية واللغة المحلية. فأساسيات بناء الدولة تميل إلى فرض مستوى ما من ثنائية اللغة على رعايا أي طائفة إقليمية في العالم الثالث. وغالبا ما تكون إحدى اللغتين للتفاعل داخل محيط هذه الطائفة واللغة الأخرى للاتصال عبر مسافة أطول. وكما يصوغها أحد الخبراء بعبارته " اللغة الأولى هي لغة المنزل ومحيط الصداقات المحلية، واللغة الثانية للتعاملات الأخرى في الأسواق وشبكات الاتصال الخارجية وهيئات الرقابة والإدارة." ووضع اللغة العربية كلغة رسمية ولغة الاتصالات الداخلية هو المسيطر ولا جدال في ذلك. ولا يزال الكثير من الأفارقة السود في السودان، أهل الجنوب بالدرجة الأولى، برغم اكتسابهم وتمكنهم من اللغة العربية، لا يزالون يفتخرون بالحفاظ على لغتهم الأم، وهذا ما ينبغي أن يكون.

الموقف مختلف كليا بالنسبة للدين، خاصة عندما يربط بالدولة. وبرغم حساسية الموضوع، لا مناص من مناقشته. لأن روح الأخذ والعطاء أمر ضروري هنا. فبما أن الجنوب بما له من خصوصية بأرضه المغلقة وترامي أطرافه وتخلفه الاقتصادي وصعوبة الوصول إليه لا تكفل انفصاله، كذلك لا ينبغي للشمال أن يصر على تطبيق الشريعة الإسلامية فيه. فالأمر إما فصل الدين والدولة لاستيعاب الجنوب أو انفصاله، وهذا أمر غير مرغوب. وبعبارة أخرى إن دخول الجنوب في عضوية الدولة القومية الفاعلة ينبغي ألا يكون معتمدا على اعتناق الدين الإسلامي.
_____
* استاذ مساعد بقسم العلوم السياسية-جامعة الخرطوم.