*بقلم/ أكرم البني

أكرم البني
الانتخابات التشريعية السورية الراهنة هي أول انتخابات بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم، وما حمله خطاب القسم من أمل بانفتاح سياسي. وتطرح هذه الانتخابات جملة من الأسئلة من بينها: ما فائدة انتخابات أكثر من نصف المقاعد النيابية فيها مقرر سلفا؟ وكيف سيكون واقع المؤسسة التشريعية السورية ما دام لا يتعدى حدود الأداة الطيعة بيد النظام؟ وما فائدة توزيع القوائم الانتخابية الذي ينص عليه القانون الانتخابي السوري، ما دام نظام القوائم يلحق الضرر بصحة تمثيل الشعب ويؤدي إلى مزيد من تشويه العملية الانتخابية؟ وما جدوى انتخابات نيابية في ظل قانون الطوارئ والأحكام العرفية الذي يمنح السلطات التنفيذية كامل الحق في التدخل في الحياة العامة؟ وعلام يتنافس المتنافسون والعلاقة بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية بسوريا توضح سيطرة الأولى على الثانية بينما المفترض هو العكس؟
وهل هنالك آفاق للتحول والتغيير وحدوث تطورات مفاجئة، أم أن مجريات العملية الانتخابية ستظل هي هي في تحضيرها وفي سيرها وفي نتائجها؟
يحاول الأستاذ أكرم البني أن يجيب في هذه الدراسة عن هذه الأسئلة وغيرها.

المقاعد النيابية المحددة سلفا
بين قانوني الطوارئ والانتخابات
تنافس المتنافسين
عود على بدء

تنتهي الدورة التشريعية السابعة لمجلس الشعب السوري في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2002، وتصبح الانتخابات مستحقة لاختيار أعضاء مجلس الشعب الجديد خلال تسعين يوماً من تاريخه. والطبيعي أن تجرى العملية الانتخابية المرتقبة بصورة روتينية وعادية، دون أن تحمل في مسارها أية انعطافات أو يترتب على نتائجها أية انعكاسات مؤثرة في البنية السياسية. اللهم إلا إذا حصلت تطورات مفاجئة أو تغيرات غير منظورة عربياً كانت، أو على مستوى عودة الحياة لمسار الإصلاح والانفتاح الديمقراطي في سوريا.

صحيح أن الانتخابات القادمة هي الأولى بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم، وما حمله خطاب القسم من إشارات واضحة الدلالة فتحت نافذة واعدة على صيرورة جديدة لتطور الحياة السياسية السورية، يحدوها أمل بانفتاح سياسي يحترم الرأي الآخر، ويعترف بحق كافة التيارات الفكرية والسياسية على اختلاف منابتها ومشاربها في الوجود والمساهمة في بناء هذا الوطن. وصحيح أن هذه الانتخابات تتم والمشهد السياسي العربي الراهن يحتقن باحتمالات مأساوية على الصعيدين الفلسطيني والعراقي تهدد نتائجها حاضر المنطقة ومستقبلها. لكن الصحيح أيضاً أن تغييراً نوعياً لم يطرأ على المناخ السياسي السوري لجهة تقدم خطوات الإصلاح الديمقراطي، بما يعيد النظر بطابع ودور المؤسسات التشريعية والسياسية. وبالتالي لن نلمس جديداً على مجرى الانتخابات القادمة أو على جوهر النتائج المحتملة، يمكن أن تميزها عن سابقاتها، الأمر الذي أكده بوضوح "منقطع النظير" رئيس مجلس الشعب السوري عبد القادر قدورة، في حديث له مع جريدة الحياة وشبكة التلفزيون اللبنانية (LBC) في 26 نوفمبر/تشرين الأول 2002 قائلاً: "أين هو التغيير الذي يقول بعضهم أنه سيجري في الانتخابات؟ هل تغيرت المعطيات التي كانت موجودة ليصبح هناك تغيير في الانتخابات؟".

أكثر من نصف المقاعد النيابية مقرر سلفاً

بداية تحضرني طرفة حدثت خلال لقاء تلفزيوني خصص لمناقشة انتخابات سابقة لعضوية مجلس الشعب، وشارك في الحوار عدد من قيادات الجبهة الوطنية التقدمية (1). فما أن طرح المذيع سؤالاً بريئاً عن الدور المنوط بالبرلمان في دورته القادمة، حتى انبرى أحد هؤلاء القياديين محتداً ورافضاً رفضاً قاطعاً تعبير "البرلمان"، واعتبر الأمر كما لو أنه سقطة أو غلطة كبيرة بذريعة أن كلمة "برلمان" تستخدم لوصف مؤسسة الديمقراطية البرجوازية المشوهة والمرفوضة في مجتمعاتنا، وأن تعبير "مجلس الشعب" هو الاسم الذي يليق بمندوبي الشعب وبهذه المؤسسة التشريعية التي يجب أن تحافظ على التوجه السياسي للسلطة الوطنية و نهجها "الديمقراطي الشعبي" وتذود دفاعاً عن الوطن ضد القوى الرجعية والصهيونية والإمبريالية.

مما سبق نستشف في ضوء هذه الرؤية الأيديولوجية والسياسية واستناداً إلى مقولات الفكر العتيق لأغلب الأحزاب السورية أن واقع المؤسسة التشريعية في بلدنا هو مسألة سياسية، وأن دورها ينبغي ألا يتعدى حدود الأداة الطيعة بيد النظام لرسم صورة دولته العصرية، وإتمام بناء مؤسساتها المختلفة ولخدمة سياساته وتعزيز استقرار سيادته وهيمنته. فنجح تحت غطاء من الشعارات البراقة التي عفا عنها الزمن، مثل الديمقراطية الشعبية والشرعية الوطنية أو الحزب القائد والتحالف الثوري الطليعي..الخ، في فرض نفسه وصياً على مصالح الوطن والشعب وفي تمرير وتثبيت مصالحه وسياساته الخاصة، بوصفها السياسات الوحيدة الصائبة والصحيحة وكل ما يعارضها هو باطل وعميل يستحق أشد عقاب.

هذه المفاهيم جسدتها بعض مواد الدستور السوري، وخدمتها طرائق وأساليب السيادة الشمولية الاحتكارية، وانعكست بوضوح في آليات وطرائق بناء المؤسسات وتوجيهها. وغدت السلطة لا تشعر بالثقة والاطمئنان إلا في حال تدخلها وتحكمها بل سيطرتها على معظم تفاصيل الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وصار أمرا طبيعيا ومطلوبا بل هو "حق ثوري" لا تنازل عنه أن يحوز حزب البعث الحاكم وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الحصة الأكبر من مقاعد مجلس الشعب، ولا بأس أن يترك القليل لغيرهم تحت اسم مقاعد المستقلين.

وبعد أن يضمن حزب البعث وحلفاؤه نسبة الأكثرية من المقاعد النيابية في القوائم المطروحة، يفتح باب الصراع بين المرشحين المستقلين لاحتلال ما تبقى من المقاعد في جو "ديمقراطي" يوفر للحزب الحاكم وبقية أحزاب الجبهة، حقهم "الطبيعي" في المنافسة على هذه المقاعد، فيقحمون أنصارهم أو يزجون بعض الشخصيات الموالية ويقومون على دعمها دعماً مميزاً يساعد أغلبها على الفوز بأكثرية المقاعد، مما يوصل نسبة نواب السلطة أو الدائرين في فلكها إلى ما يقارب التسعين في المائة، وهذا ما يطمئن السلطات على حقيقة أن أمور التشريع بخير وتحت السيطرة تماماً.
وكي تتحقق مثل هذه النتائج عملياً توزع القوائم الانتخابية إلى قسمين:

القسم الأول:
يتألف من مرشحي الجبهة الوطنية التقدمية وتسميهم القيادات السياسية (أكثر من نصفهم هم من حزب البعث والباقي تتقاسمه الأحزاب الأخرى)، وهؤلاء لا يخضعون عادة للمنافسة أو لنقل هم بحكم "الناجحين بالتزكية"، إذ يبقى "واجب" المقترعين انتخابهم "بهمة وحماس" دون النظر إلى ماهيتهم. وبالتالي هم غير معنيين بعرض برامج انتخابية لجذب الأصوات، وهم بغنى عن أي جهد لإبراز الكفاءة الشخصية أو ما يحملونه من سمات وقيم أخلاقية لنيل ثقة الناخب. فتوجيهات القيادة السياسية وقراراتها الملزمة للناخبين على انتخاب قوائم الجبهة كفيلة بتحقيق هذا الغرض.

أما بخصوص البيان الانتخابي فيكفي إصدار بيان ذي طابع سياسي باسم الجبهة الوطنية يدعم ويؤيد توجهات الحكومة، تتخلله بعض التمايزات في البيانات الفرعية لهذا الحزب أو ذاك من أحزاب الجبهة، خاصة لجهة طرح بعض الشعارات والمهام المطلبية البسيطة التي تغازل القطاعات الشعبية الواسعة، كالدعوة لزيادة الأجور وتخفيف وطأة المصاعب المعيشية أو لتوسيع هامش الحرية الممنوح. لكن شريطة ألا تتعارض مثل هذه المهام مع الاتجاه العام لسياسة الحزب الحاكم تحت طائلة العقاب والنبذ، وهذا ما لقيه الحزب الشيوعي السوري في انتخابات الدورة الرابعة عام 1981، عندما تميز في طرح بعض المطالب الجريئة والواضحة حول الحريات وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. فألغيت أسماء مرشحيه من قوائم الجبهة الوطنية التقدمية، وخسر في تلك الدورة كافة المقاعد المخصصة له.

من هنا فإن التصويت على القوائم يتم بوصفها كتلة سياسية واحدة لا كونها شخصيات متفاوتة الإمكانيات والكفاءات والنزاهة، مما يحل هؤلاء المرشحين من أية مساءلة أو حساب طالما ينفذون أوامر أحزابهم وسياساتها، وطالما عملهم في مجلس الشعب لا تشوبه شائبة لجهة التصديق على قرارات وسياسات الحكومة، وامتلاك قدرة "رفاقية سمحة" في نقد أعمال الحكومة أو محاسبتها على أخطائها وتجاوزاتها.

القسم الثاني:
يتألف من المستقلين، وتحت هذا العنوان العريض تترشح الشخصيات الموالية والمعارضة على حد سواء وتجرب "حظها" في العملية الانتخابية، محكومة بهامش حرية محدود ومكبلة بإمكانات ذاتية لا تشكل سوى نبضة ضعيفة جداً مما يملكه مرشحو الجبهة. وغالباً ما تتشكل قوائم المستقلين المرجح فوزهم، من زعماء طوائف وقبائل وعشائر يستمدون قوتهم الانتخابية من هذه العلاقات والارتباطات المتخلفة، لا من برامج ملموسة تتطلع لخدمة مصالح الناس وحاجاتها. وتنجح عادة مثل هذه الرموز بالتعاون والتنسيق مع قوائم الجبهة الوطنية التقدمية، في نيل عضوية مجلس الشعب لتتعايشان معاً تحت قبته.

بين قانوني الطوارئ والانتخابات

يبدو المشهد غريباً في عيون الكثير من المراقبين السياسيين، حين تجري الانتخابات النيابية السورية في ظل حضور تاريخي ومعلن لقانون الطوارئ والأحكام العرفية، الذي يمنح السلطات التنفيذية كامل الحق في التدخل بكل شاردة وواردة في الحياة العامة دون إذن أو اعتبار. فالمعروف أنه بموجب قانون الطوارئ الساري المفعول منذ عقود، يمكن للحاكم العرفي أو نائبه أن يقرر ما يراه مناسباً من قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور, كما يملك الحق التام في مراقبة الرسائل والمكالمات الهاتفية أياً كان نوعها، وأيضاً مراقبة الصحف والنشرات والمؤلفات والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها..الخ, وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرتان "أ" و "ب" من المادة 4 من قانون الطوارئ السوري. فكيف يمكن النظر إلى عملية انتخابية محكومة في كل لحظة من لحظات تطورها بإرادة السلطات التنفيذية وقدرتها على التدخل لتقرير ما تراه مناسباً، بدءاً من شروط قبول الترشيح مروراً بمنح المرشح الموافقة على الدعاية والنشاط الانتخابيين أو حجبهما عنه، انتهاء بإجباره في بعض الحالات والمحطات الخاصة على سحب ترشيحه أو إلغائه إذا رفض ذلك طواعية.

إن حضور قانون الطوارئ والأحكام العرفية واستمرار دوره (2)، إذ يعزز من قدرة الأجهزة التنفيذية على التحكم في مجرى العملية الانتخابية وفي نتائجها، فإن القانون الخاص بالانتخابات الذي يحمل اسم قانون الانتخابات العامة الصادر سنة 1973 وتعديلاته يستطيع في أغلب الأحيان أن يفي بالغرض، ويمكّن السلطات بمفرده من توجيه العملية الانتخابية وتقرير نتائجها كي لا يخرج مجلس الشعب عن الدور المنوط به كداعم لسياسات الحكومة ومواقفها.

فقانون الانتخابات العامة يمنح القيادات السياسية لأحزاب الجبهة حق تسمية المرشحين ودعمهم، ويضع الناخب أمام مهمة وحيدة هي التصديق على القوائم المطروحة، دون أن نغفل هامش الحرية المتاح في انتقاء واختيار أسماء المتنافسين المستقلين المفترض إضافتهم كي تكتمل قوائم الجبهة الوطنية التقدمية.

إن اعتماد نظام القوائم التي تضم مقاعد كثيرة وشكل الدائرة الانتخابية الواسعة،على أساس المحافظة بما فيها من مدن ومناطق وقرى متباعدة (3)، يلحق الضرر بصحة تمثيل الشعب ويؤدي إلى مزيد من تشويه العملية الانتخابية. إذ يضع حاجزاً كبيراً بين الناخب وممثله، بحيث لا يعرف الناخب عيانياً من ينتخب (في أحسن الأحوال ربما يتعرف إلى قلة من هؤلاء المرشحين الطامحين لنيل عضوية مجلس الشعب باسمه)، بما يؤدي إلى إلغاء آليات المراقبة والمحاسبة، وتغييب الشروط التنافسية العادلة بين المرشحين في محاكمة وفرز برامجهم الانتخابية، الأمر الذي يمنح القرارات السياسية والدعاية الحزبية دوراً وحيداً في توجيه عمليات التصويت، ويفتح منافذ غير شرعية أو مستقيمة، كالتزوير والضغط والإكراه والتهديد بالحرمان من لقمة العيش ....إلخ، للتأثير في مجرى العملية الانتخابية ونتائجها.

ومع اختيار نسبة الفوز بالأغلبية البسيطة في جولة واحدة وجعل المحافظة دائرة انتخابية واحدة، تتزايد حالات الخلل والظلم، وتغدو العملية الانتخابية بعيدة كل البعد عن هدف أي انتخابات ديمقراطية، في تمثيل حقيقة التوازنات السياسية والاجتماعية القائمة. وعلى هذا الأساس أصبح من الضروري تعديل قانون الانتخابات سابق الذكر، المستند للأسف إلى جذر قديم يعود لأكثر من خمسين عاماً، وصياغة قانون عصري وديمقراطي يأخذ بأحد خيارين :

  • إما نظام التمثيل النسبي، مع الإبقاء على شكل القوائم الانتخابية.
  • أو الاستمرار بنظام أغلبية الأصوات، لكن عبر تطبيق آلية الانتخاب الفردي لدائرة صغيرة، تنتخب نائباً واحداً ( للعلم فإن كل نائب في مجلس الشعب السوري يمثل أكثر من أربعين ألف ناخب).

على أن تجرى الانتخابات على جولتين بأغلبية مطلقة في الجولة الأولى، وأغلبية نسبية في الجولة الثانية للاختيار بين مرشحين حازا أعلى الأصوات في الجولة الأولى.
وأيضاً يحتاج قانون الانتخابات إلى تعديل في المواد المتعلقة بحقوق المرشحين، لتوفير تكافؤ الفرص بينهم مادياً ومعنوياً، بغية تأمين مساعدات مالية تغطي جزءا من مصروفات الدعاية والمطبوعات وبعض نفقات الوكلاء والمراقبين. مع ضمان حصص متساوية لكل مرشح في استخدام أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والصحف المحلية، للتعريف بشخصه وكفاءاته وبرنامجه الانتخابي. وأيضاً توفير أماكن للاجتماع واللقاء بين المرشح وجمهور الناخبين، لإثارة ما ينبغي من نقاشات علنية وصريحة حول مطالبهم وطموحاتهم، ومحاسبته في حال أخل بالتزاماته وبدوره في الدفاع عن هذه المطالب والطموحات. ويعرف الجميع أن ما يشهده القانون القديم من ثغرات سمحت لضعاف الذمم وعديمي الكفاءة بالوصول إلى مجلس الشعب كونهم يملكون ثروات كبيرة، أو لأنهم يحوزون النفوذ والقدرة على تسخير أجهزة الإعلام المختلفة في مصلحتهم. بينما هزمت رموز وطنية ونقابية أو شخصيات ديمقراطية شريفة، لأن مواردهم المادية المتواضعة لم تساعدهم على تغطية نفقات النشاط الانتخابي.

ونقف ثالثاً عند الجهة المشرفة على عمليات الانتخاب التي يجب أن تكون جهة محايدة أو مستقلة، كما هو حال السلطة القضائية التي تشرف عادة على الانتخابات في معظم بلدان العالم، وتشكل ضمانة حقيقية لسير الانتخابات بصورة حرة ومتكافئة. فقانون الانتخابات السوري لا ينيط مهمة الإشراف على العملية الانتخابية للقضاء، بل للجنة مركزية تتشكل في كل دائرة انتخابية، وهي هيئة غير محايدة أعضاؤها من الحزب الحاكم وملاكها يتكون من مسئولي أجهزة تنفيذية، (يرأسها المحافظ وعضوية قاض "يسميه" وزير العدل وممثل عن المكتب التنفيذي في المحافظة). مهمات هذه اللجنة تحديد مراكز الاقتراع وتعيين لجانها وإحصاء النتائج. وما يزيد الطين بلة أنها معنية أيضاً بالبت بصورة مبرمة في كل الاعتراضات والشكاوى والطعون التي تقدم خلال العملية الانتخابية، ناهيكم عن أن الطعن بصحة الانتخابات عموماً لا يعود في صلاحيته إلى سلطة قضائية كما هي العادة والمفترض أن تجري تحقيقاً منزهاً عن الأغراض السياسية، بل إلى اللجنة المركزية ذاتها على أن تحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا التي يقتصر دورها على تقديم الرأي فقط في محتوى الشكوى وإحالتها إلى مجلس الشعب (موضوع الطعن والشكوى) للبت فيها وإصدار قراره بالأكثرية، وفقاً للمادتين 62 و 144 من الدستور السوري.

خلاصة القول، إن التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات العامة، رغم أهميتها وضرورتها الحيوية، إلا أنها لن تؤتي أكلها، وتبقى تعديلات شكلية، إذ لم تؤد إلى رفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية وتوفير مناخ من حرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي. فالمسألتان متلازمتان، ولا يمكن لقانون انتخاب مهما جاء عادلاً ومنصفاً أن يجدي نفعاً، دون إلغاء القوانين الاستثنائية وسيادة المناخ الديمقراطي، بما يكف يد الأجهزة التنفيذية ويلجم تدخلها في صلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية، ويفسح المجال لترسيخ العلاقة الطبيعية والصحية بين السلطات الثلاث، تمهيداً لقيام حياة برلمانية تمثل أفضل تمثيل إرادة الشعب ومصالحه وتطلعاته.

علام يتنافس المتنافسون؟


أعطى مجلس الشعب السوري للحكومة بعض وظائف التشريع لتدلي برأيها حوله، فإقرار أي قانون لا يمكن إذا لم يحظ بموافقة الحكومة، مما يوضح سيطرة مؤسسات السلطة التنفيذية على مؤسسة التشريع بينما المفترض هو العكس

مازال الجرح طرياً، ولم يجف طعم مرارة الأحكام القاسية التي صدرت بحق عضوي مجلس الشعب رياض سيف ومأمون الحمصي، جراء محاولتهما إحياء وبعث المهمة الطبيعية لكل نائب يدّعي تمثيل مصالح شعبه. حين تصديا لبعض مظاهر الفساد المستشري، وجاهرا بنقد الأخطاء والتجاوزات التي تحصل، وتنطحا لدور طليعي وبديهي في تحمل أعباء التغيير والإصلاح الديمقراطي المنشود. وطبعاً لم يكن مفاجئاً أن أول من أدان هذين النائبين هو مجلس الشعب نفسه ممثلاً برئيسه، حين رفع على الفور الحصانة النيابية عنهما، وتركهما لقمة سائغة لإرادة قضاء موجه سياسياً.

فعلام يتنافس المتنافسون؟! سؤال يطرح نفسه بقوة، على كل من يرغب في ترشيح نفسه لعضوية مجلس الشعب، ويأمل استخدام هذا الموقع لدعم مسار الإصلاح الديمقراطي.
ألم يتعظ مما حصل لرياض سيف ومأمون الحمصي؟ ألم يصل بعد إلى قناعة ألا جدوى ولا أفق، وألا حول ولا قوة لمجلس شعب فقد دوره كمجلس تمثيلي مهمته التشريع والمراقبة والمحاسبة كما نص الدستور، وغدا دوره الفعلي والحقيقي هو التصديق فقط على الميزانية العامة ومشاريع القوانين وخطط التنمية، بعد مناقشات سطحية وموجهة لا تسمن ولا تغني من جوع.

وتكتمل الصورة بدور ممثلي الجبهة الوطنية التقدمية بوصفهم الأكثرية شبه المطلقة في المجلس النيابي، الدور الذي يصل في أغلب الأحيان إلى حد التأييد التام لنشاط وسياسات الحكومة، رغم ما يثار من ملاحظات انتقادية على عبارة أو استطالة أو فكرة، أو ما يطرح من دعوات لإنجاز مهمة هنا أو إكمال عمل هناك. خاصة وأن الجميع يعرف تماماً أن أنظمة مجلس الشعب عمقت بدورها هذا الخلل القائم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأعطت للحكومة بعض وظائف التشريع (كطرح مشاريع القوانين مثلاً) لتدلي برأيها حول ضرورتها أو عدمها. فمثلاً لا يمكن مناقشة أو إقرار أي قانون يتفق على ضرورته عدد من أعضاء مجلس الشعب إذا لم يحظ بموافقة الحكومة، وبالتالي لا عجب أن تختفي العديد من مبادرات التطوير التي تقدم بها بعض أعضاء المجلس في أدراج الحكومة ذاتها.

ألا يوضح ذلك عمق سيطرة مؤسسات السلطة التنفيذية على مؤسسة التشريع، بينما المفترض هو العكس أن مجلس الشعب هو السلطة الأعلى والأقوى، والحكومة هي الجهة الأضعف التي تخضع في نيل شرعيتها والموافقة على برنامج عملها لأكثرية السلطة التشريعية. وبالتالي من الطبيعي ألا نسمع طوال تاريخ مجلس الشعب السوري عن تأزم أو حتى جفاء بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما هي حال الصراعات والأزمات التي نسمع عنها في غير بلد من البلدان الديمقراطية بين البرلمان والحكومة.

أمام مثل هذه الوقائع ظهرت وجهتا نظر بين صفوف المعارضة الديمقراطية السورية(4) في الموقف من الانتخابات النيابية القادمة:

وجهة النظر الأولى:
ترفض مبدأ المشاركة من أساسه مستندة إلى جملة من الأسباب، منها ما يرجع إلى قناعتها بعدم جدوى هذه المشاركة لعدم فاعلية مجلس الشعب من جهة ولضيق الهامش المتاح في خوض الحملة الانتخابية من جهة ثانية. وهي ترى أن قوى المعارضة غير مهيأة أو مستعدة سياسياً وجماهيرياً للإفادة من هذه الانتخابات، بينما وجه الفائدة الرئيس سيجنيه النظام السوري في تحسين صورته أمام الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان، وتضيف أن نجاح قوى التغيير الديمقراطي في إحداث اختراق والفوز ببعض المقاعد النيابية رغم الضغوط والمضايقات "لن يخرج الزير من البير" ولن يجدي نفعا،ً وأن مصير النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي مازال ماثلاً في الأذهان.

وجهة النظر الثانية:
تؤكد على ضرورة وأهمية المشاركة الانتخابية وهي تعي وتتفهم ذات الشروط الموضوعية والذاتية التي عرضتها وجهة النظر الأولى، لكنها تجد أن هدف المشاركة ليس حصد نتائج بقدر ما هو جني بعض المنافع والفوائد لمصلحة النضال والتغيير الديمقراطي، مثل التدرب على الممارسة السياسية العلنية وتحقيق تواصل واسع ومباشر مع الجماهير الشعبية، وطرح وتعميم أهم المطالب والمهام الديمقراطية بما يراكم بعض الضغوط على النظام السوري لبعث مشروع الإصلاح الديمقراطي من جديد.
وكلتا وجهتي النظر تعرفان جيداً حقيقة المزاج الشعبي اللامبالي وموقف الناس السلبي من الانتخابات. ورغم تباين اجتهاد كل منهما في اختيار التكتيك الأنسب والأكثر فائدة، فهما تقفان على قاعدة برنامجية مشتركة وتتفقان على طرح ذات المهمات النضالية المتعلقة بالحريات السياسية وهدف التغيير الديمقراطي. وتؤكدان أن الانتخابات القادمة قاصرة، وتتم في مناخ لا ديمقراطي تسود فيه قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، ويغيب عنه قانون للأحزاب يشرع لتعددية تضمن حق وجود ونشاط الأحزاب السياسية المعارضة. وكلتاهما تعيان حقيقة قانون الانتخابات القائم وماهية مجلس الشعب، وألا رهان على دور له في مواجهة النفوذ الأقوى للأجهزة التنفيذية، حتى مع فوز المعارضة ببعض المقاعد النيابية.

ويعتبر تصريح الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديمقراطي والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي المحامي حسن عبد العظيم إلى جريدة الزمان اللندنية في 7 سبتمبر/أيلول 2002، عن ضرورة خوض استحقاق الانتخابات النيابية، إشارة إلى ترجيح خيار المشاركة في العملية الانتخابية.

عود على بدء

استناداً إلى ما سبق، نعود للتأكيد على أن الانتخابات النيابية القادمة في سوريا لن تشهد تطورات دراماتيكية مفاجئة لا في مجريات العملية الانتخابية ولا في نتائجها. فمن غير المعقول أن يصحو المواطن السوري غداً على أجواء تسود فيها الحريات السياسية والديمقراطية، ومن غير المعقول أيضاً أن يخرج مجلس الشعب الجديد من جلده وينقلب قوياً فاعلاً على ضعف وهشاشة، فاختراق قوائم الجبهة وفوز بعض مرشحي المعارضة الديمقراطية بعدد من المقاعد النيابية لن يضيف جديداً. والمواطن السوري لن يجتاز بعصا سحرية حالة الغربة السياسية أو الطلاق مع العمل النضالي، بعد تاريخ طويل من القمع المستديم والغياب المزمن لحرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي، خاصة وأنه فقد القناعة بجدية الانتخابات وأهميتها جراء انهيار الثقة بمصداقية صندوق الانتخاب وصحة النتائج المعلنة، وبالتالي لا مجال للحديث عن أي تغير نوعي في اتجاهات التصويت أو في نسبة المشاركة الشعبية المحدودة.

ورغم ذلك يكتسب خيار القوى الديمقراطية الداعي للمشاركة في العملية الانتخابية القادمة أهمية خاصة في الظروف الراهنة، استناداً إلى تصاعد ضغط الواقع السوري وإلحاح حاجته للإصلاح والانفتاح الديمقراطي، بغية تجاوز أوضاع قائمة ثبت عجزها عن تلبية متطلبات المجتمع، وظهر تخلفها عن مواكبة التطورات والمتغيرات العالمية.

إن خيار المشاركة في العملية الانتخابية على صعوبته وتعقيداته، يحمل بعض عناصر القوة التي تمّيزه وتثقل كفته على حساب خيار المقاطعة، وتحديداً لجهة كسر جدار الخوف والسلبية واعتراض حالة عدم الاكتراث التي تسم غالبية المواطنين السوريين. خاصة إذا عرفت القوى الديمقراطية كيف توظف الحملة الانتخابية لإنجاح دعايتها السياسية حول الحرية والتعددية وحقوق الإنسان. وتمكنت من إشهار وتعميم أهم الشعارات الديمقراطية مثل الدعوة لرفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإزالة قرارات الحجر والتجريد من الحقوق المدنية عن عدد كبير من الناشطين السياسيين، والدعوة إلى حرية الصحافة والتعبير وإلى قانون للأحزاب يشرع حق ووجود معارضة سياسية علنية وسلمية.

وطبعاً لا تدخل في الاعتبار حسابات الفوز والخسارة، بل الإفادة من أجواء الحملة الانتخابية التي أشبه ما تكون بتجربة نضالية خاصة أو حالة احتكاك متميزة مع الناس في مواجهة كل أشكال الاحتكار السياسي والقمع والاضطهاد، على أمل رفع همة ووعي الإنسان ودوره في الحياة العامة وتنشيط قوى سياسية ومجتمع غيب دوره عقوداً من الزمن، على أمل خلق تراكمات دعاوية حول مفاهيم وقيم الحرية نحن في أمس الحاجة إليها على طريق إنجاز الاستحقاق الديمقراطي.

إن الإحباط كان عميقاً جراء ما خلفته هجمة السلطة المضادة على "ربيع دمشق"، وما ترتب على ذلك من قرارات المنع والتضييق على المنتديات السياسية والثقافية، واعتقالات شملت عشرة من نشطاء المجتمع المدني ومحاكمتهم. لكن إطلاق سراح رياض الترك بعث بعض الأمل في النفوس، خاصة بعد الهامش الجديد الأقل ضيقاً وضبطاً الذي رافق الانتخابات النقابية التي جرت في الخريف المنصرم، وتمكنت وجوه نقابية مستقلة من انتزاع مواقع قيادية لجدارتها ونزاهتها، على حساب بعض الرموز السلطوية المهترئة التي احترقت صورتها تماماً.

ورب قائل يقول إن المؤسسات النقابية بخلاف السلطة التشريعية لا تحل ولا تربط، وإن حالة الترهل والتأزم والإفساد التي تعيشها قياداتها استدعت تغييرها وحقنها بدماء جديدة، لكن الواضح أن ما حدث ما كان ليحدث سابقاً، وله اليوم دلالاته الخاصة وتحديداً لجهة اضطرار السلطة إلى إرخاء قبضتها قليلاً وإعادة تأهيل نفسها، وتكييفها مع شكل جديد لنقل إنه أقل سيطرة على المؤسسات النقابية التي هي فعلاً في قاعدة الهرم السلطوي وبعيدة كل البعد عن مركز اتخاذ القرار.

فصيرورة التغيير مفتوحة ومن العبث تجاهلها والإصرار على تغييب استحقاقاتها. ويتضح يوماً بعد يوم، استمرار العجز عن الأخذ بيد مجتمع يسير من إخفاق إلى إخفاق ومن تأزم إلى تأزم، في حال استخدام ذات الوسائل والطرائق القديمة للسيطرة والهيمنة، مما يعني أن السلطة باتت مجبرة موضوعياً على اعتماد أشكال جديدة، لنقل أقل احتكاراً أو أكثر انفتاحاً إن صح التعبير، في إدارة الدولة والمجتمع على حد سواء.

فهل تشهد الانتخابات النيابية القادمة نقلة ما على هذا الصعيد، تخفف من حضور قبضة السلطة في السيطرة والاحتكار السياسيين؟ إن الأيام القادمة كفيلة بوضع إجابة دقيقة عن هذا السؤال.
_______________
* - كاتب سوري.
1 - الجبهة الوطنية التقدمية هي تحالف حاكم يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي، وتتألف من أربعة أحزاب إضافة إلى حزب البعث هي: الحزب الشيوعي (بفرعين) وحزب "الوحدويون الاشتراكيون", وحزب الاتحاد الاشتراكي (بفرعين) وحركة الاشتراكيين العرب.
2 - تجدر الإشارة إلى ما شهدته السنوات الأخيرة من تجميد جزئي لدور قانون الطوارئ والأحكام العرفية في أكثر من حقل من حقول الحياة العامة.
3 - كل محافظة هي دائرة انتخابية، باستثناء محافظة حلب التي قسمت إلى دائرتين انتخابيتين (المدينة والريف)، في حين تعتبر دمشق إداريا محافظتين: محافظة مدينة دمشق ومحافظة ريف دمشق.
4 - المقصود بالمعارضة الديمقراطية، ذلك الوجود العلني لبعض القوى السياسية الموجودة على ساحة الوطن وتحظى بقبول شبه شرعي من قبل السلطات السورية، وتجسدها على الأرض أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، وبقايا التنظيمات التي خرجت حديثاً من السجن كحزب العمل الشيوعي والتنظيم الشعبي الناصري، إضافة إلى بعض هيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان.