سكن العمال الآسيويون في الخليج غالبا مكتظ ويفتقر للشروط الصحية (الفرنسية-أرشيف)

محمد عبد العاطي
 
الكثير من العمالة الآسيوية في الخليج تواجه ظروفا معيشية صعبة وذلك لتدني أجورهم وعدم مطابقة المعايير الدولية لبيئة العمل والسكن عليهم فضلا عن الصعوبات التي تكتنفهم إذا قرروا السير في طريق التقاضي في حال الخلاف بينهم وبين أرباب العمل.
 
تدني الأجور
من أهم ما يعانيه العمال الآسيويون تدني الأجور وعدم ملاءمتها للمجهود الذي يبذلونه من جهة ولمواجهة غلاء أسعار السلع والخدمات في الدول الخليجية من جهة أخرى، وقد زادت هذه المعاناة في ثلاثة الأعوام الماضية بسبب موجات التضخم التي لا تزال في تصاعد مستمر.
 
هذه الأجور المتدنية والتي يترواح متوسطها بين مائتي دولار وثلاثمائة دولار في الشهر تكاد لا تكفي الإنفاق منها على الطعام والمسكن فضلا عن ما يحولونه لإعالة ذويهم في البلدان التي أتوا منها، الأمر الذي أثر على مستوى معيشتهم فاضطروا إلى السكن الجماعي في منازل متواضعة يزيد متوسط قاطني الغرفة الواحدة منها على ستة أشخاص، ويفتقر العديد من هذه المساكن إلى الضوابط الصحية في ما يتعلق بمياه الشرب النقية ووسائل التهوية ونفاذ أشعة الشمس.
 
وقد حاولت الهند مؤخرا جس نبض الدول الخليجية بتحديد حد أدنى لا يقل عن 266 دولارا لكن بعض الدول الخليجية ومنها مملكة البحرين رفضت ذلك واعتبر وزير العمل فيها الدكتور مجيد العلوي هذا التحديد تدخلا في الشؤون الداخلية للدول الخليجية.
 
بيئة العمل
العمل في قطاع الإنشاء تكتنفه المخاطر ويفقتد للكثير من أجراءات السلامة (الفرنسية-أرشيف)
وليس تدني الأجور وتواضع بيئة السكن وحدهما هما كل ما تعانيه العمالة الآسيوية في الخليج ولكن يضاف إلى ذلك بيئة العمل ذاتها.
 
فقطاع واسع من العمالة الآسيوية التي تشتغل في مشاريع الإنشاء والتعمير يعانون من الافتقاد إلى الكثير من إجراءات الأمن والسلامة مما يعرض حياة الكثير منهم للخطر أثناء تأديتهم عملهم، فكثيرا ما يصاب هؤلاء العمال بكسور ورضوض إثر سقوطهم من ارتفاعات عالية، أو يصابون بضربات شمس في أوقات الحر القائظ.
 
وعلى الرغم من أن قوانين بعض الدول الخليجية ألزمت مؤخرا الشركات التي يعمل فيها هؤلاء العمال وبالأخص الذين يتطلب عملهم الوقوف لساعات طويلة في الأماكن المفتوحة بأخذ استراحة وقت الظهيرة، إلا أن الكثير من هذه الشركات لا تلتزم بتنفيذ القانون، كما أن مراقبة الدول الخليجية لمدى الالتزام بذلك لا تزال بحاجة إلى مزيد من تحسين الأداء.
 
التأمين الصحي
بعض الدول الخليجية لا توفر تأمينا صحيا للعمال يتيح لهم تلقي العلاج المناسب لهم سواء أصيبوا أثناء العمل أو خارج أوقات الدوام الرسمي، كما أن بعض أرباب الأعمال يتهربون من التكفل بهذا الشأن الأمر الذي يزيد من قسوة الظروف التي يعمل فيها العمال الآسيويون وبخاصة المرضى والمصابين منهم.
 
الاستقدام العائلي
قوانين العمل تلزم الشركات بمنح عمالها راحة فترة الظهيرة لكن البعض يتهرب من التنفيذ (الفرنسية-أرشيف)
معظم الدول الخليجية لا تسمح للعامل الآسيوي باستقدام عائلته إلا إذا زاد راتبه عن حد معين يستطيع بواسطته الإنفاق على أسرته بعد مجيئها.
 
وقد تسبب هذا الأمر في وجود ظاهرة ما يمكن تسميته بـ"العزوبية" أي المعيشة منفردا دون زوجة أو عائلة.
 
من هنا ظهرت لدى شرائح من هؤلاء العمال مشاكل نفسية واجتماعية مرجعها إلى قلق العامل الدائم على أسرته واضطراره للعيش وحيدا والقيام على خدمة نفسه بذاته ناهيك عن المتطلبات البيولوجية.
 
كما  أن هذه الظاهرة (العزوبية) تسببت في بعض المشاكل الخلقية داخل الدول الخليجية نفسها وهو ما تتناقله باستمرار صفحات الجريمة في الجرائد المحلية.
 
آليات التقاضي
مقدرة معظم العمال الآسيويين في الدول الخليجية في الحصول على حقوقهم في حال التلاعب ببنود العقود المبرمة معهم ضعيفة، وذلك لجهل الكثير منهم بقوانين العمل في الدول الخليجية من جهة ولعدم مقدرتهم على دفع الرسوم المطلوبة لإجراءات التقاضي وتوكيل محامين من جهة ثانية.
 
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد وإنما هناك الخوف الكامن لدى هؤلاء العمال من الخروج بمشكلاتهم مع كفلائهم إلى دائرة الشكاوى الرسمية لدى الجهات الحكومية أو القضائية وذلك تجنيا لغضب الكفيل وتفاديا لرد فعل من قبيل إنهاء التعاقد والتسفير أو الترحيل إلى البلاد.
 
فيرضى هؤلاء العمال بالظروف القاسية للعمل عوضا عن ما هو أقسى وأمر وبخاصة أن أغلب هؤلاء العمال قد دفعوا مبالغ كبيرة لدى ما وصفه المنتدى الخليجي للعمالة الوافدة بمافيا مصدري العمالة.
 
وكان هذا الأمر من الموضوعات المطروحة في المنتدي السابق الذكر وقد أوصى بإيجاد آلية متفق عليها بين الدول المصدرة للعمالة والمستوردة لها لحل مشكلات العقود والتقاضي الخاصة بالعمال.
 
وقد تجنبت بعض الدول الخليجية ومنها قطر على سبيل المثال هذا التلاعب فألزمت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فيها أصحاب جهات العمل الراغبين في تقديم طلبات استقدام عمالة جديدة ضرورة تقديم كشوف الأجور الخاصة بالعاملين لديها خلال الشهور الثلاثة الأخيرة للتأكد من دفع هذه الأجور في مواعيدها.
 
ضعف المتابعة
وبعيدا عن العمالة التابعة للمؤسسات والشركات فهناك قطاع آخر واسع من العمالة الآسيوية منتشرة في دول الخليج ليست مغطاة بقوانين واضحة تحدد عدد ساعات العمل ومواعيد العطل والإجازات والتأمين الصحي وغير ذلك، مما يمكن أن تكون قد نظمته القوانين الخليجية المحلية أو قوانين العمل الدولية، هذه العمالة هي العمالة المنزلية أو شريحة الخدم.
 
وقد أكد الكثير من المهتمين بشؤون هذا النوع من العمالة أن الجهات الحكومية في كثير من الأحيان وعلى الرغم من وجود القوانين المنظمة للعلاقة بين رب العائلة والخادم أو الخادمة فإن تلك الجهات لا تقوم بالتفتيش والمراقبة والمتابعة لمعرفة مدى الالتزام بتطبيق هذه القوانين.
 
ثقافة الاستعباد
ويذهب بعض الباحثين الخليجيين إلى أن قلة الوعي الثقافي لدى بعض الأسر الخليجية -التي انتقلت خلال الثلاثين عاما الماضية من دائرة الفقر إلى الغنى بسبب الطفرات النفطية وعوائدها الكبيرة- أدى إلى أن تكون نظرتهم إلى شريحة الخدم بشيء من التعالي ومعاملتهم بأسلوب فيه لون من ألوان "الاستعباد"*.
 
ويوصون في هذا الجانب الجهات الرسمية الخليجية بعمل برامج توعية بحقوق العمالة الوافدة للعمل لدى هذه الأسر قبل السماح لها باستقدامهم.
 
من ناحية أخرى تتحدث دراسات اجتماعية عن بعض الأسر الخليجية التي تستقدم هؤلاء الخادمات من باب التباهي الاجتماعي رغم أن دخلها الشهري منخفض وفي بعض الأحيان لا يتعدى مائتي دينار كما هو الشأن في مملكة البحرين على سبيل المثال، مما ينعكس على الخادمات في صورة التأخير في دفع رواتبهن والتقتير عليهن في الطعام والكساء.
 
وتشير أخيرا هذه الدراسات إلى تعرض بعض هؤلاء الخادمات لتحرشات واعتداءات جنسية لا سيما على يد المراهقين من أبناء بعض الأسر الخليجية، وتذكر هذه الدراسات أن بلاغات هؤلاء الخادمات عن هذا النوع من القضايا تكثر بعد شهور من عدم الوفاء بأجورهن ومساومتهن على أعراضهن مقابل دفع حقوقهن، وتؤكد هذه الدراسات أنه وإن كانت هذه الحالات قليلة وخارجة عن أعراف جل أهل الخليج وشهرتهم بالتدين والأجواء المحافظة التي يعيشون فيها فإنها موجودة وبعضها موثق في المحاكم.
______________
المصادر:
 
 
- صحيفة الراية القطرية، 18 فبراير/شباط 2008، تصريحات الأمين العام للجنة الوطنية لحقوق الإنسان علي بن صميخ المري.
 
- وزارة العمل، مملكة البحرين، فعاليات المنتدى الخليجي حول العمالة الوافدة.

Internationa migration, multi-local livelihoods and human security: Perspectives from Europe, Asia and Africa, 2007, Institute of social studies, The Netherland
http://www.iss.nl/content/download/8354/81434/file/Panel%202_Masod.pdf

شارك برأيك