غازي صلاح الدين
الدكتور غازي صلاح الدين كان مسؤولا عن ملف السلام والمفاوض الأول مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، قبل أن يقدم استقالته ويتسلم الملف من بعده النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه.

ومنذ استقالة الدكتور غازي والأسئلة عن أسباب استقالته لا تتوقف.. لماذا استقال؟ ما الذي رآه في مسيرة التفاوض حتم عليه اتخاذ خطوة كهذه؟ كيف يرى النهج الحكومي في التفاوض الآن؟ وما التحديات التي ستواجه اتفاق السلام القادم؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الدكتور غازي صلاح الدين في حواره التالي مع الجزيرة نت.

حوار/ ضياء الدين بلال

من خلال تجربتك في المستشارية ما أعقد مراحل التفاوض التي مرت بكم؟

هي المرحلة السابقة لتوقيع اتفاق مشاكوس، تلك الفترة تطلبت إكمال الانتقال من حالة القتال إلى حالة التفاوض، من ذهنية الحرب إلى ذهنية السلام، وهو ما استدعى مجهودا كبيرا على الساحة الداخلية، أي داخل معسكر الحكومة، بموازاة عمل ضخم داخل معسكر المعارضين لها بشتى اتجاهاتهم وأهدافهم، وأيضا بموازاة عمل مركب في المجموعة الإقليمية والدولية التي طرحت نفسها وسيطا. مجهود كهذا يشبه إلى حد ما اختبار التوازن بالسير على حبل مشدود على ارتفاع شاهق. أو دعني أشبهه لك بعملية نقل مدينة من موقع إلى موقع. تصور الجهد الذي ينتظرك ابتداء من التعامل مع المواقف المتباينة من فكرة الانتقال نفسها، ومتطلبات الإرضاء لكل صاحب حق في المدينة، ثم اختيار الموقع الجديد بما يرضي الجميع، ثم الجهد الفني الهندسي لعملية الانتقال.


المساهمة الأميركية تمثلت بصورة أساسية في إعطاء الإشارة لمن يدعمون الحرب بأن المباراة انتهت .. وهذا الموقف ترجم نفسه إلى اتفاقات عملية تجاوزت كثيرا من المطالب التعجيزية السابقة

دور الوسيط الأميركي ماذا أضاف للتفاوض وماذا أخذ منه؟

موقفنا من قبول الدور الأمبركي استند إلى منطق بسيط، وهو أن الولايات المتحدة كانت السند الرئيسي للحرب، إما عبر مؤسساتها الرسمية أو شبه الرسمية أو الأهلية، بل وصلت حدا من العدوانية أن قصفتنا بالصواريخ كما يعلم جميع الناس.

فلما أبدت رغبتها في رعاية جهود السلام رأينا أن ذلك ربما فرض عليها موقفا أخلاقيا يجعلها أقل انحيازا ولو ظاهريا، ولا أقول أكثر حيادا، لأنها لم تكن ولن تكون محايدة في هذه المعركة ومسؤولوها أنفسهم لا يزعمون أنهم محايدون في هذا الشأن، لكن شيئا من سكون الهوس بعداء السودان أتاح فرصة تاريخية جديدة كان لا بد من اقتناصها.

والمساهمة الأميركية تمثلت بصورة أساسية في إعطاء الإشارة لمن يدعمون الحرب بأن المباراة انتهت ولا بد من مغادرة الميدان.

هذا الموقف الجديد ترجم نفسه عبر المفاوضات إلى استعداد غير مسبوق للتفاوض الجدي، ثم إلى اتفاقات عملية تجاوزت كثيرا من المطالب التعجيزية في السابق.

بعض الناس يتصور مساهمة الولايات المتحدة بأن تطرح قائمة مطالب على الطاولة ثم تخرج مسدسا وتضعه على رأس من تطلب توقيعه على تلك المطالب، ومن الواضح تأثير صورة الكاوبوي على هذا المشهد، لكن الوضع ليس هكذا ومسالك الضغوط في السياسة العالمية أقل ظهورا وأكثر فاعلية، وليس عيبا في حق بلد أن تمارس عليه الضغوط، لأنه ما من بلد إلا وتمارس عليه الضغوط في تصاريف السياسة الدولية، كبيرا كان أم صغيرا قويا أم ضعيفا، الصين تمارس عليها الضغوط، وكذلك روسيا، بل فرنسا الحليف الغربي تمارس عليها الضغوط، العبرة هي بمدى قوتك ومرونتك في التعامل مع الضغوط.

في رياضة الملاكمة هناك قاعدة تقول "در مع الضربات" بحيث إذا وجهت ضربة إلى رأسك تديره في اتجاه الضربة ليكون وقعها أخف، وبعد ذلك يمكنك أن تستقيم لترد الضربة حسب ما تراه متاحا، فليس العيب في أن توجه لك الضربات، بل ذلك هو منطق المباراة في الأساس، العيب هو في ألا تحسن التعامل مع الضربات فتسقط إما ضعفا أو معاندة غبية تمنعك الدوران مع الضربة. المدافعة في الحياة السياسية فيها كثير من أوجه الشبه مع هذا.


اعتراضاتي ليست متعلقة باتفاق بعينه ولكنها متعلقة بما رأيت أنه اختلال في المنهج..لأن خلل المنهج سيؤدي لزوما إلى خلل النتائج وهو ما ينبغي تجنبه في قضية حساسة تتعلق بمستقبل أمة

ما المهددات الأساسية للعملية السلمية بعد التوقيع؟

هذا سؤال تطول الإجابة عليه، وقد ظل رأيي أنه ينبغي دراسته بصورة متعمقة إذا أردنا حماية السلام واستدامته. لكن هناك مهددات عديدة يمكن تلخيصها في كل عمليات التكيف والانتقال من مناخ إلى مناخ ومن بيئة سياسية إلى أخرى. وعمليات التكيف في الكائنات المعنوية كالدول والمجتمعات مثلما في الكائنات الطبيعية كالنبات والحيوان محوطة بكثير من المزالق.

  • في مرحلة السلام سينشأ واقع سياسي يتسم بحيوية ومدافعة ذات وتيرة عالية قد لا تكون كل القوى السياسية مهيأة للتعامل معها، بما في ذلك الحكومة والحركة.
  • ستكون هناك مصاعب قانونية تتعلق بتفسيرات بعض نصوص الاتفاقية مهما اجتهدنا في توضيحها الآن.
  • ستكون هناك تحولات اقتصادية موجبة لكنها قد تعمق في البداية التفاوت في الثروة بين الأفراد والأماكن كالأقاليم الطرفية.
  • سيكون هناك إقبال خارجي على السودان ومعه أهداف ورغبات وأجندة جديدة.

هذه التحديات التي تبدو مخيفة هي بلا أدنى مقارنة أفضل من خيار الحرب، والناتج منها -لو أحسنا التعامل معه- سيكون خيرا. القاعدة التي ينبغي أن نتذكرها هي أن البلوى تكون أحيانا بالشر وتارة بالخير، والواجب في كلتا الحالتين أن يستجيب المرء بصورة سليمة ليضمن النجاح في الاختبار.

ما مصدر تحفظاتك علي اتفاق الترتيبات الأمنية؟

لقد أوضحت بصورة جلية أنني عازف عن الخوض تفصيلا في هذه المسائل، لأن واجبي نحو وطني يحتم علي في هذه اللحظة الحرجة ألا أفعل فعلا يضر بالسلام، في المستقبل متسع لتوضيح المواقف ولست متعجلا للتبريرات، إنني من المؤمنين بقول زهير إنه "مهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم". أي أن الحق سيصرح حتما عن نفسه وإن لم تحرص أنت على قوله بلسانك.

لقد أوضحت من قبل أن اعتراضاتي ليست متعلقة باتفاق بعينه ولكنها متعلقة بما رأيت أنه اختلال في المنهج الذي حرصت على بنائه من خلال مسيرة السلام المعقدة، وهو ما أراه مسألة جوهرية ومبدئية. لأن خلل المنهج سيؤدي لزوما إلى خلل النتائج، وهو ما ينبغي تجنبه في قضية حساسة تتعلق بمستقبل أمة.

ومع ذلك لا أشتط في الانتصار لنفسي وإنما أتمسك بموقف السلف الصالح أن "رأيي صواب يحتمل الخطأ"، ومهما كان الأمر فلن أتخلى عن دعم مسيرة السلام لأن في ذلك خير الناس.

ما أبرز تكتيكات التفاوض المتبعة بين الطرفين؟

في غالب الأحيان كان التفاوض يمضي عبر نقاش رفيع وحجج مسبوكة، أحيانا بالطبع كان الانحدار إلى تكتيكات بائعي البطيخ، وأظنك تدري ما أرمي إليه، لكنه لم يكن كثيرا، على كل حال هناك نزعة فطرية عند بعض الناس لهذا التكتيك عندما يبلغون درجة الإعياء.

ما التنازلات المطلوبة من الحركة الإسلامية لإنجاح الشراكة مع الحركة الشعبية؟

ليس التفاوض هو نيابة عن الحركة الإسلامية، التفاوض من الجانب الحكومي أخذ في الاعتبار مصالح جميع السودانيين أفرادا وجماعات، شماليين وجنوبيين، مسلمين ومسيحيين، طلبا لسلام عادل ومستدام لا يخصم من حق أي فئة. لهذه الأسباب رفضنا وثيقة ناكورو، لأنها بدت منحة تحفيزية للمؤتمر الوطني على حساب مصالح جوهرية للوطن كله.

صحيح أننا نأتي من خلفية الحركة الإسلامية ونحمل رؤيتها، لكننا وجدنا أنفسنا في هذه المفاوضات وكلاء عن بقية المواطنين، والأمانة تستوجب أن تقوم الشراكة مع الحركة على أسس تحفظ مصالح هؤلاء المواطنين جميعا.

ماذا عن الأعداء المحتملين للسلام القادم؟

هذا من ضمن مهددات السلام التي تحدثنا عنها سابقا، هناك مهددات من تلقاء الظروف التي ستنشأ من واقع السلام، كما أن هناك أفرادا سيتضررون من السلام، أو على الأقل سيبدو لهم أنهم متضررون. واجبنا هو تطمينهم وتسكينهم أو منعهم من تخريب السلام، على كل حال فإن خوفي من الإخفاق في التعامل مع واردات السلام وتحدياته هو أكثر من خوفي من المهددات التي تأتي من أفراد أو مجموعات أو شلل.

من خلال تجربتك التفاوضية هل ترى الحركة الشعبية أقرب إلى الوحدة؟

على مستوى قيادتهم أظنهم أقرب إلى الوحدة

لماذا تراجع الدور المصري في عملية السلام؟

أعتقد أن ذلك مرتبط بمجمل الترتيبات الغربية في منطقتنا، وأظنهم يحذرون من دور مصري متوغل في أفريقيا، وهذا للقارئ المدقق في التاريخ داء قديم.


ليس لدي اتصالات محددة مع المؤتمر الشعبي أو مع الشيخ الترابي تخصيصا بمعنى مبادرة تحمل عروضا ومطالب. ولست حتى من المتعجلين إلى وحدة الحركة الإسلامية الآن.

هنالك أحاديث تروج بأن سبب الاستقالة هو إحساسك بأن رفع التفاوض (لمستوى النائب الأول علي عثمان طه ورئيس الحركة الشعبية العقيد جون قرنق) انتقص من دورك في العملية السلمية، كأنك تأسى على مجد شخصي عبر إنجاز مشروع للسلام ضاع منك كيف تقرأ هذا الرأي؟

لو كان حرصي هو على المجد الشخصي لما تقدمت باستقالة في اللحظة الأخيرة، لحظة الكاميرات والصخب الإعلامي، ولحرصت على البقاء في المسرح بأي ثمن ولأطول فترة انتظارا لتصفيق الجماهير.

ذلك لم يكن قط في حساباتي رغم أن المرء مجبول على حب الثناء غريزة ولو لم يأت هو بالفعل الذي يستحق عليه الثناء.

أنت تعلم أن أدب الاستقالات ليس شائعا في عالمنا هذا، وأرجو في ضوء هذه الحقيقة أن يعيد أي صاحب ظن سيئ النظر في ظنه.

ما مشاريعك المستقبلية هل ستعود للتدريس في الجامعة؟

العالم منفتح أمامي انفتاح السماء على الأرض، لقد علمتني التجربة أن في كل موقع أو موقف جديد هناك عناصر نجاح وفرصة لإقلاع ممتع آخر، الأمر يتوقف فقط على إدراكك معطيات الموقف الجديد لتتعامل معه بصورة صحيحة. ههنا يرد إلى وعيي مباشرة أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- "اتق الله حيثما كنت"، كما يرد قول بعض النساك "قم حيث أقامك الله"، ومن هنا تعلمت أنه حيثما حطت رحالي أقمت خيامي ونشأت في بناء جديد والتعامل مع مهمة جديدة في غاية الإمتاع.

هل ستواصل الاتصالات بالمؤتمر الشعبي والشيخ حسن الترابي؟

ليس لدي اتصالات محددة مع المؤتمر الشعبي أو مع الشيخ الترابي تخصيصا بمعنى مبادرة تحمل عروضا ومطالب. ولست حتى من المتعجلين إلى وحدة الحركة الإسلامية الآن.

لقد أوضحت لفظا وأثبت عملا من خلال مسيرة التفاوض وتداعيات جهود الوفاق الوطني إيماني بضرورة تثبيت الوحدة الوطنية، لأن ذلك من الشروط الجوهرية لإقامة السلام واستدامته.

لهذا ظلت اتصالاتي ودعوتي قائمة مع كل القوى السياسية والاجتماعية ليسهموا في تحقيق ذلك، وفي آخر جولة شاركت فيها دعوت تلك القوى للمشاركة معي في الجولة التفاوضية وشاركني وفد من قرابة الخمسين شخصية وطنية، وكانت تجربة ناجحة وتمرينا مهما لتحديات السلام القادمة. هذا الإيمان لن يفارقني، وأرجو ألا يفارقني، لأنه مقتضى الدين وحسن الخلق وواجب المواطنة الصالحة، وأيما اتصالات تؤدي إلى الأهداف التي ذكرتها ستظل قائمة بيني وبين جميع السودانيين، ولا أرى في هذه المسألة مبررا لغضب أحد أو إحنته.

قيل إنك تهيئ نفسك للمنافسة والعودة لمنصب الأمين العام للمؤتمر الوطني؟

صدقني أن هذا الاتهام وما هو أسوأ منه من اتهامات لم يعد يرعبني.

هل هنالك أصوات داخل الحكومة أو الحزب تؤيد رؤيتك التفاوضية؟

بالضرورة إزاء أي قضية جوهرية ستجد من يؤيدك ومن يعارضك على حد سواء.

هل كانت هنالك مساع من قبلكم أو من قبل وفد الحركة الذي زار الخرطوم لعقد لقاء بينكم؟

لا علم لي بمساع كهذه. لكنهم، مشكورين، بعثوا لي بتحية مع طرف ثالث ورددت عليهم بمثلها.