حمولات ثقافية
مواصفات المسلسلات
الانعكاسات التربوية والثقافية

لا شك أن وسائل الاتصال الحديثة "وسائل القتال الحديثة" مرئية ومسموعة ومقروءة تعتبر محركا رئيسيا لسلوك الفرد.

وحيث إن السلوك يشمل كافة الأنشطة التي يقوم بها الكائن البشري من أفعال وأقوال وأفكار تكون مدفوعة بمحركات وراثية (بيولوجية) ومكتسبة، تتمثل في الدوافع والغرائز والحاجات النفسية، فإن مشاهدة البث الفضائي بما في ذلك المسلسلات المدبلجة تعتبر سلوكا مدفوعا ببعض تلك المحركات.

 
ويصنف العلماء الدوافع الاجتماعية والحاجات النفسية إلى ثلاثة مستويات، يكون أولها الحاجات والأنشطة السلوكية العامة لكل البشر، ومن أمثلتها تكوين الأسرة وتربية الأطفال، وثانيها الأنشطة السلوكية الثقافية، ومنها التي ترتبط بالثقافة والدين، وهي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لكل أمة، وثالثها الأنشطة السلوكية الفردية التي يختلف فيها الرجل عن المرأة والكبير عن الصغير وحتى الأخ عن أخيه.
 
وإذا ما تفحصنا هذه المثيرات أو المحركات السلوكية لوجدنا فروقات شاسعة بين الثقافة العربية الإسلامية وثقافة المسلسلات العلمانية المتطرفة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن أسباب إدمان المواطن العربي على مشاهدة مثل هذه المسلسلات المحملة بقيم غريبة وأساليب للحياة الأسرية غير معهودة لدى غالبية المجتمعات العربية.

هذا و يمكن القول بأن المسلسلات التركية المدبلجة أحدثت ضجة صاخبة في الأوساط الاجتماعية والتربوية العربية بين ناقد ورافض وبين منبهر ومتابع، وهي مسلسلات علمانية يصعب وجود مبرر للإدمان على مشاهدتها من قبل جمهور المسلمين أو حتى المسيحيين العرب.

"
الإشباعات الوهمية هي ما يجده المواطن العربي في مشاهدة المسلسلات، حيث يستمتع الشاب المراهق أو المراهقة بمشاهدة بطل المسلسل ويتقمص شخصيته لباسا وحديثا وسلوكا
"
مسببات الإقبال

وهناك مسببات للإقبال المفرط على مشاهدة هذه المسلسلات من قبل المشاهد العربي من الجنسين من مختلف الفئات العمرية.

ويصنف علماء النفس الحاجات النفسية إلى حاجات أساسية، منها الحاجة إلى الأكل والشرب والنوم والأمن، وهي حاجات أساسية تحافظ على بقاء النوع واستمراره، وأخرى مكتسبة أو ثانوية نذكر منها الحاجة إلى الحب والقبول من الآخرين والترفيه وحرية الاختيار وتحقيق الذات وإشباع الميول والاتجاهات التي يكتسبها الفرد خلال مراحل نموه.

وإذا ما نظرنا إلى الظروف الحياتية الحالية التي يعيشها المواطن العربي مقابل إشباع تلك الحاجات -أساسية كانت أو مكتسبة- نجد أن الأوضاع السيئة للبلدان العربية تجعل المواطن يعاني من القمع والظلم والفشل والإحباط وفقدان الأمن وويلات الجوع والمرض والجهل.

وبما أن الفرد كما يرى علماء التربية وعلم النفس مزود بقدرات مناعية نفسية تسمى "وسائل الدفاع النفسي" يستخدمها الفرد كحيل لاشعورية لإشباع حاجاته وهميا أو خياليا، ما يساعده على خفض التوتر الناتج عن الفشل والإحباط الناتج عن عدم قدرته الفعلية على الإشباع.

ومن هذه الحيل الكبت والتقمص والتوحد، ويعتقد بأن هذه الإشباعات الوهمية هي ما يجده المواطن العربي في مشاهدة المسلسلات، حيث يستمتع الشاب المراهق أو المراهقة بمشاهدة بطل المسلسل ويتقمص شخصيته لباسا وحديثا وسلوكا طمعا منه في استقطاب عطف أو حب أو انتباه الجنس الآخر.

إضافة إلى ما يحتويه المسلسل من أزياء مبهرة ومناظر طبيعية خلابة  وجمال ووسامة الممثلين والممثلات، تجعل المراهقين يعيشون ساعة رومانسية جميلة حتى لو كانت خيالية أو شعورية.

تقليد الآباء
أما الطفل فترى النظريات التربوية بأنه يتوحد مع أبويه أو مربيه  شعوريا، ويتعلم منهما عن طريق التقليد والمحاكاة، فيفرح عند رؤيتهم فرحين ويبكي إذا رآهم يبكون حتى لو لم يعرف الأسباب، ومن هنا تعلق بعض الأطفال بمشاهدة هذه المسلسلات لأنهم رأوا آباءهم وأمهاتهم متعلقين بمشاهدتها وتثيرهم أحداثها المبهرجة تقليدا لسلوك الكبار.

وأما النساء اللاتي تربين في ظل ثقافة تسودها مفاهيم وأوامر دينية، فهن باقيات في البيوت يعانين فراغاً عاطفيا وهموما عائلية وضغوطات زوجية تخص السلوك واللباس والمسؤوليات الأسرية التي تجعلهن عرضة للهروب من الواقع ولو عن طريق الخيال، حيث يسرحن مع أحداث المسلسل الذي يرجعهن إلى سنوات الشباب والغراميات والأزياء  الفاخرة، وذلك نتيجة للفراغ العاطفي والبطالة والقيود الأسرية والثقافية التي تمارس على المرأة العربية.

أما الرجال فهم يجدون متنفسا في مشاهدة المسلسل لشغل أوقات فراغهم والتمتع بالنظر إلى الجنس الآخر بأزياء مختلفة عن تلك المعهودة لديهم، ولخفض توتراتهم من أعباء الحياة اليومية كالأعمال الشاقة وتسلط الآخرين والقلق على مستقبل أطفالهم.
 
 
تتميز المسلسلات بإخراج جيد ومناظر طبيعية خلابة، ويجري تصويرها في إنشاءات فارهة وجميلة وبأزياء وموسيقى جذابة.

وتستعرض علاقات اجتماعية وأحداثا مثيرة تمتد بين الوفاء والخيانة والأمانة والغدر والإيثار والأنانية والقناعة والنهم، وغيرها من المتناقضات السلوكية التي تشد انتباه المشاهد وتقدح غرائزه ليحب شخصية ويكره الأخرى، ما يدفعه لمتابعة حلقات المسلسل وانتظار النتائج للتحقق من صحة توقعاته لما سيحدث في الحلقات القادمة.

وكل ذلك عوامل مساعدة على شهرة هذا النوع من المسلسلات، إضافة إلى ما يتمتع به أبطال تلك المسلسلات من مواصفات الوسامة والجمال والرومانسية والوفاء، جعلت منهم نماذج للعشاق، وأشبعت ما هو مفقود في العلاقات العاطفية للكثير من المشاهدين.

"
اللهجة السورية المستخدمة في المسلسلات لهجة شامية مرغوبة لسلاسة نطقها وانتمائها لأقطار الشام
"
سهولة اللهجة
ومن هذه العوامل المساعدة اللهجة السورية التي استخدمت في المسلسلات، وهي أيضا لهجة شامية مرغوبة لسلاسة نطقها وانتمائها لأقطار الشام.

إضافة إلى أن اللغة العربية تتميز بقدرة ناطقها على استخدام الحروف الحلقية الصعبة، ما ساعد على فهم اللهجات العربية التي يكون مصدرها جميعا اللغة العربية الفصحى.

وقد ساعدت القنوات الفضائية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي  على تداول اللهجات المحلية بين مختلف الأقطار العربية، ما ساعد على فهم اللهجة السورية.

والثقافة التركية أيضا لها دور أيضا في شهرة هذه المسلسلات كمراسم الزواج والموسيقى الشرقية وتقارب بعض العادات والتقاليد العربية الموروثة من السيطرة العثمانية على الوطن العربي لمئات السنين، إذ جعلت من أحدات المسلسل شيئا يكاد يكون مألوفا للمواطن العربي الأمر الذي استقطبه لمشاهدته.
 
إن غريزة حب الاستطلاع جعلت عددا من المشاهدين يتابعون تلك المسلسلات لمجرد أنهم رأوه أو سمعوا بأن غالبية الناس يتابعونها، إضافة إلى أن جدل الأصدقاء ونقاشهم حولها تجعل البعض مضطرا لمتابعة أحداثها كي يشاركوا في تلك المجادلات، ويتخذوا موقفا معينا من الموضوع.

لقد أثبت التاريخ بأن لكل شيء وجهين: وجها مضيئا وآخر مظلما، والمسلسلات التلفزيونية لا تخرج عن هذا الإطار، فبالقدر الذي يستفيده المشاهد من الترفيه والتعرف والانفتاح على الثقافات الأخرى وإثراء حصيلته اللغوية، ربما يتعلم أساليب التعامل مع بعض المواقف الحياتية، إلا أنه في المقابل قد يتضرر من هذه المشاهدة.

وكما أسلفنا الذكر فإن الأمر يتوقف على عدد من المتغيرات التي من أهمها المصدر الثقافي للمسلسل وأهدافه من ناحية، ونوعية المشاهد من حيث ثقافته ومرحلته العمرية وقيمه الدينية من ناحية أخرى.

"
المسلسلات المدبلجة لا تعكس حقيقة حياة العائلة التركية المسلمة بل هي أحداث خيالية لا تقترب من الواقع
"
تخريب القيم

وبما أن الحديث يدور حول المسلسلات التي تنتمي إلى ثقافة علمانية غربية مثلها مثل القنوات الفضائية التي تبث برامج تستهدف إفساد الشباب المسلم من خلال الإثارة الجنسية مستغلة بذلك بطالته وحرمانه وضعف أداء وسائل إعلامه، لتدفع به إلى أنماط سلوكية انحرافية تتناقض مع قيمه ومعتقداته الدينية..

فإن أهداف هذه المسلسلات كما يبدو ممن تم استقصاء آرائهم أو الذين أبدوا آراءهم من خلال الصحف وشبكة المعلومات الدولية، أهداف مادية صرفة تشجع على جمع الأموال وترسخ قيم الرأسمالية التنافسية وإفساد القيم الدينية الإسلامية.

ويؤكد ذلك ما يحدث على أرض الواقع في تركيا نفسها من صراعات بين العلمانيين والإسلاميين إلى درجة دفعت بالرئيس التركي إلى التنصل من مسؤولية انعكاسات مثل تلك المسلسلات، وذلك بقوله "هذه ليست حياة الأتراك، وباعتقادي الهدف الأعظم للمسلسل هو الترويج لتركيا وبنات تركيا".

بعيدا عن الواقع
إن ما يدور في حلقات المسلسلات المدبلجة من أحداث لا تعكس حقيقة حياة العائلة التركية المسلمة، بل هي أحداث خيالية لا تقترب من الواقع، إذ كثير من برامج القنوات الفضائية العربية والأجنبية تستهدف تحقيق نفس الأهداف، وهذا ما أشار إليه الكاتب محمود فرج بقوله "إن انتشار الفضائيات أحدث انقلابا خطيرا في معايير القيم وتسبب في عدوان على العقل" فقد غابت مرجعية القيمة الإيمانية داخل هذه الفضائيات.

ويؤكد كذلك الكاتب عبد العزيز السيد أن منتجي هذه المسلسلات يسعون إلى هدف رئيسي هو بث سم أخلاقي. ومن وجهة نظر دينية نجد الشيخ السعودي عبد العزيز آل شيخ قد أفتى بعدم جواز مشاهدة تلك المسلسلات.

أما فيما يخص الآثار السلبية على المشاهد فقد تكون الأبعاد التربوية السلبية أكثر وقعا على الشباب والمراهقين من الجنسين الذين ما زالوا في مرحلة تنمية ميولهم واتجاهاتهم وتحديد مسارات سلوكياتهم القيمية والأخلاقية والدينية والفلسفية.

وأما الرجال والنساء الذين تجاوزوا مرحلة الشباب فقد يثأثرون سلبا بمشاهدة تلك المسلسلات، غير أن هذا الأثر يعتقد بأنه وقتي، كحدوث بعض حالات الطلاق التي لها آثار مدمرة تربويا على الأطفال.

يتضح مما سبق أن الجمهور العربي يرى أن الأوضاع العربية السيئة في بعض الأقطارهي التي تؤدي إلى محاولة الهروب من الواقع والبحث عن شيء يحقق الارتياح ولو بطرق غير واقعية مثل متابعة برامج القنوات الفضائية والمسلسلات.
_______________

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك