- وعود ديلسبس، المواجهة مع الإنجليز
- محاكمة عرابي، خلافات في المنفى

- أبطال في المنفى منسيون في الوطن

صلاح عيسى
صفوت الزيات
عبد الوهاب بكر
رفعت السعيد
لطيفة سالم
عماد همام: "الآن وقد وضعت الحرب أوزارها آمل أن أوضح لك أن صداقتنا ليست مجرد كلمات فقط، من المحتمل أنك ستقدم إلى المحاكمة سواء بتهمة التمرد أو لتهمة أخرى يصعب علي الآن معرفة طبيعتها ومخاطر الإدانة العاجلة قائمة ما لم يكن دفاع ماهر وقوي". المقطع السابق هو من رسالة وردت من كتاب "التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر" وقد شرع ويلفريد سكاون بلانت في كتابته بمصر في العام 1895 بينما الرسالة التي كان هو نفسه مرسلها من لندن تحمل تاريخا أبعد 22 سبتمبر/ أيلول 1982 لكن ترى من كان المرسل إليه وأين كان عنوانه البريدي حينها؟ "التقارير الواردة من مصر الآن توضح أن الناس إما أنهم غير مصدقين أن عرابي قد ألقي القبض عليه أو أنهم يعتقدون أنه قد توصل مع القوات البريطانية إلى اتفاق لمصلحته هو، الناس الأكثر جهلا على قناعة بأن عرابي يقوم الآن برحلة تستغرق أربعين يوما في السماء". لكن عرابي واقع الأمر لم يتلق رسالة بلانت في السماء بل في ثكنات العباسية بالقاهرة حيث كان رهن الاعتقال، فكيف صار هذا مآل الرجل الذي كان قبل بضعة أسابيع فقط هو الحاكم الفعلي لمصري؟

وعود ديلسبس، المواجهة مع الإنجليز

عماد همام: الإسكندرية في 13 يوليو/ تموز 1882 كتائب المشاة الإنجليزية تنزل للبر وتحتل رأس التين بينما الخديوي في قصر الرملة على بعد أميال معدودة يرسل له عرابي وزير الجهادية قطارا ليأتي به إلى القاهرة لكن الخديوي يرفض وعوضا عن ذلك يعود لقصر رأس التين في حماية الإنجليز ويرسل برقية لعرابي يحمله تبعات القصف ويطالبه بإلقاء السلاح والمجيء لرأس التين، يرفض عرابي بدوره ويبرق للخديوي قائلا "فإذا كنت يا مولاي حرا يجب حضورك إلى عاصمة بلادك أما إذا كنت أسيرا أو متحيزا للإنجليز فلا يمكنني التسليم بما يكتبه العدو عن سموكم".

صلاح عيسى/ كاتب صحفي: مع بدء الغزو انقسمت مصر إلى أمتين دولة مقيمة في الإسكندرية يقيم فيها الخديوي ومجلس الوزراء الذي كان قد شكله برئاسة راغب باشا وعدد من العناصر التي تسانده من العناصر المدنية التي تسانده هؤلاء أقاموا في الإسكندرية دولة مستقلة ممالئة للاحتلال ومؤيدة للغزو البريطاني لمصر وعرابي لجأ في ذلك الحين إلى إنشاء مؤسسات، مؤسسة تدير الأوضاع المدنية للدولة اللي هي المجلس العرفي وده كان مكونا من وكلاء النظارات من وكلاء الوزارات باعتبار أن الوزراء أنفسهم كانوا موجودين آنذاك مع الخديوي في الإسكندرية وده المجلس العرفي والمجلس الثاني اللي هو مجلس طبقات الأمة.

عماد همام: في 17 يوليو/ تموز وبدعوة من عرابي اجتمعت بالقاهرة جمعية عمومية قوامها أربعمئة من الأمراء وكبار العلماء وكبار الرؤساء الروحانيين والنواب ووكلاء الدواوين والتجار والأعيان إضافة لشيخ الإسلام وقاضي قضاة مصر ومفتي الديار، وقد بحثوا الموقف وأجمعوا على وجوب الدفاع عن البلاد.

صفوت الزيات/ محلل عسكري: كانت هناك خطة من خمسة محاور أعدها محمود باشا فهمي رئيس الأركان كان التركيز في المحور الأول على منطقة كفر الدوار، المحور الثاني سيتم التركيز على منطقة رشيد، المحور الثالث في المنطقة بين رشيد وبحيرة البورولوس، المنطقة الرابعة كانت منطقة دمياط ثم المحور الخامس سيكون خط التل الكبير الصالحية.

عماد همام: على مشارف كفر الدوار تقع هذه المنطقة عزبة كينغ عثمان التي انسحبت القوات من الإسكندرية واستقرت عندها حيث إن طبيعتها التيبوغرافية كانت تلبي تماما متطلبات الخط الدفاعي المنيع وكجزء من الخطة ذات الخمسة المحاور.

صفوت الزيات: المحور الأول سيكون في منطقة كفر الدوار التي تراجعوا إليها والتحصينات إلى حد كبير كنت رائعة في ثلاثة خطوط بين كل من ربما تحدثت من بحيرة مريوط وبحيرة أبو قير وبالتالي سيجبر البريطانيون إذا أردوا التقدم تجاه كفر الدوار بمحاذاة خط السكة الحديد وهنا سيكون الأداء المصري عبر الأداء رائع، وكان فعلا الأمر الذي أفشل كل هجمات البريطانيين يوم 5 أغسطس و7 أغسطس وحتى وصولا إلى 20، 21 أغسطس.

عماد همام: من الإسكندرية أصدر توفيق مرسوما بعزل عرابي وعلق بالشوارع منشورا يحدد أسباب العزل، ومن المضحك أنه قد أخذ عليه إخلاء المدينة دون مقاومة في نفس الوقت الذي دافع فيه عن نوايا الإنجليز مبررا الاحتلال بغرض المحافظة على الأمن، ومجددا رد عرابي برد الجمعية العمومية للانعقاد في القاهرة حيث تليت فتوى شرعية من ثلاثة من علماء الأزهر بمروق الخديوي. في هذا الوقت كان كل من له دراية بالفن العسكري يرى بجلاء أن الخطة الدفاعية رغم فاعليتها إلا أنها ما زالت تكتنفها ثغرة خطيرة، طرحت الملاحظة بشأن ضرورة ردم قناة السويس للمرة الأولى في اجتماع كفر الدوار في 13 يوليو/ تموز كانت الظروف والوقت حينها ما يزال أكثر من كاف لوضع الاقتراح موضع التنفيذ إذ أن عرابي رفض الفكرة.

صفوت الزيات: هذا هو الخطأ الثاني لعرابي باشا وهو الخطأ القاتل في تصوري، عرابي باشا كان ربما رجلا بتغلب عليه مسائل الاعتبارات السياسية على المسائل العسكرية وكان يتربى إلى حد ما في كنف الطاعة والإحساس بالمسؤولية السياسية أكثر مما هي الضرورات العسكرية والعملياتية على الأرض.

عماد همام: بدأ الإنجليز في اللعب بورقة القناة على نحو تدريجي. في 26 يوليو/ تموز دخلت السفينة أوريون القناة من دون مظاهر عسكرية وألقت مراسيها ببحيرة التمساح وقيل إنها قد حملت جنودا في ثياب مدنية تحايلا على اتفاقية حياد القناة وهي الاتفاقية التي شاء عرابي أن يكون أكثر الأطراف تصديقا لفاعليتها.

صفوت الزيات: ديليسبس على نحو خاص لعب دورا في إقناع عرابي بأن القوانين الدولية تمنع البريطانيين من مجرد التفكير في عبور القناة طالما هم في حالة حرب مع مصر ويعد أنه لا جندي بريطاني سيهبط على أي من نقاط قناة السويس وإذا هبط سيهبط معه على التوازي جندي فرنسي.

عماد همام: لا توجد أي أدلة يقينية حول ما إذا كان ديليسبس يخادع نفسه أو يخادع عرابي وهو يتعهد له المرة تلو الأخرى بمنع الإنجليز من استخدام القناة ولكن الأغلب أن عرابي لم يتابع السجال الدائر حول هذه المسألة في الأوساط الأوروبية والمؤكد أنه لم يشاهد هذا الرسم الكاريكاتوري البليغ الذي يصور ديليسبس يحاول التصدي للقوات الإنجليزية باستخدام ريشة كتابة.

صفوت الزيات: هو ربما يكون قد تصور أو اقتنع أو أوهم نفسه بصدق ديليسبس وبقدرة ديليسبس على أن يمنع أي قوات عسكرية من أن تستخدم القناة، تصور أن ديليسبس قادر على ذلك.

عماد همام: في 28 يوليو/ تموز قوات إنجليزية آتية من عدن ومن الإسكندرية تقف على مشارف السويس وبور سعيد ومرة أخرى لا ينتبه عرابي للخطر المحدق، بعد خمسة أيام يحتل الإنجليز السويس دون مقاومة وهذه المرة يحتج عرابي لدى ديليسبس الذي يرد ردا غريبا بأن السويس لا تعد ضمن قناة السويس فالقناة يبدأ حدها الجنوبي إداريا من بور توفيق، والأغرب أن عرابي يغض الطرف.

عبد الوهاب بكر/ رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة الزقازيق: الغفلة يا سيدي، الغفلة هي سيئة عرابي ولو كان عرابي حصيفا وسياسيا قديرا لكان يعني قد رفض ما قاله له ديليسبس وردم القناة ليمنع دخول السفن الأجنبية إلى داخل البلاد.

عماد همام: وأخيرا يحتل الجيش الإنجليزي منطقة الشلوفة شمال السويس ويعلن القناة منطقة عمليات عسكرية يحظر على السفن المدنية دخولها وهنا فقط يرسل ديليسبس لعرابي معتذرا ويخطره أنه -أي عرابي- في حل من اتخاذ أي تدابير يراها ضرورية، إلا أن الوقت كان قد فات ميدانيا لاتخاذ أي إجراء. في اليومين التاليين يجري قصف الإسماعيلية ومن ثم احتلالها وبعد السيطرة على خط سكة حديد الإسماعيلية السويس يبدأ الإنجليز في 22 أغسطس/ آب بالزحف غربا.

صفوت الزيات: سيتقدم الجيش البريطاني إلى تل المسخوطة وسيحاول المصريون تنظيم دفاعاتهم على هذا الخط ولكن مناورة لواء الحرس الخاص بالفرقة الأولى البريطانية نجحت في طوي الدفاعات المصرية في اتجاه ربما خط سكة الحديدة وترعة الإسماعيلية.

عماد همام: في اليوم التالي لمعركة تل المسخوطة استولى الإنجليز على القصاصين بدون مقاومة تذكر إلا أن القصاصين بعد ذلك ستكون مسرحا لما عرف بمعركة القصاصين.

صفوت الزيات: كان الجنرال غارنت ويلسلي بارعا في أنه قام بدفع إمدادات كثيرة جدا إلى القصاصين، الأهم من ذلك أنه نجح في استصدار فرمان من السلطان العثماني بأن أحمد عرابي باشا عاص.

عبد الوهاب بكر: منشور السلطان بعصيان عرابي قطع يعني وريد الثورة وأظهر العالم الإسلامي قبل العربي أن السلطان لا يؤيد الفرمان، وبالتالي فإن الخوف من تهمة خيانة أو عصيان السلطان كان أمرا على رقاب المسلمين.

صلاح عيسى: مكانة الخليفة العثماني في ذلك الحين كانت مكانة بالغة التأثير في الشعب المصري، القول بأن عرابي عاص يعني أنه كافر.

رفعت السعيد/ مفكر وسياسي: جاءت جريدة الجوائب العثمانية فيها بيان ناما صادر من الجناب المعظم أمير المؤمنين خاقان البرين والبحرين خليفة المسلمين بأن عرابي ومن معه عصاة بغاة ويتعين معاملتهم بهذه الصفة، فالناس اللي كانت تعتبر أن الخليفة ده شخصية يمثل الإسلام بدؤوا يخافون، المثقفون خافوا.

عماد همام: برغم تراجع المعنويات على خلفية منشور العصيان إلا أن القوات المصرية في 9 سبتمبر/ أيلول 1882 تشن هجوما هو الأعنف في محاولة استعادة القصاصين، والواضح أن هذه المعركة قد أقنعت ديلسبس بضرورة اتخاذ أقصى درجات الحيطة في التل الكبير، وقد حفظت وثائق وزارة الحرب البريطانية شهادة ويلسلي عن أداء الجيش المصري حيث إنه وصف أداء الجيش المصري في القصاصين "ثبت أن أداءهم كان رائعا جدا ويعبر عن شخصية عظيمة". في العاشر من سبتمبر/ أيلول قام الجنرال غارنت ويلسلي بالتصديق على الخطط الميدانية على معركة التل الكبير والتي ما زالت موجودة ضمن وثائق المخابرات العسكرية البريطانية ويبدو أنه كانت لديه أعمال استطلاع غاية في الدقة كما تظهر هذه الخريطة التي تسجل كل تفاصيل المنطقة بدءا من المعالم الطبيعية وخطوط الدفاع الأمامية وصولا إلى مقر القيادة المتقدمة لعرابي شمال ترعة الإسماعيلية والثكنات جنوب الترعة وبجوارها برج الاستطلاع هذا، يشار للبرج هنا بعبارة round high tower بينما يطلق عليه العامة "تبة عرابي" ويتناقلون الأساطير أن التبة هي المكان الذي انكسر فيها عرابي وهي أقاويل ليس لها بالطبع أي أساس عسكري اللهم إلا إذا اعتبر فشل التبة بارتفاعها لكبير في تحقيق أي استطلاع مضاد هي انكسار في حد ذاته.

صفوت الزيات: الآلاي الذي كان في المنتصف هو آلاي علي يوسف وهذا الرجل هو الذي تواطأ في معركة القصاصين قبلها بـ 13 يوم وسلم خطة العمليات إلى الجنرال غارنت ويلسلي وهذا الرجل لم يقم سواتر دفاعية كما أمره علي باشا الروبي ولكنه سيضع قواته في نصف قوس بدون ساتر ترابي وسيجعل بعض المناطق مفتوحة وسيضع فيها بعض المصابيح الليلية لاسترشاد القوات البريطانية فيها عند اختراق الخط الدفاعي الأمامي للقوات المصرية.

عماد همام: ذكر الجنرال ويلسلي في وصف موقع الجيش المصري بالتل الكبير "كان من شأن مهاجمة موقع بهذه القوة نهارا بالقوات التي في حوزته تكبد خسائر كبيرة وعلى هذا فقد قررت الهجوم قبل الفجر قاطعا الأميال الستة التي تفصل موقعي عن العدو في الظلام، لقد أيقنت عن طريق الاستطلاعات أن العدو لم يدفع خلال ساعات الليل بخطوطه الأمامية إلى أبعد من مواقع قواته وهو ما جعله في وضع سيء جدا".

صفوت الزيات: عرابي إلى حد ما لم يكن رجلا من رجال الفن العسكري أو الفن العملياتي ولم يكن يتمتع بتلك البراعة التي ربما لدى محمود باشا فهمي ومثل رجل آخر مثل علي باشا فهيم أو راشد باشا حسني الذي كان يتولى قيادة الجبهة الشرقية.

عماد همام: "وبمجرد حلول ظلام اليوم الـ 12 ذهبت إلى معسكري في القصاصين وتحركت القوات، لم يسمح بإطلاق النار وتم منع التدخين وحافظ الجميع على الصمت التام وفي الساعة 1:30 من صباح اليوم 16 من الشهر أصدرت الأوامر، كان ذلك مفاجئا للعدو واكتشف جنود الحراسة المتقدمة وهم يطلقون النار باتجاهنا مدى قربنا الشديد من خطوط مواقعهم".

صفوت الزيات: سريعا جدا المدفعية البريطانية تقوم بقصف الخط الأمامي وحتى الخط الدفاعي الخلفي، سريعا جدا يتم الاقتحام من منطقة الآلاي اللي وسط الآلاي علي يوسف، بينما فرقة الفرسان سريعا جدا تأتي بمناورة وتصل ربما إلى مشارف معسكر التل الكبير حيث فوجئ أحمد باشا عرابي بقيام الجنود البريطانيين بمحاصرة معسكره.

عماد همام: ولا ينسى ويلسلي أن يطري في تقريره على قواته قائلا "كانت هناك منافسة كبيرة بين التشكيلات على من يقتحم خطوط العدو أولا فتوجه الجميع نحوها بصورة مباشرة" وهو إطراء مستغرب لشجاعة قوات أنجزت في النهاية هجومها تحت جنح الظلام وباستخدام الخيانة وضد قوات كانت أبعد ما تكون عن وضعية القتال.

صفوت الزيات: هذه هي الحروب، الحروب دائما لا جائزة للمركز الثاني، الذي يحتل المركز الثاني لا جائزة لديه، فلذلك تتوقع كل هذه العبقريات ولكن على سبيل المثال من يتحدث عن محمد عبيد باشا الذي أدى هذا الأداء البارع على طول طريق الإسماعيلية وخط السكة الحديد واستشهد بكامل الأرطتين حسن أفندي رضوان الذي غارنت ويلسلي من إعجابه به وصموده سلم له سيفه تحية لهذا الرجل العظيم.

محاكمة عرابي، خلافات في المنفى

عماد همام: فجر 13 سبتمبر/ أيلول 1882 أشرقت نفس هذه الشمس على نفس هذه الأرض ولكن المشهد كان مختلفا. أيا ما كانت التقديرات لعدد القوات المصرية فالأكيد أن من ثبت وقاتل قتالا فعليا أن يكون لعرابي النصيب الأكبر منها مما زاد من هوة الخلاف بين رفاق الأمس، وصل الانقسام لذروته على خلفية الالتماس الذي أرسل به كل من محمود فهمي وعلي.. عندما ارتفعت الشمس في كبد السماء كان عرابي قد وصل القاهرة ليجتمع بالمجلس العربي ويخبرهم بالهزيمة ويصيغ الاتفاق على إنشاء نطاق للدفاع عن العاصمة إلا أن عرابي وبعد زيارة تفقدية لثكنات العباسية يعود فيجتمع بالمجلس صباح اليوم التالي لبحث ترتيبات الاستسلام، بحساب سرعة تحرك فرقة الميجر درولي لو المتجهة إلى القاهرة كان لدى عرابي من الوقت ما يكفي ليتوجه برفقة طلبة عصمة ويزوروا علي فهمي المصاب منذ معركة القصاصين بعدها مباشرة يتوجهان إلى منزل عرابي حيث يبدلان ثيابهما ويتهيئان للاستسلام، ومن المفارقات أن هذا المنزل قد جرى تحويله فور اعتقال عرابي إلى مستشفى تحمل اسم الليدي سترنج فورد حيث جرى فيه علاج مصابي التل الكبير. يوم 16 أرسل الجنرال ويلسلي مخطرا وزير حربيته بانتهاء العمليات العسكرية ومن ضمن ما ذكر "تم نزع سلاح جميع القوات المصرية وتسريح أفرادها، عرابي وطلبة في الحبس وقد استسلما لنا من دون شروط"، والواقع أن ويلسلي قد جانبته الدقة عندما تحدث عن استسلام عرابي وطلبة عصمة بدون شروط فالدلائل كلها تشير إلى أنهما قد توجها في التاسعة مساء يوم 14 إلى ثكنات العباسية حيث التقيا الميجر درولي لو وتفاوضا معه على الاستسلام شرط أن يكونا في عهدة الحكومة البريطانية وليس المصرية، وقد وافق درولي على الفور فقاما بتسليم سيفيهما ومن ثم جرى اعتقالهما على هذا الأساس.

صلاح عيسى: وأنا أظن أن عرابي أخذ قرار الاستسلام للجيش البريطاني وده كان قرارا صعبا جدا كأسير حرب ثقة منه أو كما قال في النهاية إن بريطانيا دولة تحكمها قوانين وإنه في قوانين للحرب وفي قوانين لأسرى الحرب وبالتالي إذا سلم نفسه إلى بريطانيا فسيعامل معاملة قانونية أما إذا سلم نفسه للخديوي فهذا سيؤدي إلى مذابح تطوله وتطول كل الذين ناصروه.

عماد همام: "سيدي اللورد إن سحق التمرد خلال انتصار معركة التل الكبير قد أعقبه هدوء تام في أرجاء البلاد وبدأ السكان يفيقون تدريجيا من الصدمة التي أفقدتهم الوعي مدة من الزمن ووفقا لكل التقاليد فقد استفاد المنتصرون من هذه الفرصة وساروا في مواكب في كل اتجاه لإسكات كل صوت معارض، التقارير الواردة من مصر الآن توضح أن الناس الآن إما أنهم غير مصدقين أن عرابي قد ألقي القبض عليه أو أنهم يعتقدون أنه قد توصل مع القوات البريطانية إلى اتفاق لمصلحته هو وهم لا يستطيعون إدراك أنه على الرغم من أنه هزم في المعركة لكنه يعامل معاملة حسنة وبتقدير من الإنجليز في الوقت الذي ينتظر فيه توقيع العقوبة عليه من المحكمة العسكرية التي ستعقد لأن مثل هذه المعاملة تعد شيئا لم يعهدوه ولم يروه أو سمعوا به من قبل". تم تسليم الأسرى للسلطات المصرية للتحقيق معهم وسرعان ما نشرت الصحف المصرية أنباء عن محاكمة عسكرية ما حذا بماليت أن يسرع لمكاتبة شريف باشا رئيس النظار في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1882 كما تسجل وثائق الخارجية البريطانية "وقد علمت الآن من خلال الصحف أنه تم تشكيل المحكمة العسكرية ولكنني لم أتلق أي معلومات رسمية بهذا الخصوص من سيادتكم ومن واجبي أن أوضح لسيادتكم أن اتخاذ أي إجراءات قبل الشروع في المحاكمة واكتمال الرسميات الواجب اتخاذها أو من دون تمثيل وفد حكومة جلالة الملكة سيشكل خرقا للشروط التي تم تسليم سجناء الحرب إلى الخديوي بناء عليها وقد يتم سحبهم في أي لحظة من معتقل السلطات المصرية إذا لم يتم تنفيذ الشروط التي استسلم هؤلاء على أساسها للسلطات البريطانية".

[فاصل إعلاني]

عماد همام: يذكر بلانت في كتابه أن اللورد غرانفيل لم يكن قد وافق ولا كانت لديه نية الموافقة على قيام محام بريطاني بالدفاع عن السجناء وقد جاءت الموافق في النهاية على أرضية مجموعة من التفاهمات من أهمها أنه لا يسمح بتقدير مرافعات أو أدلة حول الدوافع السياسية التي تبرر التهم المرتكبة. في 22 أكتوبر زار برودلي ونابيير عرابي في محبسه وقد كان برودلي في بادئ الأمر ينوي رسم خطة دفاعه عن عرابي على أساس أنه دخل الحرب بموافقة الخديوي ولذا لم يكن عاصيا من الوجهة القانونية أما من الوجهة الأدبية فإن إخفاقه وحده هو الذي أعطاه تلك التسمية إلا أنه وفي إطار قراءته للسياسة البريطانية قرر برودلي خطته فالعصيان كان المبرر للحملة الإنجليزية على مصر فإذا اعترف عرابي به صراحة يزول الخطر الذي يهدده ورفاقه وتصبح القضية صورية بحتة وتتماشى مع اهتمامات الحكومة البريطانية. أعد برودلي تصورا حول طبيعة الحل لمسألة المحاكمة وقام بإرساله إلى ماليت الذي قام بدوره بإحالته مصحوبا بدعمه الشخصي إلى غرانفيل وقد ذكر ماليت في تزكيته لصيغة برودلي للحل أن كل ما يرغب فيه الدفاع هو حكم بسيط بالمنفى يجنب موكليه أي عقوبات إضافية وأن هذا يبدو أمرا جديرا بالنظر من وجهة المصالح البريطانية في ضوء الحرص الزائد على تجنب البديل المتمثل في محاكمة سياسية طويلة. وصل القاهرة ممثل بريطانيا بالآستانة اللورد دوفرين لتولي مهمة التحقيق في حريق الإسكندرية ومتابعة محاكمة عرابي وما لبث أن أبرق إلى وزير خارجيته غرانفيل يصف الوضع "لقد وعدني رياض باشا وزير الداخلية بإغلاق هذا السجل فورا وبأنهم سيبلغونني خلال أربعة أو خمسة أيام إذا حصلوا على أدلة يقينية بما يكفي تربط عرابي بمذبحة وحريق الإسكندرية وإذا لم توجد أدلة فسوف يتبنون الرأي الذي أوصيت به"، ومن الواضح أن الرأي الذي أوصى به دوفرين هو صيغة المحاكمة بتهمة العصيان فقط كما يتضح من البرقية التي أرسلها بعد يومين لغرانفيل يصف لقاءه بالخديوي "يشرفني إبلاغ رفعتكم بأنني قابلت الخديوي اليوم وقد أفهمت سموه أنني لا أتوقع ظهور أدلة كافية تكفل التصريح بإعدام عرابي والسجناء السياسيين واقترحت عليه بديل الترحيل وقد سرني أن أجد سموه مستعدا إذا لزم الأمر لقبول هذه النتيجة بشرط إخراج عرابي وعائلته من البلاد جملة ومصادرة أملاكه".

صلاح عيسى: اتفق في ما بين برودلي وما بين عرابي على أساس أن المحاكمة بالنسبة.. لا تصبح محاكمة صورية بمعنى أنه يعترف أنه مذنب وبالتالي يأخذ وعدا بعدم صدور حكم بإعدامه وأن الحكم يكون هو النفي ومصادرة الأموال.

رفعت السعيد: الإنجليز كانوا عايزين يحتلوا مصر ولا يريدون إثارة القوى الغربية ضدهم، أي معلومات عن تعذيب الثوار العرابيين ترشح إلى أوروبا حتبقى كارثة، اثنين، أي إعدام للضباط دول حتبقى كارثة عند الأوروبيين وحتعبئ الرأي العام الأوروبي ضدهم.

عماد همام: في الثلاثين من نوفمبر/ تشرين الثاني أرسل دوفرين لغرانفيل موضحا ملامح الصفقة التي تم التوصل إليها "ستوجه إليهم تهمة العصيان فقط أمام المحكمة العسكرية التي سيعترفون بذنبهم فيها، في حال إصدار المحكمة حكما بالإعدام سيرفع إلى الخديوي الذي سيخفضه إلى النفي المستديم". صباح الثالث من ديسمبر/ كانون الأول 1882 جيء بعرابي من ثكنات قصر النيل إلى قاعة مجلس الشيوخ السابق حيث مقر جلسة المحكمة التي وصفها دوفرين ظهر نفس اليوم في برقية لوزير خارجيته "وفور مثول عرابي أمام المحكمة قال الرئيس عرابي باشا أنت متهم أمام هذه المحكمة وفق تعليمات هيئة التحقيق بعصيان جناب الخديوي بموجب المادتين الـ 96 من القانون العثماني العسكري والـ 59 من قانون العقوبات العثماني فهل أنت مذنب أم لا؟ رد برودلي نيابة عن موكله بملء إرادته ووفق النصيحة التي أخذتها من محامين اعترف بذنب في التهم المنسوبة إليه" وفي الـ 7:30 مساء يبرق دوفرين لغرانفيل مجددا "خلال المهلة التي مرت بين رفع جلسة المحكمة العسكرية وإعادة انعقادها أرسل لي السيدان برودلي ونابيير تعهدا خطيا مشددا وقعه عرابي وشهدا هما عليه بأنه سينتقل إلى أي موضع تختاره الحكومة المصرية ويبقى هناك حتى يدعى إلى تغيير محل إقامته"، في الثالثة مساء عاودت المحكمة الانعقاد وأعلن الحكم التالي على عرابي "بعد اعتراف عرابي بذنب العصيان أصدرت عليه المحكمة اتفاقا مع المادة السادسة من القانون العسكري العثماني والمادة 59 من قانون العقوبات العثماني حكم الإعدام على أن يرفع إلى جناب الخديوي"، توجه برودلي للسجن لإخطار عرابي بالمكان الذي أختير لهم وقد حمل معه أطلسا جغرافيا وأخذ يشرح لعرابي موقع سيلان وخصائصها وقد استقبل عرابي وكذلك زملاؤه بكثير من السرور والتفاؤل الذي لم يعكره كثيرا مرسوم الخديوي بمصادرة أموالهم وأملاكهم في 14 ديسمبر/ كانون الأول. "باستثناء دوار البحر في الأيام الأولى من الرحلة لم يبد أن هناك ما يمنع المنفيين من الشعور بالبهجة والانشراح وكأنهم في طريقهم للجنة" والحديث هنا للكابتن توماس أوزبور قبطان سفينة ماريوت الذي نشرته جريدة نيويورك تايمز يوم الخامس من مارس/ آذار عام 1883 "عندما رسونا غادر المنفيون السفينة إلى الميناء في أربعة أفواج وكان عرابي في الفوج الأخير وتجمعت حوله الجماهير لحظة هبوطه ويمكن القول إن الحشد كان غفيرا إلى حد ما وبعضهم راح يقبل ملابسه وبعضهم الآخر انحنى يقبل قدميه قبل أن ينطلق بهم ركب من العربات إلى حيث سيكونون، لا أظن أن أحدا منهم بدا نادما على ما فقد ولم يبدو عليهم ما يشير إلى أنهم خائفون واعتقد الجميع أن مستقبلا سعيدا ينتظرهم". تضم وثائق الخارجية البريطانية السجل الرسمي الذي تم بموجبه تسليم المنفيين ويتضمن أسماءهم ووظائفهم، واللافت في هذا السجل هو ما جاء في وصف وظيفة عرابي حيث كتب محرر السجل إلى جوار اسم وزير الحربية أثناء الثورة دكتاتور مصر. لم تنقطع مظاهر الاحتفاء بالمنفيين منذ وصولهم إلى سيلان ولم تنجح بريطانيا في فرض سياج من العزلة على المنفيين أو تحويلهم لأفراد عاديين وخاصة عرابي فقد كان للثورة العرابية أصداء خارجية في العالم كله واعتبر قائدها رمزا للوطنية وتحول في نظر المسلمين خاصة إلى شخصية مدافعة عن الإسلام، وقد انخرط منذ وصوله في العديد من الأنشطة الاجتماعية المختلفة والأعمال الخيرية ذات الطابع الإسلامي والتي ما تزال آثاره فيها محل تقدير وإجلال حتى اليوم، وفي هذا الصدد ذكر بلانت لصحيفة التايمز البريطانية "الجالية المسلمة في سيلان تنظر إلى ضيوفها المصريين بأكبر قدر من الاحترام كشهداء في سبيل ديانتهم وخاصة عرابي الذي تعده أشهر أبطال الإسلام المعاصرين بل إن قوة هذا الشعور وسط طبقات كولومبو الدنيا تتجلى أكثر ما تتجلى يوم الجمعة حيث أيا كان المسجد الذي يختاره عرابي للصلاة فيه فإنه سيشهد بلا شك حضور أعداد استثنائية من المصليين". مثلما كان الحال في مصر غدا منزل عرابي مقصدا للزائرين ليس فقط من أهل سيلان بل أصبح على أجندة أي زيارة لسيلان يقوم بها مسؤول رسمي بريطاني أو عضو بالأسرة المالكة، ومن بين من زاروا عرابي اللورد روزبري وكان وزيرا للخارجية ثم رئيسا للوزراء، دوق نوت الابن الثالث للملكة فيكتوريا والذي كاد في ما مضى أن يقتل أثناء معركة القصاصين، دوق كورنوال ويورك والذي توج لاحقا كملك تحت اسم جورج الخامس. كما توثقت العلاقة بين بعض المنفيين وبين توماس ليبتون صاحب مزارع الشاي الذي أمضى عرابي وعلي فهمي أياما في ضيافته في منطقة المزارع الجبلية المرتفعة. إلا أن الحياة لم تكن وردية تماما فسرعان ما بدأ المنفيون يرهقون تحت وطأة الاحتياجات المالية لأسرهم والتي لم تكن مخصصاتهم تغطيها وبدؤوا يشعرون أن الحكومة البريطانية غير جادة في التزاماتها ناحيتهم، وفي الثاني من مايو/ أيار 1883 قدم عرابي ورفاقه مذكرة إلى حاكم سيلان موقعة منهم وعليها أختامهم أسموها عرض حال وفيها ذكروا "نقر علنا أمام الله بأن كلمة الشرف التي وقعنا عليا في آواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 1882 وجرى تسليمها من وكيلنا الإنجليزي إلى اللورد دوفرين كانت مقدمة إلى الحكومة البريطانية وليس إلى الحكومة المصرية ولذلك نحن نعد الأمة الإنجليزية مسؤولة عن الوفاء بوعودها التي رضينا بناء عليها أن نقر بالعصيان خلافا للواقع"، وجاء رد دوفرين على العريضة محبطا إذا ذكر أنه لا فرق أن يكون التعهد قد قدم للحكومة المصرية أو البريطانية وزاد الأمور سوءا أن الخلافات بدأت تدب بين المنفيين.

لطيفة سالم/ أستاذة في التاريخ المعاصر: والحاجة الملفتة للنظر أنه ابتدأت يعني مش عايزة أقول خلافات من البداية ولكن كانت واضحة.

رفعت السعيد: المشكلة الحقيقية اللي ممكن توغر الصدور هي أن الثورة تلخصت في أحمد عرابي.

صلاح عيسى: هم علاقتهم ساءت ببعض جدا سوءا شديدا جدا جدا جدا جدا وكتبوا عن بعض كتابات لا تليق.

رفعت السعيد: الناس تيجي من آخر الدنيا إلى كولومبو في سيلان تسأل فين الزعيم أحمد عرابي، ما حدش بيسأل فين محمود سامي البارودي ولا فين رب السيف والقلم.

لطيفة سالم: وكانت واضحة نوع من التواؤم الثقافي بمعنى إيه؟ بمعنى أن عرابي مثلا مع طلبة مع -أفتكر- عبد العال حلمي أخذوا بيتا لوحدهم، محمود فهمي مع البارودي وهم الأكثر ثقاة والأكثر استنارة في الناحية العلمية أنه هم سكنوا مع بعضهم.

رفعت السعيد: وكان الوحيد فيهم اللي بيعرف لغة أجنبية هو محمود فهمي باشا المعماري اللي هو كان المهندس بتاع عمليات الإستراتيجية في الحرب وبناء الحصون وبتاع وحاجات زي كده وله كتاب مهيب اسمه "البحر الذاخر في سيرة الأوائل والأواخر".

صلاح عيسى: يعني مثلا محمود فهمي له كتاب "البحر الذاخر في سيرة الأوائل والأواخر" وكتبه عن تاريخ العالم كله ولكن فيه في الجزء الرابع والأخيرة منه في قسم كبير جدا كاتبه عن الثورة العرابية أرخ لها بشكل يعني يسيء إليها وينكر أمجادها وينكر حتى الأمجاد اللي هو لعبها هو نفسه، وده يعني كان أعظم مهندسي الاستحكامات العسكرية في تاريخ العسكرية المصرية في ذلك الحين.

عماد همام: في 21 فبراير/ شباط 1883 وزير المستعمرات ديربي يتلقى رسالة من لانغدون حاكم سيلان تفيد بضرورة إعادة النظر في المخصصات المالية للمنفيين، وقد قسمت أول منحة إضافية بمعرفة دوغلاس نائب الحاكم الذي رأى لسبب ما أن يكون لعرابي النصيب الأكبر منها مما زاد من هوة الخلاف بين رفاق الأمس. وصل الانقسام لذروته على خلفية الالتماس الذي أرسل به كل من محمود فهمي وعلي فهمي ويعقوب سامي إلى الملكة فيكتوريا في 15 سبتمبر/ أيلول من نفس العام يلتمسون منها العفو عنهم، وقد رفضت مجموعة عرابي المكونة من محمود سامي عبد العال حلمي وطلبة عصمت بالإضافة له لم يوقعوا على هذه الرسالة كما خلا أرشيف الوثائق البريطانية تماما من أي التماس يكون عرابي قد وقع عليه. من ناحيته واصل ويلفرد بلانت مساعيه من أجل عودة المنفيين إلى مصر حيث توالت لقاءاته مع دوفرين في روما ومع كرومر في القاهرة ويبعث برسالة إلى روزبري وزير الخارجية، وفي 28 فبراير/ شباط 1893 يلتقي الخديوي عباس حلمي الثاني وكان ارتقى عرش مصر في الثامن من يناير/ كانون الثاني 1892.

صلاح عيسى: أول ما تولى العرش بعد قليل أدرك أنه يعني مجرد سلطة اسمية وأنه في سلطة فعلية في البلاد هي سلطة الاحتلال البريطاني فبدأ يشاغب من أجل ممارسة حقه في الحكم من أجل.. وعلى نحو ما كان عنده برضه حلم آبائه وأجداده في أنه هو يحكم حكما متسلطا ويكون ملكا بالفعل له سلطة يملك ويحكم ففوجئ بأنه مغلول الإرادة وبدأ الصدام بينه وبين اللورد كرومر كان موجودا في مصر في ذلك الحين وبعد ذلك هذا الصدام استمر وظل يتصاعد وحوالي النفوذ.

لطيفة سالم: لما مات توفيق ابتدأ يبقى في سهولة مع عباس حلمي الثاني لكن ما كانش قادرا ينسى أبدا أن عرابي نادى بعزل أبوه وأنه هو كان العمل الدربكة وعمل الاحتلال وخصوصا أن عباس حلمي كان يميل كل الميل إلى الحزب الوطني، الحزب الوطني حزب مصطفى كامل اللي كانوا بيسموا الثورة العرابية بالثورة المشؤومة.

أبطال في المنفى منسيون في الوطن

عماد همام: لم يقدر لثلاثة من المنفيين السبعة أن يروا أبدا وطنهم مجددا، في 19 مارس/ آذار 1891 توفي عبد العال حلمي ودفن في كولومبو وفي 17 يوليو/ تموز 1894 توفي محمود فهمي ودفن في كاندي ودفن بجواره يعقوب سامي الذي توفي في فبراير/ شباط 1900 أما طلبة عصمت فكان على موعد مع ثرى وطنه إذ عاد لمصر بتصريح من الخديوي في 17 فبراير/ شباط عام 1899 ليتوفى في نفس العام، وكان محمود سامي أوفر حظا إذا عاد في 1900 لتكون لديه أربع سنوات ليستمتع فيها بحقوقه المدنية التي أعادها له الخديوي قبل أن يتوفى في ديسمبر من عام 1904 وأخيرا وفي 24 مايو/ أيار عام 1901 يرخص الخديوي عباس حلمي الثاني لعرابي وعلي فهمي بالعودة إلى القطر المصري والإقامة فيه. غادر عرابي سيلان وسط مظاهر حفاوة استثنائية ليصل إلى السويس وسط مظاهر إهمال قاسية، فقد وصل في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول 1901 وظل لثلاثة أيام ينتظر حتى أرسل مندوب يستقبله وينقله إلى القاهرة.

لطيفة سالم: بأتصور بلانت باعث كان جواب يقول له -لما رجع مصر بقى عرابي- يقول له يا ريتك فضلت في سيلان كنت مكرما هناك أكثر وكنت معتزا بنفسك أكثر، هنا بقى لم يعد أحد يعرفك.

عماد همام: إلا أن إهمال عرابي لم يستمر طويلا فسرعان ما عاد حديث الساعة وإن على نحو سلبي ففي 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1901 جريدة المقطم تنشر تصريحات لعرابي أدلى بها لمراسل الجريدة الذي صعد لاستقباله على الباخرة وقد أشاد فيها بالإصلاحات التي قام بها الإنجليز في مصر معتذرا عن محاربته لهم ورأى أن ما أنجزوه هو تماما ما كان يحلم به لبلده وقد جلبت عليه هذه التصريحات سخط الحركة الوطنية التي كان يتصدرها الزعيم مصطفى كامل.

عبد الوهاب بكر: دعواهم في هذا أن هذا خروج عن الدولة العثمانية ومبادئ الحزب الوطني مبادئ مصطفى كامل كانت العمل تحت قبة الإسلام بزعامة السلطان.

صلاح عيسى: كان متحالفا مع الخديوي عباس اللي هو ابن الخديوي توفيق فبالتالي أصبح إدانة موقف توفيق في الثورة العرابية ده عملية غير واردة في الموضوع، فهذه المدرسة تكاد تكون منحازة لما نسميه الجناح المعتدل في الثورة العرابية اللي هو الجناح الذي كان يمثله الشيخ محمد عبده وشريف باشا وإلى آخره، ولذلك لما جاء عرابي تعرض لحملة عنيفة جدا جدا جدا من.. وهي كانت مبنية على الفكرة الأساسية اللي قالها مصطفى كامل إن الثوار العرابيين الجناح العسكري وبالذات التي كان يتزعمهم أحمد عرابي كان جناحا متطرفا وأن تطرفه هذا وتشدده هو الذي أدى إلى الاحتلال البريطاني.

رفعت السعيد: نشرت اللواء جريدة الحزب الوطني التي كانت تمول من السلطان والتي كان لا يزال مصطفى كامل على ولاء للخديوي فقال له "صغار في الذهاب والإياب وهذا كل شأنك يا عرابي".

صلاح عيسى: تنبيه كل من يعنيه الأمر أن عرابي راجع ولكنه ليس عرابي الذي غادر وأن أفكاره طبعا اتعمل معه الحديث اللي مدح فيه بريطانيا واللي إلى آخره هو بالتالي استقبل استقبالا عدائيا فبمعنى أنه إحنا حنسمح له يجي بس حنحرقه وهو في السكة وده ما حدث تقريبا.

لطيفة سالم: ويحط بشروط معينة أنه هو يقعد في بيته ولا يخرج ولا يمارس السياسة، هو كان انهزم نفسيا وانهزم صحيا.

رفعت السعيد: عرابي رد عليهم بقصيدة دامية "وهذا شأن أولاد الكلاب وهكذا.."

لطيفة سالم: في البداية كان يروح يصلي في مسجد السيدة زينت وكان بيتلم عليه شوية ناس كده ولكن بعد كده خلاص المرض أقعده.

عماد همام: في 21 سبتمبر/ أيلول 1911 يلقى عرابي ربه في ظروف حياتية أقل ما يقال عنها إنها لا تتناسب مع تاريخ الرجل ليوارى الثرى في هذا المدفن المتواضع ولكن عزاءه أن دار الحق لا تحتاج لمدخل ملكي. في الخاتمة وبعيدا عن آراء عرابي التي أدلى بها تحت ظروف ضاغطة سواء قبل المحاكمة أو بعد العودة ربما يحق للرجل أن نلخص ما يبدو أنها مجمل آرائه الحقيقية تلك التي أدلى بها بأريحية وهو في بداية منفاه في سيلان ونشرت في التايمز يوم 13 ديسمبر/ كانون الأول عام 1883 والتي يرى فيها ضمن ما يرى "أن يتم اختيار الحاكم على يد الوجهاء فالفلاحين لم يبلغوا من التعليم ما يسمح بالانتخاب العام لكن مشايخ القرى ووجهاء المدن يمثلون هيئة انتخابية معقولة وسوف يختارون من يشاؤوا ولكنهم قبل تسليمه السلطة سيلزمونه بشكل دستوري ما يمنع عودة الحكم الاستبدادي، وعلى حاكم مصر أيا كانت هويته أن يدرك أن مصر لم تعط له هبة أو متاعا بل أمانة، كان إسماعيل باشا يعتبر مصر بأسرها ضيعته الخاصة أما توفيق باشا فهم يعلمونه أن القانون هو ما يأمر به ولا يجب أن يتكرر هذا في المستقبل فعلى الأمير أن يمتثل للقانون لا أن يصنعه". هل تغير شيء في الصورة أم أن التاريخ ينحو نحوا مستديرا؟ لنترك الكلمة الأخيرة للجنرال تشارلز غوردون وربما نتلمس الإجابة في ثنايا رسالته لبلانت التي يعلق فيها على الأحداث قائلا "إنها لأزمة مخيفة تلك التي صنعها ماليت وكولفين لا يستطيع المرء إيجاد تعليق على كل نتائج تكتمل ديلك وكولفين وماليت فديلك على وجه التحديد تهرب في مجلس العموم من تقديم إجابات عن التساؤلات بحجة أن المصالح البريطانية قد تتأثر، لقد قصفت مدينة الإسكندرية بالمدافع نتيجة لدبلوماسية الكتمان الكبير وبسبب أن المسؤولين عن الشؤون المالية والقناصل رفضوا إعطاء مجلس الأعيان حق فحص الميزانية عندما كان شريف باشا يتولى المسؤولية في مصر. أما عرابي أيا كان مصيره كفرد فسوف يعيش قرونا بين الناس". archives-history@aljazeera.net