رشاد العليمي

محمد كريشان
محمد كريشان:

هذه الحقول الشاسعة في ضواحي العاصمة اليمنية (صنعاء) هي واحدة من مئات الحقول لشجرة (القات)، هذه الشجرة وأوراقها الخضراء تكاد تكون مقرونة بكل حديث عن اليمن، لا سيما بعدما تحولت إلى قضية تحتاج معالجتها لسنوات.

ضيفنا هذا الأسبوع هو الباحث والأستاذ الجامعي الدكتور (رشاد محمد العليمي)، يتجاوز الحديث عن (القات) باعتباره ظاهرة اجتماعية لها طقوسها في المجتمع، يتجاوز ذلك الحديث عن القات كظاهرة في سياقها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي، عساه بذلك يرسم صورة أكثر تكاملا، وبالأخص أكثر بعدا عن السطحية والنمطية السائدة لدى أغلبنا عند الحديث عن اليمن وعن أوراق شجرة القات.

صوت معلق:

الدكتور (رشاد محمد علي العليمي)

من مواليد (تعز) اليمنية عام 1954، دبلوم قانون عام 1975، وليسانس آداب عام 78، وماجستير في علم الاجتماع عن القضاء القبلي في المجتمع اليمني، دكتور في علم الاجتماع عام 88 عن أنماط التفاعل بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة في المجتمع اليمني، أصدر عددا من الكتب والأبحاث تتعلق جميعا بالتفاعلات الاجتماعية والثقافية في اليمن، عضو في قسم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة صنعاء، وعضو هيئة تحرير مجلة (ثوابت) الفصلية.

محمد كريشان:

دكتور رشاد محمد العليمي أهلا وسهلا.

د. رشاد محمد العليمي:

أهلا وسهلا.

محمد كريشان:

نبتة القات أو شجرة القات.. أولا ما هي؟ ومتى وصلت إلى اليمن؟

د. رشاد محمد العليمي:

شجرة القات الواقع أنها موجودة في أكثر من مكان، وأول ذكرها طبعا في الكتب التاريخية كان في القرن الحادي عشر في كتاب (البيروني) حول الطب، وذكر كنبات، كنبات طبي، وذكر (البيروني) أنه موجود في منطقة في آسيا اسمها (تركستان)، طبعا وجد وذكر أخيرا في منطقة (الحبشة)، وأول ذكر له في كتب التاريخ في الحبشة كان في القرن الثالث عشر الميلادي عندما حصلت معارك بين أحد الملوك المسيحيين في الحبشة وبين طائفة من المسلمين عندما بدأ الإسلام ينتشر في القرن الثالث عشر في الحبشة، وذكر على أن القات كان من ضمن القضايا أو المشكلات التي كانت موجودة أثناء الحرب بين الملك المسيحي وبين المسلمين الذين بدأوا يعتنقون الإسلام في الحبشة.

هذا فيما يتعلق بذكر القات، طبعا بعد ذلك اتضح أن القات موجود في أكثر من مكان في أفريقيا، طبعا احتمال أن يكون موجود أيضا في أماكن أخرى لكن لم يكتشف نتيجة لعدم استخدامه سواء كنبات طبي أو استخدامه كما يستخدم في مناطق في إفريقيا وفى اليمن. هذا بالنسبة لتواجد القات في كثير من مناطق العالم، وأول ذكر تاريخي له في كتب طبية محددة.

 

فيما يتعلق بظهوره في اليمن، الواقع هناك ثلاث اتجاهات تاريخية تتحدث عن دخوله إلى اليمن، طبعا فيه اتجاه تاريخي وهذا غير ثابت تاريخيا أن القات دخل إلى اليمن في القرن السادس الميلادي عندما دخل الأحباش إلى اليمن لأول مرة، واحتلوا اليمن، وطبعا تزامن هذا -معروف- قبل ظهور الإسلام، لكن لا يوجد أي سند تاريخي، لا يوجد أي سند تاريخي لهذا الاعتقاد، أن القات دخل إلى اليمن عند دخول الأحباش في القرن السادس الميلادي، لأنه الكاتب والمفكر والمؤرخ (الهمداني) عاش في القرن التاسع الميلادي اللي هو في القرن الرابع الهجري.. في القرن الثالث الهجري عفوا.. ولم يذكر القات رغم أن عنده كتاب (صفة جزيرة العرب) وهو كتاب من أشهر الكتب التي تكلمت عن (صفة جزيرة العرب) ولم يذكر القات على الإطلاق الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب)، وهذا يعطي دلالة تاريخية على أن القات لم يكن له وجود في هذه الفترة التاريخية في اليمن.

الاتجاه الثاني ينظر إلى القات على أنه أول ما جاء إلى اليمن كان في القرن الحادي عشر والثاني عشر، ولم يكن مستخدم بالشكل الكبير، وإنما كان محصورا في عناصر الصوفية أو الجماعات الصوفية، وكان يستخدم استخدام (البن) يعني كان يغلى ويشرب، وبالتالي كان يسمى قهوة القات وقهوة البن، وكان طبعا بيحصل بينهم نوع من المماثلة، لكن لم نجد أيضا أي كتابات تاريخية تؤيد هذا الموضوع، ولم يبدأ ذكر القات إلا في القرن الثالث عشر الميلادي بالنسبة لليمن، ويقال أن دخول القات إلى اليمن في القرن الثالث عشر الميلادي كان عن طريق اليمنيين الذين ذهبوا إلى أثيوبيا لنشر الدين الإسلامي في هذه المناطق، واكتشفوا القات هناك وبدأوا يستخدموه، أو اكتشفوا أنه موجود والناس يستخدموه، فجلبوه إلى اليمن، وبدأوا يستخدموه فعلا الناس بشكل واسع في البداية على شكل غلي وشرب على طريقة القهوة، ثم بعد ذلك تطور استخدامه، وتطورت طقوسه إلى ما وصلت إليه في المرحلة الحالية.

صوت معلق:

قيل في ذم القات:

إنه آفة أقل مساويها           

مضي الساعات من غير شغل

قاتل للأوقات وهو بلاء       

لشباب فينا وشيخ وكهل

نحن نحيا عصر الفضا لم نعد 

نحيا بجهل حياة عير وبغل

قد غزا عصرنا الكواكب بينا   

بعضنا فيه ماشيا دون نعل

(محسن العيني)

محمد كريشان:

الممارسة الحالية للقات بالشكل الحالي، يعني تخزين.. جمع هذه النبتة في الفم.. مع جلسات وطقوس معينة.. متى بدأت في اليمن؟

د. رشاد محمد العليمي:

هز في الواقع أن أي ظاهرة اجتماعية لا شك أنه تظهر ثم تتطور، وعبر الزمن طبعا تتشكل لها عادات وطقوس وتقاليد، فأنا أعتقد أنه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين يعني نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يبدو لي أنا التشكل والظهور الماثل أمامنا لهذه الطقوس: الجلسات، التخزين، انتشاره من الطبقات العليا لأنه كانت أسعاره غالية جدا، عندما يتحدث المؤرخين عنه في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كان يتحدثوا عنه بأنه مرتفع الأسعار.

مثلا قانون صنعا الذي تكلم عن أسعاره في بداية القرن العشرين كان يتكلم عن أسعاره وهي أسعار غالية إذا قارناها بمستوى دخل الفرد في تلك الفترة التاريخية، وبالتالي لم يكن بالإمكان لأي مواطن عادي في تلك الفترة التاريخية أن يحصل على القات، وكانت زراعته محدودة للغاية. طبعا وسائل الاتصال المنعدمة في السابق لم يكن هناك وسائل اتصال، يعني نحن بدأنا ولوج القرن العشرين من عام 1962 بعد الثورة، بدأت حركة الطرقات والسيارات والانتقال، ومستوى دخل الفرد أيضا بدأ أيضا يرتفع خاصة مع وفرة النفط والتي بدأت في المنطقة ابتداء من السبعينيات، هذه يبدو.. تشكلت بعد ذلك مجالس ليس على مستوى الصفوة في المجتمع، وإنما انتشرت أيضا إلى الفئات الأخرى وبدأت أيضا تنتشر بين النساء، وبدأت أيضا تمتد إلى طلاب المدارس لاعتقادهم بأنه يساعدهم على التحصيل العلمي. إذن أعتقد أنا أنه ابتداء من عام 1918 بعد انسحاب الأتراك من اليمن الإمام (يحيى) وبعده الإمام (أحمد) شجعوا زراعة القات وتناولوا القات، وبدأت الجلسات فعلا تنتشر بهذا الوضع اللي هي عليه من هذه الفترة التاريخية، لكن عندما نعود إلى القراءات التاريخية في القرن السابع عشر مثلا، كتاب (نيبور) مثلا أول من تحدث عن القات في بداية القرن الثامن عشر، وكان أول من اكتشف اللي هو تركيب القات اللي هو (الكاثينول) اللي هو المادة الأساسية التي هنتكلم عنها بعدين، كان (فورسكال) هذا أحد أعضاء بعثة (نيبور) التي أتت إلى اليمن في بداية القرن الثامن عشر والذي توفي في منطقة (يريم) بسبب (الأنفلونزا) أصيب (بالأنفلونزا) ومات، وكان هو تقريبا اللي بدأ يعمل أبحاث تمهيدية لموضوع القات وهي كانت الأبحاث التمهيدية لما بعد ذلك، هذه الكتابات التاريخية كانت بتتكلم أنه وصلنا إلى الوالي الفلاني في منطقة (المخاه) ووجدناه مثلا جالس مع مجموعة من الأشخاص ويتناولون القات.. وصلوا إلى (تعز) ووجدوا نفس المجموعة مجموعة الصفوة أو المجموعة الحاكمة بتتناول القات وهكذا.

إذن القات كان موجود بهذه الصيغ اللي موجودة الآن، ولكن على مستوى محدود جدا ومستوى أعالي الفئات الاجتماعية في تلك الفترة التاريخية.

محمد كريشان:

قبل أن نتطرق للجوانب الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة القات في اليمن، على الصعيد الطبي والصحي.. هل القضية محسومة؟ هل هو مجرد منبه أم يعتبر أيضا مخدر؟

د. رشاد محمد العليمي:

في الواقع هناك دراسات كثيرة حول هذا الموضوع، فابتداء من عام 1946 كانت منظمة الصحة العالمية في (جنيف) تتلقى الكثير من التقارير حول موضوع القات من الناحية الصحية والتركيب الكيماوي أيضا لموضوع القات، وكان هناك النتائج متناقضة، لأن التقارير الطبية التي كانت بترفع ليست من عناصر متخصصة ومهتمة بشؤون القات، وتعمل أبحاث مخصوصة لموضوع القات، وإنما كان عبارة عن أطباء أو وفود طبية تتناول القات كموضوع عارض من خلال زيارتها لليمن، في الدورة الخامسة والعشرين لمنظمة الصحة العالمية في (جنيف) قررت أن تبعث فريق متخصص من المختبرات التابعة لمنظمة الصحة العالمية إلى اليمن، وفعلا وصلت هذه البعثة في بداية السبعينيات، وبدأت بإجراء دراسات واختبارات كيماوية لهذا الموضوع، ووصلت إلى نتائج محددة أن القات لا يدخل ضمن المواد المخدرة التي تؤدي إلى الإدمان باعتبار أن:

أولا: التركيب الكيماوي للقات.. نفى أن يكون هناك فعلا مادة مخدرة في ذاته، وإنما هناك مواد تدخل في تركيب القات من ضمن المواد التي تدخل في تركيب أي مادة مخدرة أخرى، وبالتالي هذه المواد موجودة في كثير من الخضار والفواكه والمواد الأخرى اللي يتناولها الإنسان في أي مكان، هذه نقطة.

النقطة الثانية اللي توصلوا إليها أيضا البعثة على أنه لا يوجد أي ارتداد فيزيقي جسمي لترك القات، يعني المهاجرين اليمنيين إلى الخارج بيهاجروا ويعيشوا عشرات السنين في الخارج دون أن تحصل لهم أي أعراض متعلقة بالإدمان.

محمد كريشان:

يعني لا وجود لنكسة بعد تركه؟

د. رشاد محمد العليمي:

بعد ترك القات.. هذه النتيجة التي توصلت إليها منظمة الصحة العالمية، وبالتالي لم تدرج القات ضمن قائمة المخدرات الممنوعة على الإطلاق، وإنما تركت للدول على مستوى العالم حرية إدخال هذه المادة ضمن الممنوعات بحسب سياستها الاجتماعية. بحسب سياستها الاجتماعية، إذن هذا ليس اعتقاد لدى اليمنيين أن القات ليس مخدر، وإنما هو خلاصة لنتائج علمية توصل إليها الباحثون الذين بعثتهم منظمة الصحة العالمية في بداية السبعينات.

فيه أيضا فريق آخر أمريكيين، (جون كيندي) ومجموعة جاءوا في عام 74، وعملوا دراسات واسعة جدًّا لعينة حوالي 400 من الرجال و300 من (الذكور) في ثلاث مدن رئيسية اللي هي صنعاء وتعز والحديدة، وعملوا دراسة استمرت لمدة سنتين، دراسة حالات من الناحية الاجتماعية، من الناحية الصحية ، من الناحية الاقتصادية، وتوصلوا إلى نفس النتيجة، هذه النتيجة التي تقول أنه لا يوجد ارتداد فيزيقي الذي يحصل في حالات الإدمان للمواد المخدرة الأخرى، وإنما يحصل ما يطلق عليه ارتداد فسيولوجي أو نفسي، خاصة للذين يتعاطون القات لفترات طويلة من الزمن قد تصل إلى عشرين إلى ثلاثين سنة، هؤلاء عندما يتركون القات يحصل لهم ارتداد نفسي في الأسبوع الأول من ترك القات.

محمد كريشان:

ما معنى ارتداد نفسي؟

د. رشاد محمد العليمي:

يعني بمعنى أنه بيحصل كسل عند الإنسان يحس بكسل وخمول، يحس أيضًا أحيانا بتأتيه أحلام مزعجة في الأسبوع الأول، بيحصل أيضا نوع من الشره أنه يشتهي يأكل كثير، لأنه القات بيؤدي إلى فقد الشهية، فلما يترك القات الجسم بحاجة إلى تعويض فتلاحظ أن الشخص الذي يترك القات في الأسبوع الأول يأكل بكميات كبيرة جدا؛ لأن الجسم بحاجة إلى تعويض لما فقد خلال فترة تناول القات لفترة معينة، ولكن هذا الارتداد مدته محدودة ولا يتجاوز الأسبوع، وبالتالي يعود الإنسان إلى وضعه الطبيعي، واستنتجوا من هذه النتيجة على أنه لا يوجد أي نتائج مخبرية أو حتى نتائج طبية تقر أن القات مادة مخدرة.

صوت معلق:

قيل في مدح القات:

القات يجلب للأرواح إفراحا             

ويورث القلب تنويرا وإصلاحا

ويشرح الصدر من هم ومن نكد         

حتى يعود بعيد الهم مرتاحا

عبد الهادي السوري

محمد كريشان:

بعد فترة التنبه والتركيز الأولى في تناول القات هناك مرحلة الارتخاء، ما هي مضاعفاتها الجسدية والنفسية، هذه المرحلة الثانية؟

د. رشاد محمد العليمي:

هو يبدو لي أنا أنه في مادة وهذه أهم مادة في تركيب القات اللي هي (الكاثينول)، هذه المادة مادة منبهة ومنشطة، مادة منبهة وبتؤدي إلى دفع الدورة الدموية بشكل قوي جدا إلى الدماغ، ويحصل نوع من التركيز الشديد في الساعات الأولى لتناول القات، تركيز شديد، هذا التركيز فعلا يساعد على أي عمل ممكن قد يؤديه الإنسان في نفس اللحظة هذه، في هذه الساعات الأولى، يعني هذا التركيز الشديد الذي يحصل والتنبيه الشديد بيساعد الإنسان على العمل اليدوي، بيساعد الإنسان على الاستذكار، بيساعد الإنسان على العمل العضلي والجهد أيضًا..

محمد كريشان:

هذا مُثبت طبيًّا ليس تخيلات واهية؟

د. رشاد محمد العليمي:

ليس تخيلات، لكن اللي بيحصل بعد ذلك أنه بتعود الحالة إلى وضعها الطبيعي، فيحصل ارتداد جسمي، ويحصل بعد ذلك اللي هو الشعور بالوهن والكسل والتعب بعد هذه الساعات؛ لأنه بيحصل إجهاد؛ إجهاد للذاكرة، إجهاد للمخ للأعصاب في هذه مرحلة التركيز الأولى (الساعتين)، ثم بعد ذلك يحصل الارتداد والكسل والهبوط، وبالتالي تلاحظ أن المخزنين له في الساعة الأولى يكونون في حالة نشوة وفى حالة تركيز شديد، وفى حالة أيضا قدرة على التفكير والربط بين القضايا، لكن بعد الساعتين الأولى تبدأ مرحلة الهبوط، وبالتالي يؤثر بعد ذلك على عمل هذا الإنسان في الساعات اللاحقة.

محمد كريشان:

هل يدخل في ذلك ما يقال عن ضعف جنسي يسببه تناول القات؟ البعض يشير إلى أن القات يضخم الرغبة الجنسية، ويضعف القدرة الجنسية، هل هذا صحيح؟

د. رشاد محمد العليمي:

أولا أريد أن أؤكد لك أن موضوع الجنس وموضوع الشهوة وموضوع العلاقات الجنسية هي مرتبطة بعدة عوامل، طبعا متلقية بحالة الإنسان النفسية، حالته الصحية، الحالة الاجتماعية.. هذه كلها لها تأثير على الجانب الجنسي، يعني القات ليس متغير مستقل في هذا الموضوع، وبالتالي هذا نوع من الإسقاط الغير صحيح، أن القات له دور أو ما لهش دور، لكن الثابت طبيا على أن القات من خلال الأبحاث العلمية، في أبحاث علمية خاصة الدكتور (أبو بكر القربي) عنده بحث في هذا الجانب، وكان من أول من عمل أبحاث في موضوع القات في جامعة صنعاء، له تأثير على (البروستات)، فيه تأثير مباشر للقات على (البروستات) طبعا معروف أن البروستات لها علاقة مباشرة بالموضوعات الجنسية، بالعلاقات الجنسية، وبيحصل أيضًا أثناء تناول القات ما يسمى الإفراز اللاإرادي، الإفراز اللاإرادي للحيوانات المنوية، طبعا الاسترخاء اللي بيحصل للبروستات لاشك أن له تأثير مباشر على الجانب الجنسي، لكن مسألة الإحساس؛ نتائج المقابلات والأبحاث اللي عملت على المخزنين أنه يحسوا فعلا بالرغبة في الجنس أثناء تناول القات، لكن بعد ذلك مسألة الانتصاب والعلاقات الجنسية هذه مسألة طبعا بيقال أنه يكون لها تأثير سلبي على هذا الجانب، لكن ليست الدراسات العلمية التي بين أيدينا الآن تؤكد هذا أو تنفيه، لكن تأثيره على البروستات ثابت علميا، أنه بيؤثر على البروستات بشكل مباشر.. بالتالي البروستات لها علاقة مباشرة بالموضوعات الجنسية سلبا أو إيجابا.

صوت معلق:

قيل في ذم القات:

والنسل يضعف منه              

ما في كلامي ارتياب

لا نفع في القات لكن            

فيه الشقا والعذاب

وتزهق النفس منه             

والقلب والأعصاب

والجفن يذبل حتى             

يغشى العيون سحاب

(قسطنطين يني)

محمد كريشان:

حديث الناس عن القات كظاهرة رجالية، الآن هناك تناول القات من قبل النساء، متى بدأت هذه الظاهرة ظاهرة القات النسائية إن صح التعبير؟

د. رشاد محمد العليمي:

هو عند ظهور القات كما أشرت سابقا كان يستخدمه الصوفية في اليمن، وكان يطلق عليه (قوت الصالحين) لأنه كان يتناول أولا على شكل قهوة ثم بعد ذلك تطور تناوله إلى أن أكلوا أوراقه الخضراء، وكان يعين الصوفية على قيام الليل والتهجد والعبادة، وبالتالي أطلق عليه (قوت الصالحين)، بعد ذلك انتشر إلى بقية الطبقات، بدأ بالطبقات العليا ثم انتشر إلى بقية الفئات الاجتماعية.

الواقع أن مسألة النساء والأطفال لم ينتشر بين أوساط هذه الفئات إلا في العشرين سنة الأخيرة، يعني كانت المرأة حتى وقت قريب والأطفال يمنعون من قبل ذويهم من تناول القات.. كان من العيب أن تتناول المرأة القات، وكان أيضا من العيب ويمنع الأطفال أيضا من تناول القات، لكن الآن انتشر القات بين أوساط النساء بشكل كبير، وانتشر أيضا بين أوساط الطلاب، وأيضا فيه مجالس الآن للنساء خاصة في المدن مثل مجالس الرجال ربما تكون أكثر تكلفة من الناحية الاقتصادية، وكان فيه رسالة ماجستير عملت في جامعة صنعاء، عملتها طالبة هي معيدة الآن أو مدرس مساعد في قسم علم النفس، عملت رسالة ماجستير حول موضوع (جلسات القات عند النساء)، وأنا كنت مشارك في نقاش هذه الرسالة، وكانت النتائج مذهلة...

محمد كريشان:

مثلا..

د. رشاد محمد العليمي:

من هذه النتائج أن تكلفة مجالس القات عند النساء أحيانا تساوي ثلاث أضعاف تكلفة مجالس القات عند الرجال، سواء من حيث نوع القات أو من حيث الأشياء اللي تقدم مع القات: المشروبات، البيبسي، المشروبات الأخرى، المأكولات، المياه الباردة، الثلج، ويحصل تنافس بين مجالس النساء في هذا الجانب، وهذا بيؤثر تأثير اقتصادي كبير على ميزانية الأسرة كما أوضحت هذه الرسالة، فيما يتعلق بموضوع الطلاب.. موضوع الطلاب هناك اعتقاد خاطئ أن القات بيساعد على التركيز وعلى الاستذكار، الواقع كما قلت سابقا هذا صحيح، أنت جالس لمدة ساعتين، الساعات الأولى من تناول القات بيعطيك قدرة على التركيز، قدرة على الاستمرار في الجلوس في مكان واحد، وهذا يترك اعتقاد لدى الطلاب أنه يساعد على الاستذكار، لكن من خلال أبحاث أولية، نحن عملنا بحث في جامعة (صنعاء) في عام 96 أعتقد، أخذنا طلاب وطالبات لا يتناولون القات، وأخذنا أيضا طلاب وطالبات يتناولون القات، وقارنا بين نتائج الامتحانات للأربع سنوات في الجامعة، ووجدنا أن درجات الطلاب الذين لا يتناولون القات أعلى من درجات الطلاب الذين يتناولون القات، الطلاب والطالبات الذين لا يتناولون القات في قسم علم النفس، كانت دراسة عملناها، طبعا لم نثبت مقياس الذكاء علميا، يعني المفروض أن نثبت مقياس الذكاء عند العينة المدروسة، لكن الواقع هناك دراسات قادمة -إن شاء الله- ستعمل على أولا التوسع في هذه الدراسة، لكن الثابت علميا أن الذين لا يتناولون القات من الطلاب والطالبات درجاتهم العلمية أعلى بكثير من درجات الطلاب الذين يتناولون القات ويعتقدون أنه يساعدهم على الاستذكار، والدليل على ذلك أنه الآن من ضمن القرارات أعتقد أو من ضمن القضايا المطروحة أنه لا بد أن يدخل القات ضمن المناهج الدراسية في الصفوف الأولى، في المرحلة الأولى والمرحلة الأساسية يدخل القات ومضاره من ضمن المناهج الدراسية حتى نقي الطلاب والطالبات من هذا الاعتقاد الخاطئ بأن القات يساعد على الاستذكار أو يساعد على التحصيل العلمي.

محمد كريشان:

إذن هناك شروع في عملية توعية.. انتقال القات للنساء والأطفال مثلما ذكرنا، هناك أيضا مناطق لم تكن فيها هذه الظاهرة، مثلا المحافظات الجنوبية أو ما كان يعرف باليمن الجنوبي سابقا، ما تفسيركم؟ هل هو مجرد التقليد؟ الإحساس بضرورة أن تكون الظاهرة وطنية شاملة؟ ما التفسير؟

د. رشاد محمد العليمي:

هو موضوع القات متواجد في كل المناطق اليمنية، باستثناء المناطق التي لا تصلح الأراضي لزراعته، مثلا كثير من المناطق اليمنية مثل (تهامة)، في تهامة يتناولون القات ولكن لا يزرع القات في تهامة، أيضا في حضر موت، فى شبوة، في مأرب، في كثير من المناطق، لأنه القات يحتاج إلى تربة معينة وإلى درجة حرارة معينة، وبالتالي لا يصلح في كثير من المناطق مثل تهامة وحضرموت ومأرب وشبوة، لكن في المناطق الجبلية والهضاب والوديان الرطبة والمعتدلة نسبيا القات متواجد فيها، مثلا في المحافظات الجنوبية القات موجود في (الظالع)، موجود في محافظة الظالع منذ فترة طويلة، وحتى عندما صدر قرار منع القات أو قانون عدم تناول القات إلا في الخميس والجمعة في 76 في المحافظات الجنوبية في عدن، هذا القرار يعني عمليا لم ينفذ على الواقع، وبالتالي كان الناس يشتروا القات يوم الخميس والجمعة، ويتركوه في الثلاجات ويخزنوه طوال الأسبوع في البيت. أيضا كثير من المسؤولين الذي كانوا في هذه الفترة التاريخية من منطقة (الظالع) وكانوا يملكون مساحات شاسعة جدا مزروعة بالقات، وكانوا أعضاء في المكتب السياسي وأعضاء في الحكومة في المحافظات الجنوبية في هذه الفترة التاريخية.

قضية الانتشار بين النساء يبدو لي أنا.. بالنسبة للنساء يبدو لي يعود إلى سببين رئيسيين:

السبب الأول: هو ارتفاع دخول الناس، هذه مسألة أساسية، لأنه الناس في الماضي ما كانوش قادرين على الحصول على القات، ولا يشتروه نتيجة لارتفاع أثمانه، ونتيجة أيضا لعدم وجود وسائل اتصال كانت تنقل القات من مكان إلى آخر، وكان لا يتناول القات إلا الناس القادرين على الحصول عليه، عندما ارتفعت نسبة الدخول عند الناس ابتداء من السبعين بالضبط، سواء في المحافظات الجنوبية سابقا أو المحافظات الشمالية، بدأ يمتد القات إلى النساء، وبدأت مجالس القات خاصة في المدن، لأن المرأة بدأت الآن.. وسائل الحياة الحديثة اللي دخلت على المنزل خففت من أعباء المرأة، وأصبح لدى المرأة وقت فائض لا بد أن تقضيه، لأن الزوج يقضي الوقت الفائض في مجالس القات الرجالية.. إذن هي أين تذهب؟ لا يوجد بديل، فتشكلت مجالس للنساء لقضاء وقت الفراغ، وتشكلت كما أوضحت رسالة الماجستير التي تكلمنا عنها منذ قليل اللي عملتها الباحثة (نجاة صايم) معيدة في قسم علم النفس بجامعة صنعاء تشكلت مجالس النساء، وأصبحت هناك شلل وجماعات اجتماعية بين النساء، المجموعة الاجتماعية مغلقة، يعني عشر نساء أو خمس أو ست أو 15 نساء، هؤلاء بيشكلن مجموعة اجتماعية نسائية يقضين وقت الفراغ، تبادل الأحاديث، تبادل الشكاوى أحيانا، تبادل النصائح الاجتماعية، وأصبح القات هو الجامع بين هذه الشلل أو هذه الجماعات الاجتماعية النسائية، وهذا طبعا امتد الآن إلى كل المدن اليمنية ليس في مدينة (صنعاء) لكن في المدن كلها، إذن الجانب الاجتماعي هو الذي فعلا أصبح الغالب في هذه المسألة، وهو أصبح المحور في مسألة تشكيل مجالس للنساء شبيهة بمجالس الرجال.

بالنسبة للأطفال.. بالنسبة للأطفال الأطفال أيضا يبدو لي أنا بالنسبة للأطفال ما تحت سن العاشرة طبعا تناول القات محدود للغاية، لكن بالنسبة لطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية، الاعتقاد بأنه يساعد على الاستذكار دفع الطلاب فعلا إلى تناول القات، وتكونت شلل من الطلاب يتجمعون كل خمسة، كل اثنين، كل ثلاثة يتناولون القات، ويذاكرون الدروس، طبعا هذا الاعتقاد بأن القات يساعد على الاستذكار أدى إلى انتشاره، إضافة إلى مرحلة مسألة المحاكاة والتقليد، الطفل عندما يرى والده أنه شخصيته الاجتماعية ومكانته تتشكل من خلال مجلس القات، من يأتي إليه من الشخصيات الاجتماعية، من يأتي إليه من الناس المؤثرين في المجتمع.. طبعا هو يتطلع إلى أن يكون أحد هذه الرموز الاجتماعية في المستقبل، وبالتالي يبدأ يشكل مجموعات اجتماعية صغيرة وعادة في المدرسة. يعني مسألة المحاكاة والتقليد لها دور أساسي في هذه المسألة، وهذه أيضا تمتد إلى مجالس النساء، يعني كما أوضحت رسالة الماجستير أن هناك تفاخر بين مجالس النساء، أن مجلس زوجة فلان أو فلانة أفضل مجلس للقات، وبالتالي يبدأ التفاخر سواء في تأثيث المجلس أو في تناول المرطبات أو في تناول المأكولات قبل القات طبعا إلى آخر هذه الأشياء، فالأسباب الاجتماعية هذه اللي ذكرناها يبدو لي أنها من الأسباب الرئيسية اللي أدت إلى هذا الانتشار.

محمد كريشان:

دكتور.. محلات بيع القات منتشرة بشكل كبير في اليمن، والناس تذهب في أوقات معينة لشرائه ثم الذهاب لجلسات المقيل وتناول القات، يلاحظ أن نسبة كبيرة من هؤلاء الناس فقراء وحتى معدمين، يعني هو يذهب لشراء القات ربما على حساب الحاجات الأساسية للعائلة وعلى حساب المعيشة.. ما رأيك في هذه الظاهرة؟ 

د. رشاد محمد العليمي:

هذا يبدو لي أنا من أهم الموضوعات المتعلقة بالقات فيما يتعلق بمشكلة المجتمع اليمني، القات ليس مشكلة تخدير وليس مشكلة إدمان.. هذه مسألة محسومة علميا، المشكلة بالنسبة لنا في اليمن هي مشكلة اقتصادية اجتماعية ثقافية، فالمشكلة الاقتصادية.. طبعا أثبتت الدراسات أن 12% من دخل الأسرة -هذه آخر إحصائيات- أن 12% من دخل الأسرة بيصرف في القات، بينما يصرف في مجال الحبوب -تمام- اللي هي المعيشة؛ 17%، التعليم يمكن 1%، الفواكه ما يتجاوزش 2%، يعني هناك 12% من إنفاق الأسرة اليمنية بيذهب في استهلاك القات، طبعا هذا بيعمل انعكاس واسع النطاق سواء صحي أو اجتماعي أو ثقافي إلى آخره، هذه مشكلة.

المشكلة الثانية متعلقة أيضا بمشكلة المساحات المزروعة، عندنا الآن في حدود 100 ألف هكتار.. آخر إحصائيات بتقول أن هناك 97 ألف هكتار من المساحات المزروعة في المجتمع اليمني مزروعة بالقات.

محمد كريشان:

هل يأتي في المرتبة الأولى؟

د. رشاد محمد العليمي:

أنا أعتقد أنه يعتبر الزراعة الأولى الآن، يعني 97% يعتبر الزراعة الأولى، لكن لو جمعنا البن مع الفواكه مع المحاصيل النقدية طبعا لا، لكن لو فصلتها لو قلت مثلا: القات، البن، الفواكه.. كذا، طبعا هيصبح الأول، لكن لما تجمع المحاصيل الأخرى مش هيصبح الأول طبعا، لكن هو يصبح الأول لو فصلنا بين هذه المحاصيل، عندنا 127 مليون المساحات المزروعة فيه معاهم 100 ألف هكتار للقات.

محمد كريشان:

ويستنزف حتى الماء.

د. رشاد محمد العليمي:

الاستنزاف.. آخر الإحصائيات أنه بيستنزف 55% من المياه، هذه طبعا مشكلة كبيرة، هذا المؤشر الأول فيما يتعلق بهذه المسألة.

المؤشر الثاني: الفجوة الغذائية التي أحدثتها زراعة القات، يعني الآن زراعة القات نمت على حساب المحاصيل الأخرى خاصة البن، والبن إلى الأربعينيات من هذا القرن كان يمثل أحد المصادر الأساسية للعملة الصعبة في المجتمع اليمني، وتراجع الآن، وأصبح البن لا يشكل الآن إلا 32 ألف هكتار، 32 ألف هكتار زراعة البن الآن في المجتمع اليمني، أدى هذا إلى فجوة غذائية.

صوت معلق:

قيل في تحريم القات:

ألا إن هذا القات أوله سكر     

وآخره حزن كما تفعل الخمر

على أن هذا أصل كل مضرة   

وتلك بها نفع كما نطق الذكر

ولكنه غطى على النفع إثمها    

فحرمها رب الورى الحكم البر

(العلامة الحجة.. علي بن يحيى الإرياني)

محمد كريشان:

هناك أيضا المردود المالي، من يزرع القات يعود إليه بعائد مالي مهم، وأحيانا مغري، وبالتالي فهو يفضل زراعة القات على أن يزرع التفاح أو البرتقال أو غيره من الزراعات الأخرى المعروفة.

د. رشاد محمد العليمي:

هذا صحيح لأنه بالنسبة للقات محصوله النقدي بالنسبة للمزارع يرتفع إلى 22 ضعف على البن، وطبعا هذا بيدفع المزارع اليمني إلى أنه يزرع القات ويقلع شجرة البن أو أي محاصيل أخرى، مشكلة المياه تكلمنا عنها، أيضًا المشكلة الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع اللي هي مشكلة أيضا الحركة اليومية للمبالغ النقدية التي تذهب للقات، آخر إحصائيات -تقديرية طبعا- تقول: إن هناك 70 مليون ريال يوميا تستنزف في شراء القات؛ 70 مليون يومياً، يعني سنويا هناك فاقد اقتصادي قدره في حدود خمسة وعشرون مليار، فاقد اقتصادي؛ لأن هذا لا يدخل في إطار العجلة الاقتصادية والناتج القومي، هي حركة داخلية دائرية فقط. هذه الـ 25 مليار طبعًا هذا بيعتبر من وجهة نظر الاقتصاديين فاقد اقتصادي، ليس له أي دور في عجلة التنمية أو في الناتج القومي، هذا فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي.

محمد كريشان:

دكتور، بعض الذين لا أقول يدافعون عن القات وإنما يحاولون أن يعطوه مدلول إيجابي؛ يتحدثون عن ظاهرة تدوير رأس المال كما يقال في البلد، وأن هذه الحركة الاقتصادية التي خلقها القات ربما تعود بالفائدة على عديد جهات سواء في الريف أو في المدينة، وانتقال لرأس المال بين الريف والمدينة، كيف ترى الموضوع؟

د. رشاد محمد العليمي:

هذا صحيح، ولذلك نحن عندما نتكلم عن اتخاذ قرارات، وعندما نتكلم عن دراسة واستراتيجية لمعالجة موضوع القات، لا بد أن نأخذ هذا بعين الاعتبار، احنا عندنا 500 ألف أسرة طبقا لآخر إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء أنه عندنا 500 ألف أسرة تستفيد من موضوع القات، يعني بمعنى أن هناك 20% من سكان الجمهورية اليمنية يعيشون فعلا على حساب زراعة القات وتسويق القات وحركته الدائرية داخل المجتمع، هذه فعلا مشكلة، مشكلة اقتصادية، مشكلة اجتماعية، لا بد من معالجتها معالجة حكيمة. فالمسألة ليست مسألة قرار سياسي، أي اتخاذ قرار سياسي، ونعالج موضوع القات بقرار سياسي.. المسألة في حاجة إلى معالجة لأن القضية معقدة اقتصاديا واجتماعا وثقافيا.. إلى آخره.

المشكلة الأخرى المتعلقة أيضا كيف نفصل بين العادات الاجتماعية والقات؟ الآن هناك تداخل بين القات والعادات الاجتماعية، في الزواج القاسم المشترك في عادات الزواج القات، في الخطوبة، في الأفراح، في مجابرة الموت، في تجمع الأصدقاء..

محمد كريشان:

ما معنى قاسم مشترك؟ يعني في كل هذه المناسبات تكون هناك..؟

د. رشاد محمد العليمي:

يعني في كل هذه المناسبات لازم يكون هناك قات.. إذن هذه أيضاً مشكلة اجتماعية؛ كيف نفصل بين العادات الاجتماعية وبين هذا القاسم المشترك، وجود القات.. هذه أيضاً مشكلة اجتماعية، وفي هناك رسالة دكتوراه الواقع عملها طالب دكتور الآن هو في جامعة صنعاء، عملها في تونس حول ثقافة القات: المباني في المنزل، في أماكن داخل المنزل تخصص للقات، المفارش تخصص للقات، عادات القات، الأكل المرتبط أيضا بالقات الذي يؤكل قبل تناول القات.. أصبحت هناك ثقافة.

محمد كريشان:

طقوس.

محمد رشاد العليمي:

وطقوس، وبالتالي هذه أيضا هذه مشكلة ثقافية لا بد لها من معالجة. طبعا هذه المشكلات كلها في حاجة إلى استراتيجية  طويلة الأمد تتدرج في معالجة هذه الظاهرة، وينبغي أيضا أن نركز في هذه المرحلة على ما دون سن 18 سنة، يعني ينبغي أن نركز سواء كمؤسسات، كدولة، أو كمؤسسات ثقافية أو جامعات أو مراكز بحث ينبغي أن نركز على هذه الفئة اللي هم الأطفال.

محمد كريشان:

إذا اعتبرنا أن الموضوع تنموي، بمعنى أنه ربما إذا خلقت حركة تنموية اقتصادية جيدة في البلد قد تختفي الظاهرة أو تتقلص إلى حد كبير، ولكن ما الذي يضمن أنه إذا ما ارتفع العائد المالي للناس في البلاد وأصبحت هناك حركة اقتصادية جيدة ألا يذهب هذا الفائض المالي لدى المواطن إلى المزيد من استهلاك القات.

د. رشاد محمد العليمي:

في الحقيقة هناك توجه الآن وتوجه جاد، سواء على مستوى المؤسسات البحثية أو على مستوى الدولة، هذا التوجه بدأ مبكرا، يعني هناك محاولات عديدة كانت من قبل الحكومات لاتخاذ قرار سياسي، كان هناك قرار في عام 72 من حكومة الأستاذ (محسن العيني) ضد القات وقلع القات في أراضي الدولة، ولكن فشل هذا القرار، بعد ذلك كان هناك قرار في المحافظات الجنوبية في 76 أو قانون وفشل هذا القرار، الآن بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية والاستقرار السياسي الذي ترتب على إعادة تحقيق هذه الوحدة، استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، هذا الآن بدأ التفكير جديا ليس على مستوى المؤسسات الشعبية وإنما على مستوى أيضًا الدولة، فمثلاً الأخ الرئيس (علي عبد الله صالح) اتخذ قرار بالنسبة له شخصيًّا بعدم تناول القات إلا في أيام معدودة، وبدأ الصحف الحكومية تنشر صور الأخ الرئيس وهو يمارس الرياضة، واتخذ قرار أيضا بمنع تناول القات في المؤسسات العسكرية وأثناء أداء المهام الأمنية والعسكرية، وأيضا منع تناول القات في المؤسسات التابعة للدولة، هذا القرار الآن منفذ ويطبق على كافة أنحاء الجمهورية.

محمد كريشان:

إذن هناك توجه لمحاصرة القات وليس محاربته أو مقاومته بشكل قوي؟

د. رشاد محمد العليمي:

من الصعب أن تتخذ قرارات يعني مواجهة، لا بد أن تتخذ قرارات تحاصر الظاهرة، وبالتالي تقلل بقدر الإمكان مسألة الطلب عليها، لأنه إذا انخفض الطلب على سلعة القات سينخفض سعرها، ويزداد العرض، وبالتالي المواطن ستصبح سلعته أرخص، وسيلجأ إلى زراعة بدائل، لأنه يقول لك إذا كان القات هذا لا يعطيني الربح المعتاد إذن سيلجأ المزارع إلى زراعة محاصيل أخرى، هناك أيضا عمل شعبي، أنشئت جمعيات، مثلا في عام 92 نحن أنشأنا الجمعية الوطنية لمواجهة أضرار القات، وكان لي شرف المشاركة في هذه الجمعية مع مجموعة من المثقفين، وكان مؤسسة (العفيف) الثقافية برئاسة الأستاذ (أحمد جابر العفيف) كان هو المبادر لهذه المسألة، وتشكلت هيئة إدارية، وعملنا جمعية عمومية وانتخابات، والواقع أنه حضر اجتماع الجمعية العمومية لانتخاب الهيئة الإدارية لهذه الجمعية شخصيات اجتماعية من وزراء ومسؤولين، والكل شارك في هذه الجمعية، وانتخبوا هيئة إدارية وكنت عضو الهيئة الإدارية التي أنشئت في عام 92، والآن عملوا انتخابات، وطلعت هيئة إدارية أخرى، هناك أيضا جمعيات أنشئت الآن في محافظة (عدن) في محافظة (تعز) وفي محافظة (إب)، هذه الجمعيات ليس لها علاقة بالدولة، مؤسسات وجمعيات شعبية تقوم بعملية نشر الوعي والثقافة وعمل المحاضرات والتوعية في المدارس والمؤسسات، وعمل الملصقات تبين أضرار القات وتقوم بتوعية الناس بمخاطره، هناك أيضا صحيفة (يمن بلا قات)، وهذه بتصدرها مؤسسة العفيف الثقافية وتابعة للجمعية الوطنية لمواجهة أضرار القات، وهناك جهود شعبية كبيرة من المؤسسات، الحكومة في الأخير اتخذت أيضا.. يعني لم تتخذ قرار معين، ولكن أبدت توجيهات بإنشاء مركز لأبحاث القات يتبع تقريبا وزارة الزراعة ومركز الأبحاث الزراعية، وهذه مسألة مهمة، وزارة التخطيط والتنمية أيضًا شكلت فريق من الجامعة جامعة صنعاء، وعملوا استراتيجية وطنية لمواجهة أضرار القات، هذه الاستراتيجية تشمل أهداف وتشمل أيضا برامج تنفيذية تتبناها الدولة على المدى البعيد. نحن في الجمعية الوطنية لمواجهة أضرار القات في عام 92 عندما كنا نناقش النظام الأساسي كان الكل يقول نريد يمن بلا قات بعد خمس سنوات، والبعض الآخر متفائل -مش متفائل كتير- يقول عشر سنوات، أخيرا اتفقنا على أنه إذا استطعنا أن نصل بعد ثلاثين سنة إلى (يمن بلا قات) فهذا يكون عمل عظيم استطعنا أن نحققه، وفعلا استقر الرأي على أن يكون بعد ثلاثين عام نصل كهدف أساسي للجمعية إلى يمن بلا قات بعد ثلاثين عاما.

محمد كريشان:

دكتور.. ما علاقة مجالس القات بالسياسة، هناك حديث أحيانا عن أن قرارات سياسية كبرى في اليمن اتخذت في مجالس القات، هذا بالطبع ليس عيبا، لكن ما علاقة مجالس القات بالتداول السياسي في شؤون البلد؟

د. رشاد محمد العليمي:

يبدو لي قبل عام 90 كان مجالس القات لها دور أساسي في كثير من المسائل السياسية، وكانت هذه المجالس عبارة عن منتدى للثقافة والأدب والفكر والنقاشات المختلفة، وطبعا استمرت بعد ذلك، لكن بعد عام 90 بعد انتهاج التعددية السياسية وحرية تكوين الأحزاب وحرية أيضا إصدار الصحف كنا نتوقع أن تكون التعددية السياسية والأحزاب وأن تكون الصحف الحرة هي البديل..

محمد كريشان:

يفترض..

د. رشاد محمد العليمي:

يفترض هذا، لكن الشيء المؤسف الواقع أنه ظلت مجالس القات هي الوعاء للنقاشات السياسية والحوارات السياسية، كنا نتوقع أن تنتقل هذه المؤسسات والأحزاب إلى مرحلة متقدمة كأحزاب، لكن الشيء المؤسف أنه ظلت حبيسة، الثقافة التقليدية التي يمكن أن نطلق عليها.. وهذا يعطينا فكرة أن التفاعل بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة يعني لا زال في مرحلة متأخرة بالنسبة لهذه المسألة بالذات، والثقافة التقليدية بالنسبة لموضوع القات لا زالت هي المسيطرة -تمام- حتى على التوجهات الحزبية التي ينبغي أن تخرج إلى مستوى المهرجانات واللقاءات العامة والمحاضرات وكذا.. أيضا الصحف كانت مجالس القات هي مصدر الإشاعات ومصدر الأخبار السياسية، هذا قبل التعددية، يفترض بعد التعددية السياسية أن تكون الصحف وأن تكون التعددية السياسية وحرية تكوين الأحزاب أن تكون هي المصدر للأخبار وليست مجالس القات، لكن الشيء المؤسف أن الصحف الحزبية المتعددة والحرة المتعددة الآن أصبحت مصادرها مجالس القات، يعني لا تنتقل -وهذا شيء مؤسف-  لا تنتقل إلى مكان الخبر، إلى مكان الحدث، وتنقل للمشاهد أو للمواطن حقيقة ما حدث، لا، الصحفي يسمع خبر أو إشاعة في مقيل القات فينقله إلى الصحيفة ويعتبره كأنه خبر وهذا بيحدث لنا مشكلات وإرباكات اجتماعية وسياسية وثقافية متعددة، فمطلوب فعلا من الأحزاب ورؤساء تحرير الصحف والصحفيين والعاملين في هذا المجال أن ينتقلوا بفكرهم وتوجهاتهم إلى مستوى هذه الحرية اللي نتمتع بها في المجتمع اليمني، حرية الصحافة، حرية تعدد الأحزاب، حرية الجمعيات، حرية كذا، ولا نبقى حبيسين المقايل الضيقة ومجالس القات.

محمد كريشان:

دكتور رشاد محمد العليمي، شكرا جزيلا.

د. رشاد محمد العليمي:

شكرا جزيلا.