مع كل إدارة أميركية يتجدد السؤال حول القوة الأميركية في العالم: هل هي في تمدد أم في حالة انكماش؟ غير أن السؤال يطرح بحدة أكبر مع إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تحمل شعار "أميركا أولا"، رغم أن سالفاتها عملت بمنطق لا يختلف كثيرا في خدمة المصلحة الأميركية أولا.

في هذا الإطار، تدور معارك كلامية في الولايات المتحدة حول جولة وزير الخارجية ريكس تيلرسون الحالية في الشرق الأوسط، التي بدأت في مصر، حيث يقول منتقدوه إنه تحدث عن الحرب ضد الإرهاب أكثر مما تحدث عن مسبباته أو مؤججاته.

كما تتناول تلك السجالات تيلرسون نفسه، حيث يشكك المنتقدون في قدراته كوزير بنى خبرته ليس في مجال الدبلوماسية، بل في مجال المحروقات، في حين يثني آخرون عليه كصوت من أصوات العقل والاتزان في إدارة توصف سياساتها -على الأقل عند منتقديها- بالمتهورة، وتُتهم بتأجيج توترات قديمة أو خلق أخرى جديدة.

أحد أهم تلك التوترات في ظل جولة تيلرسون كانت الخلاف بين واشنطن وأنقرة حول قوات سوريا الديمقراطية، الحليف الكردي للولايات المتحدة الذي تتهمه تركيا بالإرهاب.

كما تناولت هذه السجالات سوريا التي تحولت في الفترة الأخيرة إلى ساحة تخيم عليها أخطار مواجهة عسكرية بين روسيا والولايات المتحدة وبين إيران وإسرائيل، لا سيما بعد أن تسبب قصف لقوات تابعة للنظام السوري في مقتل مواطنين روس، تلاها إسقاط الدفاعات الجوية السورية طائرة إسرائيلية أميركية الصنع.

فرصة جديدة
حول هذا الموضوع، يقول كبير الباحثين في المجلس الأميركي للسياسة الخارجية جيمس روبنز إن زيارة تيلرسون الأخيرة للشرق الأوسط تشكل فرصة للإدارة الأميركية لرسم تواجد جديد لها في المنطقة.

ويضيف أنه بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية عسكريا حدث فراغ ملأته روسيا والأكراد والإيرانيون وحتى قوات النظام السوري، وهناك تنافس كبير بين جميع القوى لإثبات وجودها، كما أن هذه الزيارة تصب في صالح تخفيف التوتر مع الحليفة تركيا.

ويرى روبنز أن الإدارة الأميركية الحالية لديها إستراتيجية، وهي تتغير وتتطور مع الزمن، فقد عملت على إسقاط تنظيم الدولة، ونجحت في ذلك، كما أن لها علاقة إستراتيجية مع الأكراد ومع إسرائيل وتركيا، وقام تيلرسون بإعادة التأكيد عليها في هذه الزيارة.

إستراتيجية غائبة
أما مدير دائرة البحوث في المركز العربي في واشنطن عماد حرب فيرفض وصف السياسة الأميركية الحالية بأنها إستراتيجية، معتبرا أن "واشنطن لم تضيع بوصلة الاستقرار في الشرق الأوسط فقط، بل أضاعت حلفاءها أيضا، كما رأينا في قضية القدس مثلاً، وهي لا تمتلك إستراتيجية واضحة في المنطقة، وهذا ما يظهر في سوريا".

ويتابع أن تيلرسون رجل عقلاني، وقد ظهر ذلك في سلوكه وتصريحاته تجاه أزمة الخليج، وكذلك نصيحته لترمب بعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو في هذه الزيارة يحاول رأب الصدع مع الحلفاء العرب، ومنها تأتي زيارته للأردن الذي كان مستاء جداً من موضوع القدس، وكذلك زيارته لمصر، والتي حاول فيها توجيه التعهد بالالتزام باستقرار مصر، لكن هنا لا يمكن إنكار أن تيلرسون تجاهل موضوع الانتخابات وحقوق الإنسان في مصر، وهذا جزء من تخبط الإدارة.

تحرك روسي
من جهته، لفت يفغيني سيدروف، المحلل السياسي والكاتب والصحفي المختص في العلاقات الروسية العربية إلى أن روسيا استغلت الخلاف التركي الأميركي لصالح تعزيز علاقاتها مع تركيا، واليوم نرى تعاونا عسكريا مع تركيا، رغم أنها عضو كبير في حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي أنشئ في الأساس ضد روسيا، وها هي تركيا تبتاع الأسلحة الروسية متل صواريخ أس 400 وغيرها.

أما عن التراشق الإعلامي بين موسكو وواشنطن، فاعتبر سيدروف أنه على قيادتي البلدين التعاون لحل الكثير من الأزمات في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الأزمة السورية.

واشنطن وأنقرة
بدوره، أقر رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط أحمد أويصال بأن هناك خلافا واضحا بين أميركا وتركيا بخصوص التنظيمات الكردية؛ فقد وعدت واشنطن أنقرة بأنه بعد التخلص من تنظيم الدولة، ستعود القوات الكردية إلى أماكنها، لكن هذا لم يحدث، وهو ما أثار غضب تركيا، ولقاء تيلرسون مع الرئيس رجب طيب أردوغان نجمت عنه إشارات على تفاهمات جديدة يمكن أن تحل هذا الإشكال.

وأوضح أن سياسة ترمب تختلف عن سياسات باراك أوباما من حيث الظاهر، لكن ترمب استمر فعليا في سياسات سلفه في سوريا، من حيث دعم التنظيمات الكردية، وعدم دعم التنظيمات السورية المعتدلة.