بعد ميلاد ما باتت تعرف بثورات الربيع العربي، علقت الشعوب العربية آمالا عريضة على تحسن أوضاع حقوق الإنسان في بلدانها، مع اتساع مساحة حرية التعبير.

لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فقد حدث للثورات ما حدث، وتحولت الأحلام إلى كوابيس حينما تحولت أمنيات الإنسان العربي في مداها الأقصى إلى مجرد البقاء على قيد الحياة، بغض النظر عن ظروف هذه الحياة.

وبينما يرى فريق من الناس أن الحديث عن حقوق الإنسان في العالم العربي ما هو إلا ترف في ظل تحديات أمنية واقتصادية، يرى مختصون وخبراء أن الحفاظ على حقوق الإنسان يصبح أكثر إلحاحا في وقت الأزمات.

حلقة الاثنين (16/3/2015) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على وضع حقوق الإنسان في العالم العربي، في ضوء ما تشهده المنطقة من صراعات ونزاعات وتوترات داخلية.

واقع مرير
فبينما لا تزال الحروب تدور رحاها في كل من العراق وسوريا، وتشهد كل من اليمن وليبيا والسودان نزاعا مستمرا، فضلا عن بطش أنظمة امتلأت سجونها بمعارضين صدحوا برأيهم، وعذاب آخرين بالقمع والترهيب من قبل الأجهزة الأمنية.

وبحسب منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير، فإن عام 2014 كان كارثيا بالنسبة لحقوق الإنسان خصوصا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وذكر التقرير أن دولا عربية لا تزال تقمع معارضيها وتصادر حقهم في حرية الرأي والتعبير، لافتا إلى ضعف أنظمة العدالة والقضاء وتفشي الاعتقال التعسفي وإفلات الجناة من العقاب.

وأوردت المنظمة ازدياد حالات التعذيب وتفشيها، لا سيما بين المعتقلين في المنطقة العربية التي تعاني من التوتر والنزاع، وأشار إلى تزايد عمليات التمييز للأقليات العرقية والدينية نتيجة الصراع أو الاستقطاب المذهبي.

حول هذا الموضوع، يقول عبد السلام سيد أحمد، ممثل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، إن هنالك انتهاكات تحدث في جميع أنحاء العالم بما في ذلك المنطقة العربية، ويجب أن لا نقارن بين الدول أيها أفضل في عدد هذه الانتهاكات.

تحديات
وأضاف أن الوضع في المنطقة العربية فيه الكثير من التحديات في ما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان، بسبب الصراع الدائر والنزاعات المسلحة في أكثر من مكان، فضلا عن كوكبة أخرى من الانتهاكات تحدث في المنطقة.

وأوضح المسؤول الأممي أن أوضاع السجون على سبيل المثال تدخل في نطاق المعاملة القاسية وغير الإنسانية، وهنالك العديد من القضايا في ما يتعلق بموضوع مكافحة التمييز.

وردا على سؤال عما إذا كانت هناك بعض النواحي الإيجابية في ملف حقوق الإنسان بالعالم العربي، قال إن هناك بعض الإيجابيات في تونس، من حيث إجراء انتخابات ديمقراطية وقدر لا بأس به من المشاركة السياسية، وأوضح أن هناك نشاطا جيدا لمنظمات المجتمع المدني في غالبية الدول العربية، وهناك اهتماما بالمراجعة الدورية الشاملة التي تقدمها الدول العربية كل أربع سنوات.

لا اكتراث
من جهته، قال الخبير في حقوق الإنسان فادي القاضي إنه لم يعد أحد من السلطات وأنظمة الحكم في العالم العربي يكترث بما يعنيه فرض وممارسة التشريعات على نحو يحمي حقوق وكرامة البشر.

وأضاف أنه في إطار الربيع العربي والحلم بالمضي نحو الحرية، كان هناك طموح مشروع أن يتغير الحال إلى واقع ممارس وتشريعي أفضل، ولكن المرحلة التي نشهدها الآن في العالم العربي هي مرحلة "صفرية" لم يعد فيها صناع القرارات يخشون من أي ضغوط داخلية أو خارجية في ما يتعلق باحترام حقوق الإنسان.

وأكد القاضي أن العالم العربي فقد البوصلة التي أشعلتها شرارة الربيع العربي: الحرية واحترام حقوق الإنسان، والآن هناك خصومة حقيقية مع سياسات صناع القرار.

واعتبر أن الإشكال الحقيقي هو أن ما تستطيعه الآليات والمنظمات الدولية والأممية المهنية في حقوق الإنسان محدود بسقف وأطر صعبة ومعرقلة، تمنع في بعض الأحيان الوصول إلى الأرقام الدقيقة.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: واقع حقوق الإنسان عربياً بعد ثورات الربيع

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيوف الحلقة:

-  عبد السلام سيد أحمد/ممثل المفوض السامي لحقوق الإنسان بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا

-  فادي القاضي/خبير في شؤون حقوق الإنسان

تاريخ الحلقة: 16/3/2015

المحاور:

-   حقوق الإنسان العربي بين التنظير والممارسة

-   الفارق بين التقارير والواقع المعاش

-   ضغوط وحسابات سياسية

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي تُسلط الضوء فيها على وضع حقوق الإنسان في العالم العربي في ضوء ما تشهده المنطقة من صراعاتٍ ونزاعاتٍ وتوتراتٍ داخلية.

ما أكبر الآمال التي تعلقت بها الشعوب العربية في تحسن حقوق الإنسان في بلدانها واتساع مساحة حرية التعبير فيها خلال السنوات القليلة الماضية، بعد ميلاد ما باتت تُعرف بثورات الربيع العربي، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فقد حدث للثورات ما حدث وتحولت الأحلام إلى كابوس حينما تحولت أمنيات الإنسان العربي في مداها الأقصى إلى مجرد البقاء على قيد الحياة بغض النظر عن ظروف هذه الحياة، وبينما يرى فريق من الناس أن الحديث عن حقوق الإنسان في العالم العربي ما هو إلا ترف في ظل تحديات أمنية واقتصادية، يرى مختصون وخبراء أن الحفاظ على حقوق الإنسان يصبح أكثر إلحاحاً في وقت الأزمات.

]تقرير مسجل[

محمد الطيب:  إنها الحياة بالنسبة لهؤلاء لا تحتمل العيش إلا بكرامة، مُخاطرةٌ قد تقودهم إلى الموت لكنها قد تهبهم أيضاً حياةً جديدةً مختلفة في دول ينظرون إليها أنها تحترم وتُطبق حقوق الإنسان وتحفظ كرامته وآخرون مثلهم كُثر ينزحون من مكانٍ إلى آخر ويهاجرون من قُطرٍ إلى قُطرٍ في الدول العربية من أجل حقٍ ورد في مبادئ حقوق الإنسان هو الحق في الحياة والحرية والسلامة، ما تزال الحروب تدور رحاها بغير رحمةٍ في كلٍ من العراق وسوريا إضافة إلى نزاع ينخر بسوسه في كلٍ من اليمن والسودان وليبيا بالإضافة إلى بطش أنظمةٍ غصت سجونها بمعارضين صدحوا برأيهم وعُذب آخرون بالقمع والترهيب من قِبل أجهزةٍ كان من الأحرى بها أن تسهر على أمنهم وسلامتهم، وبحسب منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير فإن عام 2014 كان كارثياً بالنسبة لحقوق الإنسان خصوصاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذكر التقرير أن دولاً عربية ما تزال تقمع معارضيها وتُصادر حقهم في حرية الرأي والتعبير، وأشار إلى ضعف أنظمة العدالة والقضاء وتفشي الاعتقال التعسفي وإفلات الجُناة من العقاب، وأوردت المنظمة أيضاً ازدياد حالات التعذيب وتفشيها سيما بين المعتقلين في المنطقة العربية التي تعاني التوتر والنزاع، ولفت التقرير إلى تزايد عمليات التمييز للأقليات العرقية والدينية نتيجة الصراع أو الاستقطاب المذهبي، رحل عام 2014 ويبدو أنه صدّر أوجاع المنطقة العربية فيه إلى العام الذي يليه فكل العوامل التي تُؤثر على مسار تطبيق مبادئ حقوق الإنسان ما تزال قائمة وتُراوح مكانها ولم تتوقف إدانات ومطالبات منظماتٍ حقوقية وإنسانيةٍ دولاً عربية بالكف عن انتهاكات تقوم بها في حق مواطنيها يصاحب ذلك عزوفٌ مقصودٌ من قِبل أنظمةٍ عربيةٍ عن تعزيز ثقافة الحقوق والحريات وترسيخها بين شعوبها، يأتي اليوم العربي لحقوق الإنسان هذا العام رافعاً شعار حرية الرأي والتعبير حقٌ ومسؤولية لكن الواقع مجافٍ لما هو مأمول فخلال شهر فبراير الماضي وحده وثقت شبكة سند المُدافعة عن حقوق الحريات الصحفية 284 انتهاكا وقع في 14 بلداً عربية، وذكر التقرير أن نسبة الانتهاكات الجسيمة الجزائية التي عادةً ما يُفلت مرتكبوها من العقاب قد شكلت 26% من مجموع الانتهاكات، وسجل الاعتداء الجسدي أعلى نسب الانتهاكات الجسيمة بنحو 22 حالة وبنسبةٍ تجاوزت 35%، وأظهر التقرير أن أعلى هذه المعدلات سُجلت في السودان بواقع 48 انتهاكا بعد أن كان اليمن متصدراً لقائمة الانتهاكات في يناير بنحو 82 انتهاكا، وجاءت انتهاكات سٌلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين في المرتبة الثانية بنحو 34 واقعة يليها مباشرةً العراق بـ 26 انتهاكا ارتكب معظمها من قِبل تنظيم الدولة الإسلامية، ناهيك عن انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان تتعلق بحقوق السلامة والعمل وحق الحياة وغيرها وهي حقوقٌ إن تمت صيانتها وحمايتها ستشكل المفتاح الأساسي لتحقيق السلام والتنمية وبناء المجتمعات على أساس القيم الإنسانية وبالمقابل فإن انتهاكها منقصة لكرامة الإنسان ولا يدفع باهظ ثمنها إلا المواطنون البسطاء وهو السواد الأعظم في البلدان العربية.

]نهاية التقرير[

عبد القادر عيّاض: ينضم إلينا في حلقة هذا اليوم من بيروت الدكتور عبد السلام سيد أحمد ممثل المُفوض السامي لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن عمّان فادي القاضي الخبير في شؤون حقوق الإنسان، أهلاً بضيفيّ الكريمين، دكتور عبد السلام هل في حديثنا مبالغة عندما نقول بأن الدول العربية تتصدر وتتقدم بجدارة واستحقاق قوائم حقوق الإنسان من حيث السوء على المستوى العالمي؟

عبد السلام سيد أحمد: شكراً جزيلاً أولاً على الاستضافة، فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان بالطبع هنالك انتهاكات تحدث ربما في جميع أنحاء العالم بما في ذلك المنطقة العربية، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نحن في العادة لا نُقارن بين ما هي الدول الأفضل أو التي لديها انتهاكات أكثر من غيرها في هذا المجال لكن بالطبع الوضع في المنطقة العربية مدعاة للقلق وهنالك العديد من التحديات التي تُواجه قضايا حقوق الإنسان في المنطقة العربية باعتبار ما أشار إليه تقريركم اندلاع النزاعات المسلحة في أكثر من بلد، هنالك العديد من الانتهاكات التي تحدث مثل الاحتجاز والحرمان من الحرية لآلاف من الأشخاص، هنالك تمييز ضد المرأة فهنالك يعني كوكبة كاملة من الانتهاكات تحدث في هذه المنطقة وبالطبع في السنوات الأخيرة تزايدت حدة هذه الانتهاكات خاصةً فيما يلي موضوع النزاعات المسلحة التي تُفجر أنواعا عديدة منها ما يتصل بالقانون الإنساني الدولي ومنها ما يتصل بقانون حقوق الإنسان في هذه المنطقة.

عبد القادر عيّاض: ولكن عندنا نقول دكتور عبد السلام أن حقوق الإنسان وانتهاكها ظاهرة عالمية، أليس في هذا تبسيطا عندما يصبح الحق في كثير من الدول العربية لا يتعلق بحقوق الإنسان ولكن الحق الأول الحق في الحياة، ألا يصبح معها كثير من الدول العربية تتقدم فعلاً إذا ما كانت هناك قائمة فيما يتعلق بالحق الأول للإنسان وهو الحق في الحياة ثم الحديث على بقية الحقوق؟

عبد السلام سيد أحمد: هو بالطبع الحق في الحياة يكتسب أهمية إضافية، طبعاً الحق في الحياة حق أصيل وأساسي للجميع في أوقات الحرب والسِلم بالتأكيد لكن في هذه الظروف بالذات يكتسب قيمة إضافية باعتبار موضوع النزاعات المسلحة التي تهدد حياة الجميع خاصةً المدنيين، لكن حقيقةً موضوع التراتبية بالنسبة لي ليس قضية ذات أهمية، المهم هو ماذا نفعل في خضم هذا الواقع وإزاء هذه الانتهاكات التي نواجهها بصورة يومية في الكامل، أعتقد هذا هو المطلوب وهذا هو المطلوب من قِبل الحكومات في المقام الأول في هذه الدول من قِبل الأطراف المختلفة في مناطق النزاعات المسلحة من قِبل كافة وكالات الأمم المتحدة وليس فقط مفوضية حقوق الإنسان أن تولي هذا الموضوع الاهتمام الكافي، وأعتقد أن هنالك متابعة ومراقبة دقيقة لأوضاع حقوق الإنسان خاصةً بالنسبة لنا نحن كمفوضية في هذا المجال، ونحن نعمل مع الحكومات مع منظمات المجتمع المدني مع بقية وكالات الأمم المتحدة التي تُعني بهذا الشأن أو ذاك في أعمالها اليومية في هذه المجال، فالوضع الحقوقي..

حقوق الإنسان العربي بين التنظير والممارسة

عبد القادر عيّاض: سيد فادي القاضي ضيفي من عمّان، نعم، سيد فادي القاضي ضيفي من عمّان، فيما يتعلق بالتنظير والممارسة وتحديداً في الدول العربية فيما يتعلق بحقوق الإنسان الكثير من التشريعات الكثير من المؤتمرات، كيف تجد المسافة بين الجانب النظري ما هو موجود من تشريعات وبين ما هو مُمارس من أفعال؟

فادي القاضي: الواقع أن المسافة بين هاتين أصبحت زيرو لأنه لم يعد أحد يكترث في الحقيقة وفي الممارسة إن شئت من زاوية السُلطات وأنظمة الحُكم في العالم العربي، من الواضح أن هناك قِلة اكتراث بما يعنيه فرض وممارسة التشريعات على نحوٍ يحمي حقوق وكرامة البشر، يعني حقوق الإنسان، فبالتالي يعني في إطار ما كان يُسمى الربيع أو الحلم العربي بالكرامة والإنعتاق من الممارسات الاستبدادية والمضي نحو الحرية كان هناك طموحا مشروعا طبعاً لدي هذه الجماهير وتنظيمات المجتمع المدني أن يتغير الحال إلى واقعٍ ممارستي أفضل وطبعاً واقع تشريعي أفضل، لكن النقطة التي نشهدها المرحلة التي نشهدها الآن في العالم العربي هي مرحلة صفرية في الحقيقة وكما تحدثتم وكما يعني أشار تقريركم الذي عرضتموه قبل هذا الحديث وقالت فيه منظمة العفو عن ظواهر أربعة خطيرة هي الانعدام أو قلة احترام الحق في الحياة بما يعنيه ذلك القتل في إطار النزاعات المسلحة وظاهرة تنامي الإفلات من العقاب وقلة أو انعدام في الحقيقة سُبل العدالة وإحقاق العدالة، كل ذلك يشير إلى أننا في نقطة صفرية لم تعد فيها هذه الحكومات أو صُناع القرار في هذه الحكومات يخشون كثيراً من أي ضغوطٍ خارجية أو داخلية فيما يتعلق بفرض احترام حقوق الإنسان، هذه مسائل أيضاً أشارت لها تقارير منظمات عالمية كثيرة من ضمنها هيومن رايتس ووتش التي تشرفت بالعمل معها والتي أصدرت تقريرها في 29 يناير هذا العام أن هناك على ما يبدو وبكل وضوحٍ وبشكلٍ جلي أن العالم العربي فقد تلك البوصلة التي أشعلتها شرارة الربيع العربي أو ما يُسمى بالربيع العربي وهي أن الحرية واحترام حقوق الإنسان ليست فقط على المحك لكنها الآن في خصومة حقيقية مع سياسات صُناع القرار سواءً كانوا حكومات أو تنظيمات غير حكومية في هذا العالم.

عبد القادر عيّاض: دكتور عبد السلام، من خلال خبرتكم كأمم متحدة فيما يتعلق بهذا المجال مجال حقوق الإنسان، ما تفسير أن الكثير من الحكومات العربية بذلت مجهودا  لا بأس به فيما يتعلق مثلاً على سبيل المثال وضعية السجون فيما يتعلق بسجناء الحق العام تحسين في ظروف النزلاء داخل السجون، توفير الكثير من المسائل، لا ينطبق هذا الوضع وهذا الشأن على سجناء الرأي العام، نفس الممارسات القديمة بل أسوأ ما زالت تُمارس ضد من لهم رأي بينما يتم تحسين من يُصفون بأنهم خطر على الوضع العام أو خطر على المجتمع؟

عبد السلام سيد أحمد: نعم بالطبع فعلاً هنالك بعض الاهتمام بهذه القضايا وإن كنا نلحظ أن ما تم من إصلاحات هي دون الطموح لكن بالطبع هنالك في جزئية الحقوق المدنية والسياسية هنالك إشكالية كبيرة تتعلق بمدى التزام الحكومات في هذه المنطقة بما صادقت عليه من معايير دولية خاصةً العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تنص صراحةً على حق الجميع في المشاركة السياسية وفي الانضواء في جمعيات مدنية وسياسية وحرية التعبير والتنظيم إلى غير ذلك، هذه مسائل يتم انتهاكها تقريباً بصورة كبيرة وواسعة النطاق ويتم تقييد الحريات ويتم إصدار أحكام بعد محاكمات لا تفي بالمعايير الدولية، موضوع السجون سواء كان يعني هنالك أكثر من قضية في هذه الشأن منها موضوع التعذيب وغيره من ظروف المعاملة القاسية واللإنسانية التي يتعرض إليها السجناء سواء كانوا سجناء عموميين أو سجناء على خلفية قضايا سياسية، هنالك قضية تتعلق بيعني هذه حتى التعذيب أيضاً يطال سجناء آخرين، أوضاع السجون نفسها يمكن تصل إلى قضية يعني تدخل في إطار المعاملة القاسية واللإنسانية فهذه كلها قضايا بالطبع هنالك بعض النجاحات لا بأس بها وهنالك تطور لا بأس به في مسألة تمكين المرأة وغير ذلك لكن أيضاً هذه الجزئية موضوع مكافحة التمييز أيضاً هنالك العديد من القضايا التي لا بد الاهتمام الكافي بها، نحن من كمفوضية نحاول أن نعمل.

عبد القادر عيّاض: طيب حتى لا يُقال بأننا سوداويون أكثر من اللازم أشرت إلى بعض النقاط الإيجابية فيما يتعلق مثلاً بالمرأة هل من نقاط إيجابية فيما يتعلق بحقوق الإنسان تحققت في بعض الدول العربية، هل لك أن تذكر لنا نماذج؟

عبد السلام سيد أحمد: هنالك مثلاً يعني تونس كمثال أن هنالك انتخابات ديمقراطية هنالك قدر لا بأس به من المشاركة السياسية في هذه البلدان هنالك نشاط لمنظمات المجتمع المدني موجود تقريباً في غالبية الدول العربية هنالك دول طبعاً لديها قدر من الانفتاح لا بأس به هنالك اهتمام في تقديري بالمراجعة الدورية الشاملة التي تقدمها الدول العربية كل أربع سنوات وأيضاً الاهتمام يعني بالتوصيات هذه، هنالك اهتمام أقل حقيقةً بالتوصيات التي تصدر عن هذه المراجعات الدولية الشاملة، ولكن أنا في تقديري التحسن الذي طرأ هنا هنالك قدر من الاهتمام بالتواصل مع آليات حقوق الإنسان الدولية في إطار الأمم المتحدة وغيرها من الآليات الإقليمية، هذه على الصعيد الإيجابي لكن هنالك بالطبع الكثير من السلبيات والأمثلة كثيرة تقريباً في كافة دول المنطقة كما شهد تقريركم قبل قليل وكما يعني .

الفارق بين التقارير والواقع المعاش

عبد القادر عيّاض: طيب سيد فادي القاضي ضيفي من عمّان، نعم، لماذا يبدو التعاطي مع ما تقدمه بعض تقارير بعض الهيئات التابعة للأمم المتحدة أو هيئات أخرى وكأنها بعيدة بشكل أو بآخر عن الواقع وكأنها تتكلم عن أرقام خالية من أي روح لا تعكس حقيقة ما يعيشه المواطن بشكل يومي من ممارسات، لماذا أيضاً هذا الفارق بين التقارير وبين ما هو موجود في الواقع طبعاً إن صدق هذا التحليل؟

فادي القاضي: لأ، أعتقد أن الإشكال الحقيقي أو إن شئت تسميته بإشكال هو أن ما تستطيع هذه الآليات وهذه المنظمات الأممية منها تحديداً أن ترصده في سياق الممارسات محدودٌ بسقف بسقف وأطر عملها التي في بعض الأحيان صعبة ولا تُمكن هذه المنظمات فعلاً من الوصول إلى الأرقام الدقيقة الكافية، نحن على سبيل المثال في المنظمات الدولية أو يعني في سياق عمل المنظمات الدولية المستقلة لحقوق الإنسان الأرقام والإحصائيات ليست مثار تركيز استثنائي لكن هناك إشكاليات حقيقية في واقع الرصد والتقصي، مثلاً المناطق غير الآمنة مناطق النزاعات القيود المفروضة من قِبل الحكومات والسُلطات الأمنية على التوصل إلى الشهود والشهود العيان وإلى المناطق المنكوبة وإلى أماكن تواجد الضحايا إلى آخره، هذه العقوبات تفرض وتعكس نفسها على النتائج التي تتوصل إليها هذه المنظمات في تقريرها، ولكن في الحقيقة هناك إشكاليات هناك يعني جدران لا يستطيع أحد كسرها على سبيل المثال بعض المنظمات الدولية تتحدث من بضع سنوات عن وجود ما لا يقل عن 30 ألف معتقل سياسي في سجون السعودية لم يستطع أحد الوصول إلى هذه السجون وإقناع السُلطات السعودية بإجراء تحقيقاتٍ وافية على الأقل عن عدد هؤلاء المعتقلين السياسيين لأنهم لا يعترفون أصلاً بوجود مصطلح المعتقل السياسي، في مصر على سبيل المثال بالرغم من أن مصادر وزارة الداخلية مسؤول رفيع في الحقيقة في وزارة الداخلية المصرية في يوليو من العام الماضي أقر واعترف بأن هناك ما لا يقل عن 22 ألفاً من المعتقلين السياسيين، منظمات المجتمع المدني ومنظمات الحقوقية المصرية تشير إلى أن الأرقام أكثر بكثير من ذلك والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ذكر مثلاً بأن هذا الرقم يتجاوز 41 ألفا، إذاً نحن نتحدث عن معطياتٍ لا يمكن أن نتوصل إليها إلا من خلال شروطٍ معينة لا تبدو هذه الشروط متوفرة في كل الأحوال.

ضغوط وحسابات سياسية

عبد القادر عيّاض: طيب دكتور عبد السلام، هل تخضع بشكل صريح هل تخضع تقارير الأمم المتحدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان ومنظماتها وهيئاتها للابتزاز أو الضغط السياسي أو الحسابات السياسية وبالتالي لا تعكس بشكل دقيق طبعاً ليس دائماً ولكن في بعض الحالات طبيعة ومستوى الانتهاك الحاصل في حقوق الإنسان؟

عبد السلام سيد أحمد: أولاً هناك  مستويان لهذا الموضوع ما تقوم به المفوضية كجهة موكول إليها مراقبة ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان في كافة البلدان لا يخضع للهوى السياسي أو للضغوط السياسية بأي شكل من الأشكال، هي تقوم بعملها بتجرد طبعاً باعتبارها هيئة تابعة للأمم المتحدة هي تسعى للتعاون مع الحكومات وتقوم بزيارة البلدان بموافقة ومعرفة الحكومات المعنية في هذا المجال وأيضاً تقوم بالرصد والتوثيق ورفع تقاريرها سواء كان للمفوض السامي أو لمجلس حقوق الإنسان حسب الحالة المعنية لكن تعلمون أن أجهزة الأمم المتحدة بما في ذلك المتعلقة بحقوق الإنسان هي تتشكل من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان وغيرها من الهيئات، طبعاً طالما تتشكل من الدول الأعضاء بالطبع هذه تخضع لاعتبارات الدول الأعضاء في هذا المجال، أما الأجهزة التعاقدية الخاصة بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان ومراقبة تنفيذ التزامات الدول للمعاينة الدولية لحقوق الإنسان فهذه تتشكل من خبراء مستقلين.

عبد القادر عيّاض: أستاذ فادي القاضي، البعض يتساءل من الفائدة من كل هذه التقارير إذا كان في النهاية في كثير من الدول العربية تُمنح بعض الأوسمة لبعض القادة والزعماء المتهمين بانتهاكهم لحقوق الإنسان أو ينتهي الوضع كما جرى ويجري في سوريا، حمام من الدماء ثم الحديث عن تفاوض عن حلول سياسية ويذهب كل ما تم إعداده من تقارير حقوقية ويُرمى في البحر كما يُقال، إذن ما الفائدة من هذا العمل ومن هذه التقارير في هذه الحالة؟

فادي القاضي: السؤال الأخطر من سؤالك أخي عبد القادر ماذا لو لم تصدر مثل هذه التقارير؟ وهنا يعني نحن لا نريد الحديث عن العمل على جمع الحقائق من أجل تصحيح مسار التاريخ وإن كان ذلك مهماً، لكن نحن نتحدث عن جمع الحقائق لكي تخدم مسار الإصلاح في مجال سياسات أو السياسات التي تتبعها الحكومات في مجال احترام أو عدم احترام حقوق الإنسان في بلدانها، إن لم نضع تلك الحقائق على طاولة هذه الحكومات فمن المُرجح أن ما يكون، أن ما يكون موجوداً على الأجندة العالمية والإقليمية والمحلية هو صفرٌ من الأفكار المدعومة بحقائق والهادفة إلى تثبيت سياسات من شأنها دعم واحترام حقوق الإنسان، أنا معك وأنا مُدرك تماماً أن التجاذبات الحاصلة في النظام السياسي العالمي والذي تحدث أيضاً أخي عبد السلام من بيروت عن أن منظومة الأمم المتحدة هي منظومة بينية بين الحكومات تقوم على تعاقد الدول الأعضاء فيما بينها لكن الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني المستقلة والناشطون المستقلون وأيضاً آليات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان هي محاولة وضع الأمور في سياقها الصحيح في ظل انعدام لوزنٍ حقيقي لسياسات حامية وداعمة لحقوق الإنسان على الصعيد الدولي، هذا مؤسف ميزان القُوى مختل الآن ولكن هذا لا يعني أن نذهب إلى بيوتنا فيعني بالتالي الفكرة الأساسية أننا إذ لم نُصدر هذه التقارير وإن لم نعمل على توثيق الحقائق أعتقد أننا في خطرٍ أكبر من عدم إصدارها.

عبد القادر عيّاض: أشكرك، كنت معنا من عمّان فادي القاضي الخبير في شؤون حقوق الإنسان، كما أشكر ضيفي من بيروت الدكتور عبد السلام سيد أحمد ممثل المفوض السامي لحقوق الإنسان بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شكراً جزيلاً لكما.  بذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيس بوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة، إلى اللقاء.