لا يزال النقاش حول الفرنسية وفرنسا محتدما في الجزائر، لا يكفّ عن قياس علاقة المبدعين الجزائريين باللغة الفرنسية بوصفها جرح الهوية الجزائرية المفتوح.

كاميرا "المشاء" في حلقة (22/1/2015) سارت بصحبة مبدعين جزائريين لتقرأ من خلالهم هذه العلاقة، التي تأسست على استعمار لـ130، لم يكن المستعمر خلالها إلا راغبا في استباحة ثقافة الجزائريين، ولم يكن هؤلاء إلا مدفوعين بأرواحهم نحو الحرية.

لكن التاريخ لا يسير في ثنائية بين حدين؛ ثمة كتاب جزائريون كتبوا بالفرنسية التي اعتبرها كاتب ياسين "غنيمة حرب" في حين أقر الكاتب مالك حداد بأن الفرنسية لم تكن إلا منفاه الذي أبدع فيه اضطرارا لا اختيارا.

لكن الأمير عبد القادر الجزائري الشخصية التي صاغ إبداعها ونضالها الوجدان الجزائري الحديث والمعاصر، لم يكن ليخطئ قراءة نص رسالة كتبها له نابليون الثالث بالفرنسية ليختبره فيها، مؤكدا أنه "يمكنني أن أخطئ في قراءة كل شيء إلا في الحرية".

تضاد وتحد
ظلت علاقة المبدعين الجزائريين -رغم افتخارهم بلغتهم الأم العربية- بالفرنسية وفرنسا تثير شجونا تاريخية؛ سياسية وأخرى ثقافية، تؤكد في مجملها أنها علاقة تضاد وتحد.

إبراهيم زدور:
الفرنكفوني يخدم المصالح الفرنسية في الجزائر، ولهذا فإن المؤرخين الجزائريين من هذا التيار "يتعاملون مع اللغة الفرنسية كأنهم مجبرون على استعمال المراجع الفرنسية، والأخطر من ذلك أنهم يحتقرون المراجع الجزائرية الأصيلة"

وسواء كان التعبير الإبداعي كتابة، أو لوحة تشكيلية، أو صورة سينمائية أو تعبيرا موسيقيا أو تنقيبا في التاريخ حتى، فإن إشكال العلاقة مع فرنسا والفرنسية وهيمنتها يظل جرحا غائرا حاضرا في مخيلة المبدعين الجزائريين وفي إبداعاتهم المتنوعة.

لقد اختلف المبدعون الجزائريون في اللغة التي عبروا بها عن إبداعاتهم، لكنهم لم يختلفوا في تحقيق الحرية باعتبارها الهدف الأسمى والغاية المثلى.

المخرج الجزائري المقيم في فرنسا لخضر حامينا انتزع مكانه بين كبار المخرجين العالميين، وكان الطريق إلى مهرجان "كان" الذي منحه السعفة الذهبية محاطا بمن لا يريدون هذا المجد الذي يذكرهم إما بالجزائر "الفرنسية" أو بضحاياهم، ومن ضمنهم والد حامينا الذي مات تحت التعذيب.

ليست سلاحا
من جانبه، يقول الروائي ياسمينة خضرا إن اللغة الفرنسية وسيلة كما هي اللغة العربية وليست سلاحا، مشيرا إلى أنه قرأ الآداب الروسية وغيرها بلغته الأم والفرنسية، وإلى أن اللغة تبني ولا تدمر.

الأستاذ الجامعي إبراهيم زدور يلفت إلى أن كتابة التاريخ مسيطر عليها من قبل الفرانكوفونيين، فالفرانكوفونية ليست لغة فقط إنما نهج يسكن عقر الدار.

هنا يرى زدور أن التيار الفرنكفوني يخدم المصالح الفرنسية في الجزائر، ولهذا فإن المؤرخين الجزائريين من هذا التيار "يتعاملون مع اللغة الفرنسية كأنهم مجبرون على استعمال المراجع الفرنسية، والأخطر من ذلك أنهم يحتقرون المراجع الجزائرية الأصيلة".

أما الفنان علي فضيلي فله مذهبه وحساسيته الخاصة، إذ يقول إنه يعيش في باريس عزلة شعورية، ويضيف "أنا لا يرشوني المجتمع الاستهلاكي أو الحضارة الغربية".

ولا يرى فضيلي في موقفه عنصرية، فمساره الفني يجعله مسكونا بالواحة الأم، فيقول "أعيش واحتي هنا في باريس".

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: مبدعون جزائريون.. بلغة التّضاد

ضيوف الحلقة:

-   واسيني الأعرج/روائي جزائري

-   محمد لخضر حمينة/سينمائي جزائري مقيم في فرنسا

-   ياسمينة خضرا (محمد مولسهول)/ روائي جزائري

-   علي فضيلي/ فنان تشكيلي جزائري

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 22/1/2015

المحاور:

-   اللغة والحرية في فكر الأمير عبد القادر الجزائري

-   إبداعات تتأرجح بين التكريم والتحريم

-   الحب والتلاحم في اللغة

-   حنين وعزلة اختيارية

-   الهيمنة الفرنكوفونية

[قصيدة لأبي الشمقمق]

بَرَزْتُ منَ المنازِلِ والقِبَابِ                       فلم يَعْسُرْ على أَحَدٍ حِجَابِي

فمنزليَ الفضاءُ وسقفُ بيتي                     سماءُ اللهِ أوْ قطعُ السحابِ

فأنتَ إذا أردتَ دخلتَ بيتي                       عليَّ مُسَلِّماً من غَيْرِ بابِ

لأني لم أجدْ مصراعَ بابٍ                         يكونُ مِنَ السَّحَابِ إلى التُّرَابِ

زاد: لا أريد أن أُخرج لكم رأسي من اللغة ولا لساني من البيان، أعرف أنّ لديّ حركاتٍ تشل كما كتب كاتب ياسين في نجمته القطبية التي أحرجت نجوم فرنسا، ليس في نيتي أن أدعو إلى الكتابة بهذه اللغة أم بتلك ولكني تعلمت درساً جزائرياً أود أن أتقاسمه معكم اليوم، دعوني بدايةً أُسمعكم هذه القصة العجيبة قصة اللغة والحرية لدى الأمير عبد القادر الجزائري وهو يحاور من عليائه كبار الفرنسيين وتأكدوا أنّ المسألة ليست في اللغة بقدر ما هي في الحرية.

اللغة والحرية في فكر الأمير عبد القادر الجزائري

واسيني الأعرج/روائي جزائري: الأمير عبد القادر في ذلك الوقت هذا الأمير الذي حاور السانيور ديبش قصة الجزائر الأول إذا شئنا في القرن الـ19 ودخل معه في حوار رغم الاختلافات وانتهيا صديقين عظيمين..

زينب الأعوج: نقاط مشتركة..

واسيني الأعرج: هذا السانيور ديبش دافع على فقراء الجزائر باستماتة حتى طُرد من الجزائر وراح تقريباً هارب، وظل يدافع الأمير عبد القادر حتى عندما سُجن الأمير هو الذي بعث الرسالة المشهورة التي سمّاها عبد القادر " عبد القادر في قصر أمبواز" والتي وجهها إلى نابليون الثالث والتي يقول فيها: سيدي الإمبراطور أنتم لا تعرفون هذه الشخصية أنا أعرفها اسمعني قليلاً أُقدم لك هذه الشخصية وبعدين خذ القرار الذي تريده، الأمير كان سجيناً كان مثل الرهينة، لما قرأ نابليون Trois قرأ الرسالة تنقل من قصره إلى أمبواز وتحاور مع الأمير وحتى في قصة صغيرة لما قال المترجم للمترجم تاع الأمير هو الذي استقبله في محطة القطار يروحوا حتى يروح إلى أمبواز قال له اكتب باللغة الفرنسية، وكتب نحن نابليون الثالث إمبراطور فرنسا جئنا لكي نطلق سراح الأمير عبد القادر ويذهب إلى المكان الذي يريده وكتبها بالفرنسية، قالوا له لا تترجمها للأمير اقرأها عليه باللغة الفرنسية..

زينب الأعوج: يشوف مدى قدرته على..

واسيني الأعرج: قدرته على الاستيعاب، لما جاؤوا للقصر الأمير ما يعرف أنه هذا نابليون Trois جاء شخصياً يزوره هو متعود على جنرالات وحكام فرنسيين فقال له اقرأ فقرأ بواسوني مترجم الأمير قرأ رسالة صغيرة وبعدين نابليون Trois توجه للأمير قال له سيدي الأمير هل فهمتم شيئاً في هذه الرسالة..

زينب الأعوج: فهم فيها شيئاً.

واسيني الأعرج: الأمير عبد القادر قال له يمكن أن أُخطأ في كل شيء إلا في كلمة حرية فأنت جئت تُطلق سراحي يا سيدي، شوف عظمة هؤلاء الناس.

إبداعات تتأرجح بين التكريم والتحريم

زاد: كبير المخرجين الجزائريين لخضر حمينة تجاوز جراحه وقصد فرنسا التي مات والده تحت تعذيب استعمارها لبلده، ولكنه هو الآخر حمل فرنسا على محمل الحرية فألفاها تتأرجح بين تكريمه وتحريمه.

محمد لخضر حمينة/سينمائي جزائري مقيم في فرنسا: خمنت على الشيخ عشان أبوي مات تحت العذاب..

عثمان تزغارت: التعذيب في فرنسا.

محمد لخضر حمينة: فرنسا قتلته تحت العذاب فأهديته هذه، والفيلم هذا الموقع عليه ثانيا سمعت يعني مضيت في الفيلم هذا وكان التفكير بتاعي لأبوي اللي مات تحت العذاب، والقدامى المحاربين اللي يجيئون هنا بالأعلام الفرنساوي الجزائر فرنساوية الجزائر فرنساوية الجزائر فرنساوية.. 

عثمان تزغارت: ظهروا بالفيلم.

محمد لخضر حمينة: باين خائفين منهم هنا، هؤلاء جماعة الفيستيفا لهؤلاء كانوا دائماً كمل خطرة، كمل خطرة جيت بريح أوراس، جئت بسنوات الجمر دائماً نفس الشيء، جئت بعد بالعاصفة ريح الرمل.

عثمان تزغارت: ريح الرمل.

محمد لخضر حمينة : بالعاصفة جاءوا بالصحراء، حاجة أخرى جديدة خرجت في Project اللي كنا نشوفه بالفيلم يعني وقت Festival تقطع الفيلم.

عثمان تزغارت: يقطعوه..

محمد لخضر حمينة: وفي الصورة الأخيرة في الـ1986 قُطع الفيلم، عمره ما كان فيلم أميركاني ولا طلياني ولا فيلم..

عثمان تزغارت: يعني الوحيد اللي يتقطع في Festival.

محمد لخضر حمينة: دائماً فيلم جزائري، على شان أحببت فيلم جديد هذا أحببت يعني قدمته..

زاد: ياسمينة خضرا خلع البزة العسكرية وأمسك بصولجان اللغة الفرنسية ليبُز أهلها، لا يرى في اللغة إلا وسيلةً ودليلا ولكنه يسجل استكباراً في صفوف من تركهم وراءه من الكتّاب الفرنسيين.

الحب والتلاحم في اللغة

ياسمينة خضرا (محمد مولسهول)/ روائي جزائري: القضية قضية حب وتلاحم، اللغة ما هي لغة العدو، اللغة هي وسيلة تسمح لنا لنخاطب فيها العالم، أنا الأدباء كامل إلي قرأت لهم العالميين بالكامل لقيتهم يسووا إما باللغة العربية وباللغة الفرنسية فمن جوجور إلى جون ستين بيك إلى مورياك إلى أي حتى مدفيديف اللي قرأتهم ما يكونوا إلا باللغة العربية وباللغة الفرنسية، فاللغة وسيلة ما هي سلاح، ما هي سلاح لأن اللغة ما تحطم، اللغة تبني، اللغة محوار ربما دليل، دليل يمشيك عبر الذهنيات وعبر الثقافات وعبر الإبداع العالمي، فالعلاقات بتاعي أن طيبة جداً ونحترمها كثيراً ولو يعني أنا أكتب باللغة الفرنسية ولكن ما نكتب مثل الفرنسيين، نعطي ونجز في هذه اللغة الإحساس تبعي كعربي وكجزائري وكقبائلي وكإنسان بدوي، ففي فرنسا الناس يحبوا لغتي لأنها مدهونة بالأجواء البدوية تاعي، أنا ابن صحراء ونكتب باللغة الفرنسية فنعرّبها نوعاً ما نعرّبها نعطيها ذاك الدافع اللغوي اللي يسمح لها بس تكون تمتاز عن اللغة الفرنسية الحقيقية، والفرنسيون يحبوا كثير لغتنا، لأنها فيها نوع من العطور جاءت من الشعراء العباسيين، أنا أعتبرهم كأكبر شعراء في العالم، في التاريخ الإنساني أكبر شاعر هو الشاعر العربي ولهذا ربما هذه القوة تاع الشاعر العربي اللي خلاني تخليت عن اللغة العربية لأني عرفت أني عمري ما أصبح شاعر مثل المتنبي، عمري إطلاقاً مهما كانت المجهودات تاعي والحب تاعي اللغوي، عمري ما أكون أو أصل لعبقرية المتنبي لهذا قلت باللغة الفرنسية قادر وما في حدا في العالم قد يخوفني ما كان حتى آدمي في العالم نكتب باللغة الفرنسية، نعتبر هيك أديب قوي ولكن إن جئت في الشعر أعتبر نفسي كشاعر يعني، أنا أصبحت ربما روائي لأنني لن أكون يوماً من الأيام شاعراً، الأديب الفرنسي يقدر يكتب أي رواية تقدر تقول عندها صدى ولكن نحن لازم نكون..

فايزة مصطفى: تبذل جهد أكبر.

ياسمينة خضرا: أكبر طبعاً يعني يكون نحن نقول في الامتياز، ممنوع لنا لكن نكتب شيء عادي لازم نكون في الامتياز ورغم هذا رغم الإقبال أنا عندي 4 ملايين قُراء في فرنسا ولكن العالم الأدبي أكبر عدو عندي في العالم، لماذا؟ لأنهم ما يتقبلوا يكون أديب جزائري وخاصةً من الجيش الوطني الشعبي يكون عنده صدى عبر العالم بأسره.

[مقطع أغنية للفنانة نسيمة شعبان]

[فاصل إعلاني]

حنين وعزلة اختيارية

زاد: في فضاء اللوحة يتحرّك علي الفضيلي على سلمه الخاص، له في اللام والألف والواو ما يلهيه عن ألوان الاستهلاك الباريسية، ستتعب كثيراً قبل أن تلمس وجود باريس المحادث في لوحته لكنه كغيره من المبدعين يربط بين المنفى والحرية والشمس.

عمر نايت عبد السلام: فكرت يعني تحاول يعني مثل الحروف اللاتينية، تحاول تدخلهم؟

علي فضيلي/ فنان تشكيلي جزائري: وين أدخلهم يعني الحروف اللاتينية؟

عمر نايت عبد السلام: هذه نوع من القطيعة يعني تحاول..

علي فضيلي: تعجبني بعض أعمال، تعجبني أعمال مثلاً نعطيك مثال أنا عندي مجموعة صور أسميها صيد الخاطر وإن شاء الله تخرج في كتاب، أهتم بكل الخربشات الحائطية، في أي مدينة نروح لازم نصور، في أشياء جميلة جداً وهي مستلهمة هم اللي استلهموا الشرق، ثم ليباغور وجرافيك هم استلهموا الشرق بالخط فاستعملوا الحروف اللاتينية، هناك أشياء جميلة جداً هذا لا يعني أن أشياء جميلة أنني نوظفها ما نقدر ثم عندي لها..

عمر نايت عبد السلام: حساسية.

علي فضيلي: لا الحساسية جميلة، حاجة جميلة لازم نعترف بالجميل جئت من عند الغرب ولا من عند البوذية ما هو جميل جميل، أنا ما نقدر ندخل في هذا السياق فقط، أنا مكتفي بشيء نحبه هذه واحدة واللي نقدر نديره عشان ما نكذب على بعضنا.

عمر نايت عبد السلام: هل نرى باريس في رسوماتكم؟ هل تستلهمون شيئاً من هذه الحياة في أعمالكم؟

علي فضيلي: في الحقيقة لا أستلهم باريس كثيراً في أعمالي، حضور باريس في لوحاتي لا نتلمّسه شكلياً في الشكل، ولكن التطور الذي عرفته في مساري الفني فيه أشياء كثيرة ربما لولا باريس لما توصلت إليها.

عمر نايت عبد السلام: ألا تخشى أننا لن لا نرى أي شيءٍ عن باريس في أعمالك يعني لا تظهر، ربما هي تجريدية يعني.

علي فضيلي: لا تعنيني.

عمر نايت عبد السلام: لا تعنيك.

علي فضيلي: لا تعنيني، المدينة لا تسكنني، وعيي وقلبي أخذته الواحة وسيبقى مرهوناً لدى الواحة ما نقدر نتغيّر، التعامل بتاعي تقدر تقول أنه تعامل سطحي أحاول يعني بطبعي..

عمر نايت عبد السلام: أن تعيش واحتك في باريس.

علي فضيلي: أعيش واحتي في باريس.

عمر نايت عبد السلام: ولكن ألا تخشى أن يُقال أن علي فضيلي متقوقع، منطوي وهو يعيش كل هذه الثقافات..

علي فضيلي: الحداثة أن أبقى في واحتي بجدرانٍ من زجاج  أرى الآخرين، هذا هو أنا في واحتي وأعيش في باريس عزلة شعورية، أنا لا يرشيني المجتمع الاستهلاكي أو الحضارة الغربية هذه من المُحال، سأبقى على مبادئي آخذ كل ما هو جميل في هذه المدينة أو في هذا البلد أو في هذا الفضاء الثقافي وأترك أشياء كثيرة لا تتماشى مع قناعاتي مثلاً.

عمر نايت عبد السلام: ألا تخشى أن تهمّش نفسك وأنت في بلد الجن والملائكة بهذا التفكير؟

علي فضيلي: لا أهمّش نفسي، أنا أثبت ذاتي في بلاد الجن والملائكة بطريقتي.

عمر نايت عبد السلام: ولكنك تفعل ما فعله المستشرقون ولكن بطريقة عكسية.     

علي فضيلي: لا لا، سأقول لك شيئاً مهم مع احترامي لكثير من المستشرقين الموضوعيين الذين درسوا تُراثنا بطريقة موضوعية ولكن الأغلبية هي نظرة غرائبية نظرة تهتم أعطيك في مجال الفن الاستشراق والمستشرقون في الفن اهتموا بالجسد، جواري السلطان وما إلى ذلك.

عمر نايت عبد السلام: حسبما قلتم أنتم الآن يعني في قطيعة مع الغرب في قطيعة مع الثقافة الغربية في قطيعة مع الفن الغربي، ماذا تفعلون في باريس؟ لماذا تقطعون البحر وتأتون إلى باريس ولا تستغلون هذه الثقافة؟

علي فضيلي: هذا سؤال جوهري المنفى ليس اختيارا، لم نختر المنفى، اخترت المنفى عندما تأكدت بأن الشمس في بلادي لم تعد تشرق على هواي، هذا هو موجودين في الغرب لأن الأحداث والفترة التي مررنا بها في الجزائر الفترة العشرية هي التي فرضت علينا المنفى.

زاد: يكتشف المؤرّخ صادق سلّام أواصر قربى بين الاستشراق الفرنسي وأجهزة الدولة، ولكنه يتجاوز ويراقب تطور البعض بل ويسجل احتواء الفرونكوفونية لصفحاتٍ إسلامية ناصعة مرّت في غفلةٍ من داء الاستشراق.

صادق سلّام/ باحث ومؤرّخ جزائري مقيم في فرنسا: ماسينيون طبعاً كان ضابط استخبارات في الحرب العالمية الأولى كان في الشرق كان ينافس لورانس العرب إلا أن بريطانيا كانت تساعد لورانس أكثر من الجيش الفرنسي والسلطات الفرنسية تساعد ماسينيون فكان يسموه الصندوقجي لأنه عنده صندوق أسود لرشوة البدو حتى يعطوا له أخبار، ثم فيما بعد كان الطلبة في العشرينيات والثلاثينيات كان يراقب كل الطلبة المسلمين في باريس..

الطيب ولد العروسي: على فكرة عنده قصة كبيرة مالك بن نبي لأنك ذكرت المالك بن نبي فكان من أحد الذين عطلوا فعلاً مالك بن نبي وحاصروه حِصار شديد.

صادق سلّام: في الثلاثينات هذا صحيح لكن ماسينيون غير كل نظرته للعلاقات مع المسلمين بعد المجازر مايو 1945 في الجزائر، فصار يعني يتبنى لهجة شديدة بانتقاد الاستعمار وخاصة تأثر برسالة كتبها له حمودة بن سعي إلي كان تلميذه وإلي هو تسبب في انتقال المالك بن نبي من الهندسة إلى الدراسات الإسلاّمية، فكان في المستشفى حمودة بن سعي في سنة 1945 وسمع به ماسينيون فكتب له رسالة قال له: هل تسمح لي أن أزورك، قال له حمودة بن سعي لا أريد زيارتك لأنك وقعت في الخطأ قلت أنا ممكن الحوار بين العرب والفرنسيين وبين المسيحيين ولكن المسيحيين والفرنسيين عم يذبحوا بإخواننا فتأثر كثيرا بالرسالة هذه وذكرها في العراق في بغداد في محاضراته مع المسيحيين، قال: تألمت كثيراً من هذه الرسالة وجعلته يغير موقفه وصار شديد اللهجة ضد الاستعمار. هذا يدخل في الإطار الأول هو التاريخ الفكري لمسلمي فرنسا، وأنا أحصيت بين 40 و50 من مثقفي الطراز العالي إلي ساهموا في تراث إسلامي فرانكوفوني، وإحنا الفرنكوفونية الآن يعني يُنظر إليها من الزاوية العلمانية وتدعو إلى الحياد والقطيعة مع أن في تراث إسلامي أصيل بلغة فرنسية متقنة من فرنسيين أسلموا أمثال نصر الدين ديني، هو الحكومة الفرنسية في أواخر الحرب العالمية كانت يعني حبابة للمسلمين عندما الجنود المسلمين شاركوا في الحرب شجعت نشر سيرة الرسول لإتيان ديني وسليمان الإبراهيمي اللي كان صديقه.

الطيب ولد العروسي: نعم صديقه.

صادق سلّام: فكل المستشرقين يعني تهجّموا عليه قالوا هذا وش دخله في الأمر هذا وهم يعتبروه حكر لهم فهو رد على كل المقالات في كتاب وقال لهم أنتم في واد ونحن في واد فقال..

الطيب ولد العروسي: وهذا لكتاب كان نافذ على فكرة، كان غير معروف.

صادق سلّام: نشر سنة 1922..

الطيب ولد العروسي: كان غير معروف كان ملغى فأنت الذي أظهرته..

صادق سلّام: ضمن 20 كتاب وضمن تقديم مطول حول تطور علاقات المثقفين المسلمين بالمستشرقين، في ذلك الوقت قال لهم أنا يحق لي كمسلم أن أتكلّم على رسولنا وما عندي الوثائق والمخطوطات بتاعكم ولكن عندي بحسي الإسلامي عندي شرعية لا يجوز لكم أن تناقشوها، ففي ذلك الوقت العقد بالنسبة للمستشرقين كانت غير موجودة وخاصةً أنه كان هذا الكتاب مُهدى إلى عبد الحق كريستين سيرفيس اللي هو من الوضعيين الذين أسلموا وكان زعيم حركة دامت ربع قرن إلى أتباع أوجست كونت الذين كانوا مهتمين ومحبين للإسلام وهو أسلم، وكان على رأس الأخوة الإسلامية التي أُنشئت في باريس 1907 والإشاعة هذه دامت إلى افتتاح مسجد باريس حيث نصّبت الحكومة الفرنسية والضباط أمثال غورو وليوتيه إسلام رسمي يخاف من الفكر مثل حكومتنا والسلطات العربية.

زاد: الفرونكوفونية ليست فقط لغة ولكنها نهجٌ يمكن أن يسكن في عقر دارك ويتلاعب بماضيك ليمسك بناصية حاضرك ولكن هيهات.

الهيمنة الفرنكوفونية

إبراهيم زدّور/ أستاذ جامعي جزائري: عموماً التاريخ مسيطر عليه التيار الفرانكوفوني، والتيار الفرنكوفوني يخدم المصالح الفرنسية في الجزائر، المصالح الإستراتيجية، ولهذا المؤرّخين الجزائريين اللي تعاملوا مع اللغة الفرنسية وكأنهم مجبرين لاستعمال المراجع الفرنسية ولا غيرها، وأخطر من ذلك أنهم يسيرون في المسار الاستعماري في البحث أنهم يحتقرون المراجع الجزائرية الأصيلة، إذاً هذه هي إشكالية التاريخ في الجزائر وأنا متفائل ومتفائل جداً لأنني أظن ستعود المياه إلى مجاريها، والتاريخ يعني حوالي نقدر نشبه التاريخ إلى الطبيعة لا يمكن رشوة التاريخ، هناك مراحل لتزييف التاريخ هناك مراحل لطمس التاريخ، هناك مراحل لتضليل التاريخ لكن ولا بد لليل أن ينجلي.

زاد: ألم أقل لكم إن المشكلة ليست في اللغة بقدر ما هي في الحرية؟ اللغة الأخرى قاطرة والحرية سكة، أيها المبدعون الجزائريون اكتبوا حريتكم بما استطعتم إلى ذلك سبيلا، لا تنسوا آلام الرعيل الأول في منفى اللغة الأخرى ولا تنسوا أن الأمير فهم الحرية في قصاصة نابليون الثالث بالفرنسية، ليس لأنه يكتب بها بل لأن الحرية كانت تسكنه منذ أن ولد جزائرياً حرا.

[الشاعر الجزائري عاشور فني]

أخيراً أحدثكم عن سماواته

كان لا بد من مبتدأ

 كان يلزمني لغةٌ من نُثار الكواكب

يلزمني متكأ

خارج الأرض كي أستطيع استراق اللغات

وآتيكم بالنبأ

 كان يمشي فيتّقد الصخر

 يجري فتتسع الأرض

 يغرز رايته في الأفق

ثم يمضي فتمضي الطرق

 لا يعود إلى نقطةٍ أبدا

 البدايات ديدنه، البدايات موطنه

 الكثيب مسافته ومتاهته الأزلية

 كان يخرج من صخرة الوقت

منتشقاً وردة الرمل

سيمائه الزرقة الأبدية

بحره الوهم

في حرقة الفلوات

وأنثاه سيّدة الأبجدية