بعد دخول العقوبات "القاسية" حيز التنفيذ.. ماذا عن خيارات طهران؟

الجزيرة نت-طهران
استقبلت طهران هذه العقوبات برفع نبرة التحدي لواشنطن، وسط مناورات عسكرية واسعة كشفت فيها عن أسلحة صاروخية جديدة، والحديث عن انتصار مرتقب على تلك العقوبات وخرقها، كما جاء على لسان الرئيس حسن روحاني، مما يطرح سؤالا أكثر إلحاحا في أذهان المتابعين والمراقبين للشأن الإيراني عن الخيارات الإيرانية على أرض الواقع غير تلك التصريحات "المطمئنة" لمواجهة ما بعد الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني؟
ينص الاتفاق النووي المبرم في يوليو/تموز 2015 على أنه بإمكان إيران "وقف التزاماتها كليا أو جزئيا بموجب الاتفاق النووي إذا عادت العقوبات كليا أو جزئيا" مع ذلك، وبالرغم من تهديدات إيرانية سابقة بإنهاء تعهداتها حال عودة العقوبات فإن هذا الخيار ليس واردا بحساباتها، أقله في الوقت الحاضر، حسب تصريح لوزير الخارجية محمد جواد ظريف في يونيو/حزيران الماضي، لأنه حسب قوله "ليس خيار النظام الإيراني بكل تأكيد، كون فشل الاتفاق النووي يشكل خطرا كبيرا على إيران".
الخيارات
غير أنه ليس مستبعدا أن تخفض طهران مستوى تعاونها مع المنظمة الدولية للطاقة الذرية، حيث هدد بذلك أكثر من مسؤول إيراني خلال الآونة الأخيرة، كورقة ضغط على الأوروبيين لدفعهم باتجاه تنفيذ وعودهم السياسية بعد غضب إيران عليهم لعدم ترجمة مواقفهم العلنية إلى إجراءات عملية، كما أبدى مسؤولون إيرانيون خلال الفترة الماضية على رأسهم مرشد الجمهورية والرئيس.
وعليه تؤكد صحيفة كيهان أن "العامل الوحيد الذي يمكن أن يدفع الأوروبيين نحو إجراءات عملية تدخل خلافاتهم مع الأميركان في مرحلة عملية هو الانسحاب التدريجي لإيران من الاتفاق النووي، بموازاة الإجراءات الأوروبية لتأمين منافع إيران الاقتصادية".
لكن هذه الخطوة الإيرانية أيضا لا تخلو من مخاطر كبيرة -فحسب الخبراء الإيرانيين- من شأن أي إجراء إيراني سلبي تجاه البقاء في الاتفاق النووي أن يغضب الأوروبيين ويفقد طهران دعمهم السياسي من جهة، ويدفعهم نحو اصطفاف كامل مع الولايات المتحدة ضد إيران، مما يؤدي إلى إحياء الإجماع العالمي ضدها قبل الاتفاق النووي.
الخيار الآخر الذي تعول عليه إيران -حسب المحللين الإيرانيين- هو الالتفاف على العقوبات الأميركية بطريقتين، الأولى مواصلة العمل مع بقية شركاء الاتفاق النووي، أي الترويكا الأوروبية والصين وروسيا ودول أخرى مثل تركيا، بحثا عن آليات وأدوات تمكّنها من تحصيل منافعها من الاتفاق قدر الإمكان أولا، ثم تساعدها في استمرار التجارة مع العالم بما يحول دون تحول العقوبات الأميركية إلى حصار مطبق عليها ثانيا.
وفي هذا الإطار، تعلق طهران رهانها لتحقيق أمرين، الأول مواصلة التعاملات المالية مع العالم الخارجي من خلال القناة المالية الأوروبية "سبيشال بيربوس فييكل" (Special Purpose Vehicle) بالقدر الممكن، والثاني مواصلة بيع نفطها وإفشال سياسة واشنطن الرامية إلى تصفيره، وربما إعفاءات أميركية لثماني دول تشتري النفط الإيراني أعطت بعض الأمل لصناع القرار الإيراني بعدم قدرة واشنطن على حظر الصادرات النفطية الإيرانية بشكل كامل التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني.
والطريقة الثانية هي العودة إلى أدوات وطرق سرية استخدمتها طهران خلال الفترة التي سبقت التوقيع على الاتفاق النووي، وذلك للالتفاف على العقوبات الأميركية والدولية بموجب ستة قرارات من مجلس الأمن.
لكن هذه الطريقة ربما لم تعد سالكة، وفق وزير الخارجية ظريف الذي قال في يونيو/حزيران الماضي إن "الولايات المتحدة اكتشفت المنافذ التي كنا نتنفس عبرها، فإن لم تكن تعرفها سابقا على قدر كاف، باتت تعلمها بعد اعتقال رجل الأعمال الإيراني التركي رضا ضراب ورجل الأعمال الإيراني علي صدر هاشمي".

إستراتيجية "الصبر"
بموازاة تلك الخطوات، يبدو أن طهران تتبع إستراتيجية "الصبر" حتى نهاية الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر 2020، حسبما يقول الباحث الإيراني في مركز كارينغي للشرق الأوسط كريم سجادبور.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز كشفت الشهر الماضي أن دبلوماسيين أوروبيين كبارا نصحوا نظراءهم الإيرانيين "بالتزام الهدوء والصبر، أملا في عدم فوز ترامب بولاية ثانية".
وفي السياق نفسه، يقول كريم بور إن طهران أيضا تنتظر نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي بعد أيام لتقييم مدى تأثيرها على توجهات ترامب تجاه إيران، في ظل ترجيحات بفوز الديمقراطيين المؤيدين للاتفاق النووي بمجلس النواب.
وفضلا عن ذلك، تحاول الحكومة الإيرانية تجاوز هذه المرحلة "القاسية" عبر القيام بخطوات داخلية مثل تغيير فريقها الاقتصادي، واتخاذ سلسلة قرارات اقتصادية مثل ضبط الأسواق وخاصة سوق العملات الصعبة لمنع مزيد من تدهور قيمة الريال، وتخزين السلع الأساسية لأكثر من عام، ومنع تصديرها، ومنع استيراد 1400 سلعة، وتقديم الدعم المالي لعشرين مليون إيراني ذوي الدخل المحدود.
خلاصة القول إن إيران ليست أمام رفاهية الخيارات اليوم، فكما يقول الرئيس روحاني إما أن ترضخ للمطالب الأميركية الـ 12، والتي يعتبرها الخبراء تعجيزية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تغيير طبيعة النظام الإيراني، أو مواجهة الواقع بما هو المتاح من القدرات والإمكانيات، وهو واقع صعب وصفه وزير الاقتصاد الجديد اليوم الاثنين بالحساس جدا، قلما مرت عليه بلاده من قبل، حسب قوله.