يخترق دير الزور فرع نهر الفرات الصغير من وسطها، أما الفرع الكبير فيمر من طرف المدينة الشمالي، ويفصلها عن محافظة الحسكة، مما جعل الجسور حاجة أساسية للعبور من وإلى المدينة، وبين أحيائها المختلفة.

مصعب العمر-دير الزور

"مدينة الجسور" أحد الألقاب التي اشتهرت بها دير الزور لكثرة جسورها، حتى إن أشهرها وهو "الجسر المعلق" عدّ رمزاً للمحافظة، لكن الحرب الدائرة في البلاد منذ سنوات أفقدت المدينة هذه الصفة، بعدما أصبحت جسورها من أول الأهداف لجميع الأطراف.

مسؤول سابق في مديرية الطرق والجسور بدير الزور -طلب عدم كشف اسمه- قال للجزيرة نت إن المحافظة تضم 26 جسراً، 14 منها على نهر الفرات، و12 جسراً على الوديان.

وأوضح المسؤول السابق أن هذه الجسور ارتبطت تاريخيا بالذاكرة السكانية وبالتراث الشعبي، ومثال ذلك الجسر المعلق الذي بني في عشرينيات القرن الماضي، ويعد من أوائل الجسور المعلقة على مستوى المنطقة.

وأشار إلى أن "للجسر المعلق أهمية تراثية وسياحية كبيرة، وترك هدمه حسرة وحرقة كبيرتين في قلوب أبناء المدينة الذين لا يوجد منزل من منازلهم إلا ويحتوي على صورة للجسر"، مبيناً أن الأضرار التي لحقت به، تجعل من المستحيل ترميمه وإصلاحه.

وقال إن من أكثر الجسور التي تضررت كذلك جسر السياسة، وجسر الباغوز في ريف البوكمال 130 شرق دير الزور، والذي خرج عن الخدمة نهائياً.

بقايا الجسر المعلق الذي دمر ولم يعد صالحا للاستعمال (الجزيرة نت)

بدوره، قال الصحفي أحمد يساوي إن أهمية الجسور في دير الزور ليست في قيمتها الحيوية فحسب؛ بل في كونها جزءا هاما في الذاكرة الشعبية، حتى أن الكثير من الأغاني والأهازيج الشعبية لا يمر الكثير منها دون التطرق إلى جسور المدينة.

وأشار يساوي في تصريح للجزيرة نت إلى أنه من الناحية التاريخية، الجسور كلها قديمة باستثناء الجسر الجديد الذي يصل حي الحويقة بوسط المدينة.

أما من الناحية الحيوية، فيقول أحمد يساوي إن المدينة يخترقها فرع نهر الفرات الصغير من وسطها، أما الفرع الكبير فيمر من طرف المدينة الشمالي ويفصلها عن محافظة الحسكة، مما جعل الجسور حاجة أساسية للعبور من وإلى المدينة، ومن جهة أخرى تفصل بين أحياء المدينة المختلفة؛ فهي الشريان المغذي لحركة النقل، وكذلك الحال بالنسبة لقرى وبلدات المحافظة المتمركزة على جانبي النهر.

وأشار إلى أن السكان وفي ظل استهداف الجسور، لجؤوا إلى السفن الصغيرة التي تعرض عددا منها لأخطار القصف. وقال إن المدينة عرفت مجازر عدة، أشهرها مجزرة معبر دير الزور النهري في سبتمبر/أيلول 2014، وراح ضحيتها أكثر من أربعين مدنياً، جراء استهداف سفنهم من قبل مدفعية النظام.

وزاد استهداف الجسور من الأعباء المادية للسكان، إذ استغل أصحاب السفن حاجتهم للعبور ورفعوا الأسعار، خاصة لمن يحمل معه متاعه الشخصي أو مواد تموينية وغذائية.

صورة نشرها ناشطون تظهر الأضرار التي لحقت بجسر الدرة
من جانب آخر, أقر القائد الميداني السابق في المعارضة عبد الرحمن أبو الحارث بأن المعارضة كان لها دور في "حرب الجسور"، مذكراً بتفجير المعارضة جسر "كنامات" الفاصل بين حي الحويقة الخاضع للنظام في بداية الحرب، وبين أحياء دير الزور الأخرى التي سيطرت عليها قوات المعارضة.

وأكد أن إخراج هذا الجسر من الخدمة كان العامل الأهم في قطع إمدادات النظام عن حاجز السيوف وجبهات الصناعة وخسارات وكنامات.

وقال أبو الحارث -في حديث للجزيرة نت- إن استهداف الجسور لم تكن غاياته عسكرية فقط، بل إن هناك ما هو اقتصادي يتعلق بالحصار، وتمثل ذلك خاصة في استهداف جسر السياسة الذي كان لفترات طويلة المنفذ البري الوحيد وما زال لعشرات الآلاف من السكان، واستهدفته طائرات النظام بأكثر من 150 غارة على مدار السنوات الأربع الماضية.

وأشار إلى أن تفجير الجسر المعلق لم يكن متعمداً، مكذباً الروايات السابقة التي تحدثت عن تفجيره بعبوات ناسفة، ومبيناً أنه في 2 مايو/أيار 2013 كانت هناك اشتباكات عنيفة وقصف متبادل بالدبابات بين قوات النظام في حي الحويقة، وقوات المعارضة المتواجدة على الطرف الآخر من النهر وبينهما الجسر المعلق، ليصاب الجسر بأكثر من قذيفة أدت إلى سقوط أرضيته بشكل كامل، إضافة إلى أحد أعمدته الأربعة، وتضرر الأعمدة الأخرى بشكل كبير.

وفي ريف دير الزور، وبحسب المعلومات التي حصلت عليها الجزيرة نت من سكان محليين وناشطين، فإن أغلب الجسور تعرضت للقصف الجوي، لكنها لم تخرج عن الخدمة بشكل كامل ما عدا جسر الباغ في ريف البوكمال الذي تعرض لغارات منذ نحو شهرين أدت إلى تضرره بشكل كبير، وجسر السويعية قرب الحدود العراقية الذي تعرض للعديد من الغارات، مما أخرجه من الخدمة نهائياً.

المصدر : الجزيرة