يتهم عضو مجلس الشورى المصري السابق عن محافظة شمال سيناء يحيى عقيل، الرئيسَ عبد الفتاح السيسي، بـ"إشعال الحرب الدائرة في سيناء منذ عامين بين الجيش والجماعات المسلحة، بهدف تفريغ سيناء من السكان، وتدمير الجيش المصري".

الجزيرة نت-خاص

يتزايد الغموض حول ما يجري في سيناء بسبب التعتيم الإعلامي الذي تفرضه السلطات المصرية، لكن المؤكد للجميع هو تعاظم قوة الجماعات المسلحة فيها، وتوسع هجماتها ضد قوات الجيش والشرطة المصرية، بالرغم من الحملة العسكرية الكبرى المستمرة منذ عامين.

وفي محاولتها لفك بعض طلاسم الحرب الدائرة هناك، التقت الجزيرة نت عضو مجلس الشورى المصري السابق عن محافظة شمال سيناء يحيى عقيل، والذي اتهم الرئيسَ عبد الفتاح السيسي بـ"إشعال الحرب الدائرة في سيناء منذ عامين بين الجيش والجماعات المسلحة، بهدف تفريغ سيناء من السكان، وتدمير الجيش المصري".

وينتمي عقيل لقبيلة البياضية، وهو أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في شمال سيناء، وعرض عليه بعد الانقلاب العسكري منصب نائب محافظ شمال سيناء، لكنه رفض، فقامت أجهزة الأمن بملاحقته مما اضطره لمغادرة مصر. وتاليا نص الحوار.

رغم مرور أكثر من عامين على الحملة العسكرية التي يشنها الجيش والشرطة في مصر ضد الجماعات المسلحة، فإن لا أحد يعلم ما الذي يجري في سيناء، إلا من بيانات المتحدث العسكري أو بيانات ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة. هل لك أن تطلعنا على حقيقة ما يجري في سيناء؟

سيناء منطقة ممر بين عدة دول وقارات، ومناطق الممر في العالم كله تكون مناطق تهريب، وتشكل بعض المجموعات البشرية مافيا أو شركات عابرة للحدود وتقوم بنقل البضائع سواء الممنوعة كالمخدرات والسلاح، أو المسموح بها كالملابس والمواد الغذائية والأجهزة الكهربائية، ومن يعمل بتلك التجارة يتفنن في التحايل على القانون والتخفي داخل الجبال.

وقد نشأت الجماعات المسلحة في هذه البيئة واكتسبت خصائصها، لكن هذه الجماعات لم تصطدم مع الأهالي لأنها لا تبيح الدم ولا أموال الناس، لكن معظمها كان يحمل أفكارا تكفيرية. وأثناء حكم حسني مبارك ازداد الضغط الأمني على أهالي الشيخ زويد ورفح بعد تفجيرات طابا وشرم الشيخ في 2004، كاحتجاز النساء رهائن والتعذيب حتى الموت، بالإضافة للاعتقال العشوائي للمواطنين لسنوات طويلة، الأمر الذي ساهم في زيادة كبيرة في أعداد التكفيريين.

ومنذ 2010 شهدت سيناء انفلاتا أمنيا غير مسبوق وضعفا شديدا في التواجد الأمني، مما دفع المواطنين للتسلح كثقافة عامة، وكانت تلك الجماعات من ضمن من تسلح، ومع وفرة الأموال في سيناء نتيجة ازدهار تجارة الأنفاق بين مصر وقطاع غزة، والتي كانت تدر أكثر من أربعة مليارات دولار سنويا، أصبحت نوعية السلاح أحدث.

ومع الوقت أصبحت تلك الجماعات تنظم مسيرات تضم مئة سيارة تحمل علم القاعدة، وتحمل الرشاشات الثقيلة، وتمر على كمائن الجيش والشرطة ولا يعترضها أحد. وبعد الثورة اقتصرت العملية المسلحة لتلك المجموعات على عملية عسكرية داخل مدينة إيلات المحتلة، وتفجير خط تصدير الغاز من مصر إلى إسرائيل، لكن الجيش بعد الانقلاب تعمد الصدام معهم.

 كيف تعمد الجيش الصدام معهم؟ ألم تكن العملية العسكرية ردا على مجزرتي رفح الأولى والثانية؟
 
عملية رفح الأولى التي وقعت في عهد الرئيس مرسي عام 2012، والثانية التي وقعت بعد الانقلاب مباشرة، هي عمليات مخابراتية لم ينفذها المسلحون في سيناء، ولم يعلنوا مسؤوليتهم عنها على الإطلاق، ولم تقم القوات فيها بأي مقاومة، كما لم يتبعها أي استنفار أمني في سيناء؛ وتستخدمها الدولة لأهداف سياسية.

بعد الانقلاب مباشرة تشكلت رؤية لدى المسلحين -وخاصة جماعة أنصار بيت المقدس- بأن الدولة ستعود للتنكيل بهم كما كان يجري في عهد مبارك، وعقدوا مؤتمرا في الشيخ زويد، وطلبوا حضور مندوب من الإخوان فحضرتُ ممثلا عن الإخوان، لكن لغة الخطاب كانت عنيفة جدا، فانسحبت من المؤتمر الذي كان بهدف تحذير الدولة من الصدام معهم، وتبع المؤتمرَ خروج المسلحين إلى جبل الحلال.

لكن قوات الجيش والشرطة بدأت الحملة العسكرية في سيناء باعتقال عشوائي لآلاف المواطنين وقصفت وهدمت آلاف المنازل، كما لجأت للتصفية الجسدية بحق الآلاف من المواطنين، بحجة محاربة الإرهاب. ومع تزايد انتهاكات الجيش انضم مئات المواطنين إلى المسلحين بهدف الثأر، وبدأت موجة العمليات العسكرية التي تستهدف قوات الجيش والشرطة.

من يحارب الدولة في سيناء؟ هل هم "ولاية سيناء" أم هناك جهات أخرى؟

من يحارب الدولة: تنظيم أنصار بيت المقدس الذي بايع تنظيم الدولة الإسلامية، وتحول إلى "ولاية سيناء"، بالإضافة لمجموعات تدين بالولاء لتنظيم القاعدة والتي شكلت مؤخرا تنظيم المرابطين، وكذلك مئات المواطنين الذين انضموا للمسلحين بدافع الثأر من الجيش، وليس لهم أفكار دينية أو سياسية، وأعتقد أن العدد الإجمالي للمسلحين في سيناء لا يزيد على خمسة آلاف مقاتل.

لكن هناك قبائل تدعم عمليات الجيش في سيناء وعلى رأسها قبيلة الترابين، التي شكلت لجانا شعبية لمواجهة الجماعات المسلحة؟

كانت محاولة مخابراتية عن طريق بعض عملائها في بعض القبائل، لافتعال حرب أهلية بين القبائل، واعتمدت على خصومة سابقة بين قبيلة الترابين وبين قبيلة السواركة والرميلات التي ينتمي لهما أعداد كبيرة من المسلحين، لكن الخطة فشلت.

بعد مرور عامين على العمليات العسكرية، يتعاظم أداء الجماعات المسلحة ويزداد الضحايا في صفوف العسكريين، في اعتقادكم ما أسباب تعاظم دور التنظيم رغم قوة الحملة الأمنية؟

ما يصنع الفارق بين مقاتل وآخر هو الروح المعنوية، فالمسلح يقاتل دافعا عن أرضه وحياته وبيته ودم أقاربه المقتولين، أما جنود الجيش فمعظمهم مجندون إلزاميا ويرغب كل واحد منهم في إنهاء فترة تجنيده والعودة لعائلته بسلام، ولا يرى منطقا أو مبررا للقتال، وحالته المعنوية منهارة.

كما أن المسلحين منذ طفولتهم يعيشون في الصحراء ويعرفون جيدا طرق التخفي والمناورة فيها، وهم عادة يختفون شهرا أو شهرين، ثم ينفذون عملية كبرى ضد الجيش ويعاودون الاختفاء، وبالتالي يصب الجيش جام غضبه على المدنيين.

الصحف الغربية تتحدث عن انضمام عدد من ضباط الصاعقة المصرية إلى ولاية سيناء، ما مدى صحة تلك الأنباء؟ وهل ساهم هذا الانضمام في تعزيز القدرات العسكرية للتنظيم؟

تاريخ الجيش المصري حافل بانضمام ضباط إلى جماعات تكفيرية، والجميع يعلم أن من قتل الرئيس السادات كانوا ضباطا بالجيش، لكن ليس لدينا معلومات مؤكدة حول انضمام أفراد من الجيش للمسلحين في سيناء، وفي حال صحة هذه الأنباء فقد يعجل هذا الانضمام في نقل المعركة إلى محافظات خارج سيناء.

 هددت إسرائيل مؤخرا بقصف مواقع للجماعات المسلحة في سيناء، بدورها قتلت الجماعات المسلحة بعض المواطنين بحجة التخابر مع الموساد، ما حقيقة الدور الإسرائيلي في ما يجري في سيناء؟

حالة التنسيق الأمني بين الجيشين المصري والإسرائيلي معلنة منذ مدة، وليس خبرا جديدا أو غريبا، وطائرات الاستطلاع الإسرائيلية دون طيار، موجودة في سماء الشيخ زويد ورفح بشكل مستمر، والذي فك حصار المسلحين عن قسم شرطة الشيخ زويد الشهر الماضي، هي طائرات أف16 الإسرائيلية، كما نفذت إسرائيل عدة عمليات اغتيال ضد بعض المسلحين.

أيضا هناك آلاف العملاء الذين تستخدمهم إسرائيل في سيناء، وقد وضع المسلحون شرائح إلكترونية بالقرب من كمين أبو رفاعي، ثم أجبروا أحد العملاء المعتقلين لديهم على الاتصال بالمخابرات الإسرائيلية، وعلى الفور قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف الكمين معتقدة أنه أحد مواقع المسلحين، مما أدى لوفاة جميع الجنود فيه.

 قلتَ في تصريحات سابقة إن الجيش يحاصر رفح والشيخ زويد، ويمنع دخول شاحنات المياه والمواد الغذائية. لماذا يُقدِم الجيش على ذلك؟

عندما يعجز الجيش عن محاصرة المسلحين يفرض حصارا على جميع المواطنين الموجودين في هذا المكان، كما أن الهدف الأساسي من العمليات العسكرية في سيناء هو إخلاء هذه المنطقة من السكان تماما، حتى إن الدولة تتبع المواطنين الذين هاجروا منازلهم في تلك المناطق وتمنعهم من الإقامة في العريش أو بئر العبد، وتجبرهم على الخروج من سيناء.

هل ساهم هدم مدينة رفح والأنفاق على الحدود مع قطاع غزة في كبح جماح الجماعات المسلحة؟ أم أن الهدف من هذه الإجراءات تشديد الحصار على قطاع غزة، كما تقول المعارضة؟

لم يذكر المتحدث العسكري أو أي بيان للقوات المسلحة أن إخلاء رفح وإقامة المنطقة العازلة يهدف لحصار المسلحين، إنما كان الهدف المعلن هو إغلاق الأنفاق بين مصر وغزة، وأي عاقل يدرك أن إغلاق الأنفاق لا يحتاج إلى تهجير وهدم مدينتي رفح والشيخ زويد، خاصة أن المخابرات كانت تدير تلك الأنفاق وتتحكم فيها بصورة كبيرة.

 يعاني المواطن في شمال سيناء جراء هدم آلاف المنازل وتواصل المعارك وفرض حظر التجوال منذ عدة أشهر. ما أبرز وجوه تلك المعاناة؟

أقسى أشكال المعاناة أن يصبح الإنسان دون بيت، خاصة إذا كان فقيرا، ولا يستطيع استئجار منزل في مكان آخر، والمأساة الأكبر أن تصبح العائلة فتجد الأب قتل والأبناء الذكور اعتقلوا والمزارع جرفت والمواشي أحرقت ثم دمر المنزل، كما يعاني الأهالي من قطع المياه والكهرباء أياما.

هل لديكم إحصائية بعدد القتلى والمعتقلين جراء العمليات العسكرية في سيناء؟
 
مع الحصار الأمني الشديد لجميع القرى والمدن وحظر التجوال وانقطاع الاتصالات معظم ساعات اليوم، من الصعب الحصول على إحصائية دقيقة حول أعداد القتلى والمعتقلين جراء العمليات العسكرية في سيناء، لكن ما لدينا من معلومات يؤكد مقتل ألفي مواطن، واعتقال 9073 آخرين، بالإضافة لإحراق 1853 من عشش البدو، وهدم 2577 منزلا، وتهجير أكثر من 35 ألف شخص.

 مع استمرار الصراع في سيناء، ما السيناريوهات المستقبلية؟ وما الحل الأمثل لإخراج سيناء من دوامة العنف؟

لا يمكن النظر إلى ما يجري في سيناء بمعزل عما يجري في محيطها الإقليمي، والإسرائيليون وصلوا بعد الثورات العربية لمرحلة التهديد الحقيقي لوجود الدولة، وصناعة الجدران حول إسرائيل، والإصرار على يهودية الدولة؛ وتنقيةُ الأراضي المحتلة من العرب جزءٌ من هذا الإحساس، لذلك تنظر إسرائيل لسيناء كموطن بديل للفلسطينيين.

أما السيناريو الآخر فهو الحفاظ على سيناء خالية من السكان، حيث يعتقد الإسرائيليون أن تعمير سيناء أخطر عليهم من امتلاك العرب القنبلة النووية، حتى يظل جزء كبير من الأرض يفصل مصر عن إسرائيل.

أما أخطر السيناريوهات فهو تدويل الصراع في سيناء ووضعها تحت الحماية الدولية، وبخاصة عندما تتدخل أميركا بحجة محاربة الإرهاب، مع إشاعة فكرة فشل الجيش المصري وعدم قدرته على السيطرة على المنطقة وتهديد الأمن الإسرائيلي.

هل يمكن أن تقود الجهود القبلية لحل سياسي، أو على الأقل لوقفٍ لإطلاق النار بين الدولة والمسلحين في سيناء؟

المشكلة أننا نتعامل مع عقليتين: الأولى عسكرية لا تقبل إلا السيطرة الكاملة على سيناء والقضاء على المسلحين، وعقلية قبلية بدوية لها ثأر ولها بيوت دمرت وأراضٍ استبيحت وترفض فكرة الهزيمة والانبطاح، ونحن نسير في مسيرة التصادم فيها حتمي، حتى يقضي أي من الفريقين على الآخر.

ويبقى الأصل أن من صنع المشكلة الحالية هو عبد الفتاح السيسي، الذي يعمل على إدخال مصر في حرب أهلية، وتدمير الجيش المصري عبر إفقاده سمعته كجيش قوي، والدور التاريخي كحامٍ للمنطقة العربية، والتعاطف الشعبي نتيجة استمرار جرائمه بحق أهالي سيناء بوجه خاصة والمصريين بوجه عام.

المصدر : الجزيرة