اللون الطائفي للعنف في ولاية غرداية الجزائرية لا يعكس حقيقة الأزمة الناتجة عن تهميش المحليين وغياب النظام وعجزه، وفق مراقبين وسياسيين أكدوا فشل المقاربة الأمنية وطالبوا بمعالجة جوهر المشكلة بدل التركيز على أعراضها.

ياسين بودهان-الجزائر

يجمع خبراء وسياسيون على أن أحداث العنف التي تشهدها ولاية غرداية الواقعة جنوبي العاصمة الجزائرية، تعبر عن أزمة اجتماعية مركبة وإن بدت ذات بعد طائفي بحت.

وتتكرر المواجهات بين إباضيين أمازيغ يطلق عليهم "الميزابيين" وبين مالكيين عرب يسمون الشعانبة. وفي غضون أقل من 48 ساعة سقط أكثر من عشرين قتيلا، مع تسجيل عشرات الجرحى في مدينة القرارة وحدها, بينما تم إحصاء 17 قتيلا منذ بداية الأزمة قبل عامين.

كما أسفرت المواجهات عن حرق وتخريب مئات المتاجر والسيارات والمنازل والمرافق العامة.

وفي وقفة احتجاجية، طالب المئات من الإباضيين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بإعلان ولاية غرداية منطقة منكوبة، وأن يضعها تحت حماية الجيش دون غيره.

وأكد عبد الحق -وهو أحد المشاركين في الوقفة- أن سبب مطالبتهم بتدخل الجيش جاء بعد عجز قوات الأمن -رغم تواجدها الكثيف- عن فرض والأمن، بسبب تعليمات تلزمها بعدم استخدام القوة المفرطة.

وكان أعيان المنطقة طالبوا من وزير الداخلية الالتزام بوعده بضرورة التصدي بكل قوة لأعمال العنف وللمحرضين عليها.

وطيلة العامين الماضيين، فشلت السلطة في وقف المواجهات رغم تواجد أكثر من ثمانية آلاف رجل أمن في الولاية الذي يبلغ تعدادها السكاني نحو 380 ألف نسمة.

أحداث غرداية أدت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى (غيتي)


وتسبب انسحاب عناصر من الشرطة احتجاجا على تعرض زملائهم لاعتداءات، في انفلات أمني بالعديد من الأحياء، مما دفع قائد الناحية العسكرية الرابعة إلى إصدار أمر لقوات الجيش بالتدخل تنفيذا لأوامر صدرت من الرئيس بوتفليقة.

ورغم أن المواجهات في ظاهرها تبدو طائفية، فإن متابعين يرون أن وسم هذه النزاعات بالطائفية أمر مجانب للحقيقة، ويزيد من "تعفن" الأوضاع هناك.

ويستدلون على هذا الرأي بالقول إن الميزابيين والشعانبة عاشوا جنبا إلى جنب في غرداية على مدار مئات السنين.

ويعتقد الناطق الرسمي لحزب "طلائع الحريات" المعارض أحمد عظيمي أن الأزمة أعمق بكثير من حصرها في مشكلة الطائفية، أو وجود جهات أجنبية تريد استغلال الوضع لإثارة الفوضى في البلاد.

الصدامات خلفت دمارا كبيرا في المساكن والمحلات التجارية (رويترز)

والسبب الجوهري برأي عظيمي، يكمن في طبيعة النظام السياسي الجزائري الذي "لم يستطع أن يكون دكتاتوريا فيمارس أساليب قمعية ويحكم قبضته على البلاد بقوة الحديد والنار، ولم يستطع أن يكون ديمقراطيا فيوفر فرص التعايش بين مختلف الحساسيات والفئات المجتمعية بقوة القانون".

ويبين للجزيرة نت أن "النظام الجزائري اللاديمقراطي عمل على تغييب وتهميش المنتخبين المحليين، وقضى على مؤسسات المجتمع المدني القادرة على حل مشاكل الجزائريين".

ويرى عظيمي -وهو عقيد سابق بالجيش الجزائري- أن تدخل قوات الأمن "لأكثر من سبعة آلاف مرة لفك النزاعات ومواجهة الاحتجاجات خلال السداسي الأول من العام الجاري، دليل على فشل سياسات النظام وتهربه من مواجهة الواقع".

وفي صفحته على الفيسبوك، اعتبر خبير علم الاجتماع السياسي ناصر جابي أن ما يحصل في غرداية مؤشر على "فشل النظام السياسي ورجاله وخطابه في تسيير التنوع الذي تعرفه الجزائر".

المصدر : الجزيرة