رغم الأجواء الاحتفالية التي رافقت الذكرى 57 لاستقلال ماليزيا، فإن البلاد تواجه أزمات وتحديات استدعت توجيه رسائل في أكثر من اتجاه، عسكريا على صعيد العرض العسكري اللافت، وسياسيا عبر الانتقادات التي وجهها مهاتير محمد لرئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق.

سامر علاوي-كوالالمبور

حملت احتفالات ذكرى استقلال ماليزيا هذا العام شعار "ماليزيا.. هنا يبدأ الحب" إلى جانب شعار "ماليزيا واحدة" الذي تتبناه حكومة نجيب عبد الرزاق في سعيها لتعزيز الوحدة الوطنية بين مختلف أعراق البلاد.

لكن مراقبين يرون أن الشعارين قد لا يعكسان حقيقة الانسجام المجتمعي المنشود، أو بهجة الذكرى التي نغصت عليها كارثتا الخطوط الجوية الماليزية.

فقد جاءت احتفالات الذكرى السابعة والخمسين للاستقلال، على وقع تحديات داخلية وخارجية قد يكون أبرزها الاستقطاب العرقي الذي خلفته انتخابات 2013 وتداعيات كارثتي الطائرتين الماليزيتين.

ويرى مراقبون أن الاستعراض العسكري هذا العام كان لافتا، وفسروا ذلك بأنها محاولة لمواجهة آثار الأزمات التي تعرضت لها البلاد في الأشهر القليلة الماضية، والتي كان أبرزها الكارثتين الجويتين، باختفاء طائرة للخطوط الجوية الماليزية في مارس/آذار الماضي بينما كانت في طريقها للصين، بينما تحطمت الأخرى في الأراضي الأوكرانية في يوليو/تموز.

ويضاف إلى ذلك المواجهة المسلحة بين القوات الماليزية ومسلحين فلبينيين تسللوا إلى ولاية صباح عام 2013.

وبينما نجحت الحكومة في التعامل مع أزمة صباح، إلا أنها واجهت تهما بالتقصير في أزمة الطائرتين.

حكومة عبد الرزاق تواجه أزمات داخلية وانتقادات من جانب مهاتير محمد (رويترز)

وضع شائك
ودافع وزير الدفاع الماليزي هشام الدين حسين عن موقف الحكومة بالقول إنه لا يوجد قيادي في العالم يمكنه التعامل مع مثل هاتين الأزمتين كما فعل رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق.

وقال إن عبد الرزاق تعامل مع وضع شائك في أوكرانيا لضمان وقف لإطلاق النار لفتح المجال أمام الوصول لجثث الضحايا، وإجراء تحقيق في ظروف تحطم الطائرة، في وقت لم تتجاهل فيه الحكومة أسر ضحايا الطائرة المفقودة، واستمر البحث عنها.

وقبل أسبوعين من حلول ذكرى الاستقلال، وجّه رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد انتقادات لاذعة للحكومة، ألمح فيها إلى الحاجة لتغيير رئيس الوزراء، وأعادت الرسالة إلى الذاكرة، انتقادات مماثلة وجهها مهاتير لخلفه عبد الله بدوي عام 2008، أدت إلى استبداله.

ورغم تفادي الحكومة أي صدام مع مهاتير، فقد اعتبرت تصريحاته مؤشرا على وجود نار تحت الرماد، قبيل الجمعية العمومية لحزب المنظمة الوطنية لاتحاد الملايو الحاكم المعروف اختصارا باسم "أمنو" المتوقع انعقادها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

على الصعيد ذاته، جددت المعارضة حملتها ضد ما تصفه بالسياسة القائمة على "أسس عرقية" والتي تتهم الحكومة بانتهاجها.

واعتبر الأستاذ الجامعي وعضو مجلس الشيوخ السابق إس راما كريشنان حملة المعارضة تقوم أساسا ضد السياسة التفضيلية للسكان الأصليين (الملاويين)، التي تنتهجها الحكومة منذ عام 1971.

ومع أن كريشنان -الذي ينحدر من أصول هندية- يعترف أن الهدف وراء إقرار السياسة التفضيلية "نبيل" كونه يهدف لدعم الطبقات الضعيفة في المجتمع، فإنه اتهم الحكومة بإساءة استخدامها وتوظيفها لمصالح سياسية وخاصة.

وقال راما كيشنان للجزيرة نت إن الماليزيين -وبعد 57 عاما من الاستقلال- لم يتطوروا ليصبحوا مجتمعا متكاملا، مشيرا إلى "الاستقطاب العرقي الحاد الذي ساد الانتخابات العامة الثالثة عشرة".

راما كيشنان:
الملاويون أيدو المنظمة الوطنية لاتحاد الملايو (أمنو) الذي يقود تحالف الحكم، بينما ساند غيرهم أحزاب المعارضة، لتصبح ماليزيا منقسمة عرقيا أفقيا على المستوى الشعبي، وعموديا على مستوى القيادة والحكم

تقسيم عرقي
ونبه إلى أن الملاويين أيدو المنظمة الوطنية لاتحاد الملايو (أمنو) الذي يقود تحالف الحكم، بينما ساند غيرهم أحزاب المعارضة، لتصبح ماليزيا منقسمة عرقيا أفقيا على المستوى الشعبي وعموديا على مستوى القيادة والحكم، كما قال.

وترفض المديرة العامة لوزارة الثقافة الماليزية، نورليزا روفلي، الاتهامات بـ "العنصرية"، وقالت للجزيرة نت إن المجتمع نهض بجميع فئاته وأعراقه، وإن 57 عاما من الاستقلال دليل على التعايش بين جميع الفئات والأعراق والأديان.

وتابعت أن القانون يجرم التعاطي على أساس عرقي أو عنصري، ومع أن رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد أقر مؤخرا بصعوبة تجسيد شعار "آسيا الحقيقية"، الذي تتبناه ماليزيا بما فيها من تنوع عرقي وثقافي، فإن تصريحات أخرى له تؤكد أن العرقيات الثلاث، الملايوية والصينية والهندية، تنال حصتها من التنمية، وذلك بإشارته إلى هيمنة الصينيين على سوق الأعمال والتجارة، والهنود على سوق المهن من أطباء ومحامين.

ويرى بعض المحللين السياسيين أن احتفالات نهاية أغسطس/آب لا تمثل جميع الماليزيين، حيث إن القسم الشرقي من ماليزيا استقل في 16 سبتمبر/أيلول عام 1963، وهو ما جعل سكان ولايتي سراواك وصباح يطالبون بالاحتفال بيوم خاص بهم.

وقد أقرت ماليزيا قبل سنوات "يوم الانضمام إلى ماليزيا" -وهو نفس يوم استقلال ولايتي سراواك وصباح- يوم عطلة رسمية، لكن ذلك لم يوقف الشعور بالحاجة إلى يوم وطني يمثل وحدة جغرافية ماليزية.

المصدر : الجزيرة