بالنسبة لبعض المراقبين، ستظل الإجراءات الفرنسية لاحتواء الجهاديين عديمة الفاعلية ما لم تتخذ باريس خطوات فعلية باتجاه حل الأزمة السورية. وينطلق هؤلاء من أن تفرج الغرب على قمع الأسد لمعارضيه هو ما جعل سوريا ساحة تستقطب "الجهاديين" من أوروبا.

الجزيرة نت-باريس

انتقدت شخصيات سياسية وأكاديمية خطط الحكومة الفرنسية لاحتواء ما باتت تعرف بظاهرة الجهاديين الفرنسيين، معتبرة أن الإجراءات التي أعلنت عنها باريس في أبريل/نيسان الماضي غير كافية لردع الراغبين في الذهاب إلى القتال خارج البلاد.

وتتضمن هذه الإجراءات حملات توعية، ومراقبة زوار المواقع الجهادية، وتشجيع العائلات على الإبلاغ عن أبنائها الجانحين نحو التطرف.

وكانت الشرطة اعتقلت يوم الجمعة الماضي بمارسيليا (جنوب) فرنسيا من أصول جزائرية يدعى مهدي نموش (29 عاما) شارك في القتال بسوريا ويشتبه في تنفيذه هجوما داميا في متحف يهودي بالعاصمة البلجيكية بروكسل يوم 24 مايو/أيار الماضي.

ورأى مراقبون أن مثل هذا الحدث يجب أن يدفع حكومة الرئيس فرانسوا هولاند إلى اعتماد تدابير مشددة إضافية، والعمل مع شركائها الأوروبيين على بلورة حل للنزاع السوري يفضى إلى القضاء على قواعد التنظيمات الجهادية هناك.

وقال النائب البرلماني اليميني جاك ميار إنه يتعين على الحكومة الفرنسية على الأمد القصير أن تنظر في إمكانية إعادة العمل بنظام التأشيرات مع البلدان المجاورة لسوريا وعلى رأسها تركيا ولبنان.

ميار اعتبر أن تغاضي الغرب حوّل سوريا  إلى أكبر وكر للجهاد العالمي (الجزيرة)

حل سياسي
لكنه أردف قائلا إن كل هذه الإجراءات ستظل قاصرة ما لم يتم علاج جذور المشكلة، موضحا أنه "لا بد من إيجاد حل سياسي للنزاع السوري ثم مساعدة السوريين على التخلص من التنظيمات الجهادية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام".

وأضاف ميار في تصريحات للجزيرة نت أن الغرب أخطأ حينما وقف متفرجا على ما سماها الحرب الأهلية في سوريا التي حولت البلاد إلى "أكبر وكر للجهاد العالمي".

وكان المدير المركزي السابق لجهاز المخابرات الفرنسية الداخلية برنار سكوارسيني قد تبنى وجهة نظر مشابهة في مقال نشرته صحيفة "لوفيغارو" المحلية، إذ أعرب عن أسفه لكون بلاده ظلت "عمياء" إزاء الأوضاع في سوريا التي غدت -حسب تعبيره- "أهم منصة للتدريب على الجهاد يرتادها مئات الشبان الأوروبيين".

من جانبها، رأت الخبيرة المستقلة في مكتب الخطر الإرهابي آن جيوديشلي أن إلقاء القبض على مهدي منوش وبحوزته أسلحة في ميناء مارسيليا يفرض على سلطات باريس مضاعفة مراقبة الفرنسيين الذين شاركوا في القتال بسوريا أو العازمين على فعل ذلك.

وأكدت الباحثة الفرنسية في تصريح للجزيرة نت أن "الغرب جانبه الصواب حينما تغاضى طويلا عن الوضع في سوريا"، مشيرة إلى أنه كان بإمكانه في البداية المساعدة في حسم النزاع وتطويق تداعياته الخطيرة على الأمن الإقليمي والدولي.

جيوديشلي: الغرب جانب الصواب حينما تغاضى طويلا عن الوضع بسوريا (الجزيرة)

نتيجة عكسية
أما الأكاديمي الفرنسي جان بيار فيليو فذهب أبعد من ذلك، مؤكدا أن قرار القوى الغربية عدم التدخل العسكري في سوريا أفضى إلى نتيجة عكسية.

ونوه الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط إلى أن المدافعين عن ذلك القرار برروه بالحرص على احتواء "التهديد الجهادي" في الوقت الذي أفضت فيه سياسة التفرج إلى تعزيز ذلك التهديد بالنسبة لفرنسا والبلدان الغربية الأخرى لاسيما الأوروبية منها، وفق تقديره.

وأضاف الخبير في القضايا الأمنية -في تحليل نشرته النسخة الفرنسية من موقع "هافينغتون بوست"- أن ارتكاب نظام الرئيس السوري بشار الأسد لجرائم ضد الإنسانية على مرأى ومسمع من الجميع فتح أبواب البلاد لأنصار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وحذر الكاتب من قائد التنظيم أبوبكر البغدادي إذ يسعى لشن هجوم إرهابي في أوروبا مماثل لهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، على حد قوله.

وشدد على أن المسألة لم تعد إنقاذ سوريا وإنما مواجهة ما سماه "تهديد الأمن الدولي" الذي يمثله حضور آلاف الجهاديين في البلاد.

وألمح فيليو إلى أنه آن الأوان لكي يحسم الغرب أمره، مشيرا الى أن هناك خيارا بين تحليلين للوضع: "فإما أن بشار الأسد هو المتراس في مواجهة الإرهاب والنزعة الجهادية كما تدعي زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإما أن الثورة السورية هي السبيل الوحيد لصرع الوحش الجهادي واتقاء تمدده بعيدا خارج الشرق الأوسط".

المصدر : الجزيرة