"الفضائيون" ظاهرة أقلقت في السنين الأخيرة المراقبين العراقيين وبعض الأوساط البرلمانية، وهي تسمية مجازية لمنتسبي الجيش العراقي المقتدرين ماليا، والذين يقومون بالتبرع برواتبهم لآمري وحداتهم مقابل التمتع بإجازات طويلة ومفتوحة، الأمر الذي يرتب أعباء مضاعفة على زملائهم في الواجب.

علاء حسن-بغداد
انتشر مصطلح "الفضائيين" في السنوات القليلة الماضية بين منتسبي الجيش العراقي، وهي إشارة إلى الذين يتبرعون برواتبهم لآمري وحداتهم مقابل التغيب عن الواجب لفترات طويلة.

واعتبر خبراء أمنيون وأوساط سياسية ودينية أن هذه الظاهرة هي أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تفوق تنظيم الدولة الإسلامية ميدانيا في مناسبات عديدة، وبالتالي سيطرته على العديد من المدن العراقية.

وقد كشفت مصادر برلمانية عن صعوبة مواجهة ظاهرة المحسوبيات والتسيب لارتباط كثير من القيادات العسكرية الفاسدة بالمؤسسة الحاكمة.

يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي حاكم الزاملي إن لجنته شخصت ظاهرة "الفضائيين"، ورفعت تقارير وتوصيات إلى الجهات المختصة لمحاسبة من يقف وراءها، لكن "نفوذ بعض القادة العسكريين وارتباطهم بأحزاب مشاركة في الحكومة السابقة عطل إجراءات المراقبة".

وأشار في حديث للجزيرة نت إلى أن التدهور الأمني الذي شهده العراق بعد سقوط محافظة نينوى بيد الجماعات المسلحة، مما كشف الوجه البشع للفساد المستشري في المؤسسة العسكرية.

وشدّد الزاملي على ضرورة اتخاذ إجراءات جادة من قبل وزير الدفاع خالد العبيدي لتطهير الوزارة من المفسدين، وأبدى استعداد لجنته للتعاون في كشف المفسدين.

المراقبون يرجعون تقدم تنظيم الدولة ميدانيا
إلى استشراء الفساد بالجيش العراقي
 (رويترز)

ترتيب الصفقات
ويتحدث منتسبو القوات المسلحة من الجنود والرتب عن تفشي ظاهرة "الفضائيين" في معظم الوحدات، مشيرين إلى وجود أشخاص مقربين من الضباط في وحداتهم يتولون ترتيب الصفقات، وعادة ما تكون بالتنازل عن راتب شهر كامل لصالح آمر الفوج أو السرية.

ويقول بعض منتسبي الجيش العراقي إن ظاهرة "الفضائيين" تتسبب في سلبيات تؤثر على سير عمل المؤسسة العسكرية، وتؤدي إلى خلل في تأدية واجباتها أو إخفاقها في الوصول للهدف المنشود.

ويلفت نائب العريف في الجيش العراقي رحيم جاسم من محافظة واسط في حديثه للجزيرة نت أن شراء الإجازة بالمال يلقي على الآخرين تبعات تنفيذ واجبات مضاعفة.

ويؤكد جاسم أن الإجازات الممنوحة لمنتسبي الجيش مقابل المال "تستمر حتى في أوقات الطوارئ" الأمر الذي يتسبب في نقص عددي بوحدات الجيش في وقت هي أمس الحاجة للتفوق العددي.

ويقول رحيم إن أولئك "الفضائيين" يتمتعون بإجازات طويلة ليتفرغوا لأعمالهم الشخصية، فمنهم من لديه سيارة أجرة أو صاحب ورشة تصليح سيارات وغيرها من الأعمال المربحة، وبالتالي فإن التنازل عن رواتبهم مقابل التفرغ لأعمالهم المدنية يعتبر صفقة مربحة بالنسبة لهم.

video

تجاهل الشكاوى
ويشير جاسم إلى أن العديد من الشكاوى قدمت إلى لجنة الأمن والدفاع النيابية عن طريق اتصالات شخصية ببعض أعضائها لتتخذ إجراءاتها، مبيناً أنه قدم قائمة بأسماء "الفضائيين" في اللواء الذي ينتسب إليه، ويقول إنه من ثلاثة أفواج يبلغ عددها أكثر من 1500 منتسب من الرتب والجنود، وهناك في حدود 750 منتسبا تذهب رواتبهم إلى آمريهم، وحتى الآن لم نلمس إجراء رادعاً ضدهم.

وعبر عن أمله في اتخاذ وزير الدفاع الجديد إجراءات تحد من هذه الظاهرة الخطيرة، لأنها السبب في تراجع الأوضاع الأمنية، حسب رأيه. 

وقد قامت وزارة الدفاع من جهتها بإجراءات جديدة قالت إنها للحد من ظاهرة الفساد في المؤسسة العسكرية، وبحسب أحد منتسبي المفتشية التابعة للوزارة عبد الستار جابر، فقد تم تخصيص خط ساخن لعرض شكاوى منتسبي القطاع العسكري.

وبيّن جابر أن المفتشية تقوم بجولات مفاجئة لمقرات الأفواج والألوية والفرق لرصد أية ظاهرة سلبية وإحالة من يقف وراءها إلى التحقيق.

مظهر آخر للفساد
ومن مظاهر الفساد الأخرى التي تنبئ بأخطار مستقبلية تؤثر سلبا على أداء الجيش، هو دفع الرشى لدخول الكلية العسكرية، حيث يدفع الراغبون في الالتحاق بالكلية العسكرية بين سبعة وعشرة آلاف دولار للأشخاص المعنيين، ويكون دفع المبلغ على دفعتين: أثناء التقديم، وبعد صدور القبول رسميا.

ولم يتسن للجزيرة نت الحصول على تعليق من أحد الأشخاص المعنيين أو من الذين قاموا فعلا بدفع الرشى، إلا أن الخبير الأمني العراقي محمد الخضري شخَّص الظاهرة وتحدث للجزيرة نت عنها.

يقول الخضري إن هذه الظاهرة واحدة من أشكال الفساد الخطير الذي يدمر سمعة الكلية العسكرية العراقية المعروفة بتاريخها العريق.

وأعرب الخضري عن قناعته بأن المؤسسة العسكرية بحاجة إلى عملية إصلاح كبيرة، والمسؤولية في تحقيق ذلك تقع على مجلس النواب ووزارتي الدفاع والداخلية.

وأعلنت وزارة الدفاع أنها بصدد اتخاذ إجراءات صارمة بحق المفسدين، وتطهير الوحدات العسكرية من العناصر التي كانت وراء شيوع ظواهر طرأت على المؤسسة العسكرية في السنوات الماضية.

وكانت وزارة الدفاع قبل تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي تدار بالوكالة من قبل وزير الثقافة السابق سعدون الدليمي، ويشرف عليها بشكل مباشر مكتب القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي رئيس الحكومة السابق.

المصدر : الجزيرة