وقفة احتجاجية للقضاء اعتراضا على مشروع قانون السلطة القضائية (رويترز-أرشيف)

مصطفى رزق-الجزيرة نت

شهدت العلاقة بين مؤسستي الرئاسة والقضاء في مصر توترات كبيرة في العام الأول من حكم الرئيس محمد مرسي، تبادل الطرفان فيها الاتهامات. ففي حين اتهم القضاء الرئاسة وجماعة  الإخوان المسلمين بمحاولة السيطرة على مؤسسة القضاء وأخونة الدولة، اتهم الإخوان بعض القضاء بالفساد ومحاربة الرئيس والانتماء للنظام السابق.

ومرت المعركة بين الطرفين بمراحل عديدة، كانت سخونتها تطغى على الشارع المصري عبر وسائل الإعلام المعارضة والمؤيدة للرئيس، لكن أبرز هذه المحطات كان قرار المحكمة الدستورية العليا حل مجلس الشعب المنتخب (البرلمان) لعدم دستورية القانون الذي أجريت الانتخابات على أساسه، وكذلك موقف القضاء من الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره مرسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وإقالة النائب العام السابق عبد المجيد محمود وتعيين نائب جديد خلفا له، وكذلك الخلاف الذي نشب بسبب الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور الجديد، ومشروع قانون السلطة القضائية.

كان مطلب إصلاح القضاء وتطهيره من الفساد في مقدمة الشعارات التي رفعتها ثورة 25 يناير، لكن هذه القضية أصبحت أحد محاور الخلاف بين السلطة والقوى السياسية الإسلامية من جهة والقوى المعارضة من جهة أخرى

ولم تتوقف الاتهامات بين الجانبين حتى اليوم، خاصة مع حصول غالبية رموز النظام السابق على أحكام بالبراءة في قضايا قتل المتظاهرين وقضايا فساد وغيرها، وكذلك قرار المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية عضوية ثلث أعضاء مجلس الشورى وهو ما عدته دوائر سياسية مؤيدة لمرسي مخططا لإفشال حكم مرسي عبر إفشال مؤسسات الدولة الدستورية.

وكان مطلب إصلاح القضاء وتطهيره من الفساد في مقدمة الشعارات التي رفعتها ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك، لكن هذه القضية أصبحت أحد محاور الخلاف بين السلطة والقوى السياسية الإسلامية من جهة، والقوى المعارضة من جهة أخرى، حيث يتحدث الفريق الأول عن ضرورة إصلاح القضاء، في حين يعد الفريق الثاني هذا الإصلاح يخفي وراءه نوايا للسيطرة والهيمنة. 

حل البرلمان
في 14 يونيو/حزيران 2012 وقبل أيام من تسلم الرئيس محمد مرسي رسميا منصبه رئيسا للجمهورية قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة -الذي كان يتولى إدارة البلاد في هذا الوقت- حل مجلس الشعب تنفيذا لقرار المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات.

وفي يوليو/تموز 2012 أصدر مرسي قرارا بعودة البرلمان لعقد جلساته وممارسة اختصاصاته المنصوص عليها وإلغاء قرار المجلس العسكري بهذا الشأن، على أن تجرى انتخابات مبكرة لمجلس الشعب خلال ستين يوما من تاريخ موافقة الشعب على الدستور الجديد.

في 22 سبتمبر/أيلول 2012 قضت المحكمة الإدارية العليا بأن مجلس الشعب قد زال وجوده بقوة القانون في ضوء حكم المحكمة الدستورية العليا.

الجمعية التأسيسية أقرت مسودة الدستور النهائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 (الأوروبية-أرشيف)

تأسيسية الدستور
في 25 مارس/آذار 2012 اختار البرلمان في جلسة مشتركة لغرفتيه (الشعب والشورى), مائة عضو لتشكيل لجنة تمثل جمعية تأسيسية لوضع أول دستور للبلاد بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وتشكلت اللجنة بواقع 50 من أعضاء البرلمان ومثلهم من القوى والفعاليات النقابية والشخصيات العامة، لوضع مشروع دستور بدلاً من دستور عام 1971. كما اختير عشرون نائبا احتياطيا من البرلمان ومثلهم شخصيات احتياطية من خارج البرلمان في حال اعتذار أحد أعضاء اللجنة.

في 10 أبريل/نيسان 2012 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكما بحل الجمعية بدعوى أنها ضمت أعضاء في مجلسي الشعب والشورى، وهو ما قالت المحكمة إنه مخالف للمادة 60 من الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2011، مما دفع البرلمان لتشكيل جمعية تأسيسية أخرى.

قام البرلمان بتاريخ 13 يونيو/حزيران 2012 بتشكيل جمعية تأسيسية أخرى، عقدت أولى جلساتها في 18 يونيو/حزيران 2012 واختارت المستشار حسام الغرياني رئيسا لها.

وفي دعوى أخرى لحل التشكيل الثاني للجمعية التأسيسية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2012 رفضت محكمة القضاء الإداري نظر الدعوى لعدم اختصاصها، خاصة أن التشكيل الثاني للجمعية صدر بقانون، ولا يجوز للمحكمة النظر في القوانين.

وبعد تجاذبات بين أعضاء الجمعية وانسحاب عدد من الأعضاء، أنهت الجمعية كتابة الدستور الجديد في 30 نوفمبر/تشرين الثاني وأقرت مسودته النهائية تمهيدا لعرضها على الرئيس مرسي للتصديق عليها وإعلان موعد للاستفتاء عليها. 

مرسي تراجع عن الإعلان الدستوري المكمل وأبقى ما ترتب عليه من آثار (رويترز-أرشيف)

الإعلان الدستوري المكمل
في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 أصدر مرسي إعلانا دستوريا مكملا تضمن حزمة من القرارات أبرزها تحصين القرارات الرئاسية حتى انتخاب مجلس شعب جديد، وإقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود واستبداله المستشار طلعت إبراهيم به، وتحصين مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، وإعادة محاكمات المتهمين في القضايا المتعلقة بقتل وإصابة وإرهاب المتظاهرين أثناء الثورة.

المجلس الأعلى للقضاء انتقد الإعلان الدستوري وعدّه "اعتداء غير مسبوق" على استقلال القضاء وأحكامه، كما أصدرت هيئات قضائية أخرى كمحكمة النقض ونادي القضاة والمحكمة الدستورية العليا بيانات تندد فيها بالإعلان الدستوري وعدته محاولة للتغول على السطلة القضائية، في المقابل أصدرت حركة قضاة من أجل مصر بيانا أعلنت فيه تأييدها لقرارات رئيس الجمهورية.

وتسبب الإعلان الدستوري في حالة استقطاب حادة في الشارع المصري بين مؤيد ومعارض ومظاهرات حاشدة بالتأييد والمعارضة في أنحاء الجمهورية. كما تسبب في استقالة عدد من مستشاري الرئيس احتجاجا على عدم الاستماع إليهم.

في 9 ديسمبر/كانون الأول وبعد اجتماع للحوار الوطني بحضور عشرات الممثلين عن القوى السياسية والوطنية، ألغى الرئيس مرسي الإعلان الدستوري، لكنه أبقى الاستفتاء على مشروع الدستور في موعده المقرر، كما أبقى ما ترتب على الإعلان من آثار. 

مجلس الشورى
وفي 2 يونيو/حزيران 2013 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون مجلس الشورى وببطلان مادة انتخاب الثلث الفردي من أعضاء مجلس الشوري، لكنها أرجأت سريان الحكم إلى حين انتخاب مجلس نواب جديد.

كما قضت المحكمة -وهي أعلى محكمة مصرية- بعدم دستورية قانون معايير الجمعية التأسيسية للدستور التي وضعت دستور البلاد.

وقالت المحكمة إن القانون الذي أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشورى، الذي يتولى سلطة التشريع مؤقتا، غير دستوري، وهو ما ينطبق أيضا على القانون الذي اختير على أساسه أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور التي صاغت دستور البلاد. 

إجراءات أمنية مشددة أمام دار القضاء العالي أثناء احتجاجات القضاة (الأوروبية-أرشيف)

قانون السلطة القضائية
مع ظهور مقترح لتغيير قانون السلطة القضائية تقدم به حزب الوسط لمجلس الشورى في أبريل/نيسان الماضي، تعمقت أزمة الثقة بين مؤسستي القضاء والرئاسة، وكان البند الخلافي الأكبر في المشروع هو تخفيض سن تقاعد القضاة إلى ستين عاما كما هو الشأن مع العاملين في بقية الوظائف.

مؤيدو المشروع يرون في تعديل قانون السلطة القضائية ضرورة ملحة كي يتوافق مع الدستور الجديد، مؤكدين أن هذا طالما كان مطلب القضاة أنفسهم، كما يرى مقدموه أنه يمثل خطوة على طريق إصلاح القضاء الذي عانى من الفساد شأنه شأن كل قطاعات الدولة في عهد الرئيس السابق مبارك.

المعارضون والمتوجسون من مشروع القانون ينتقدون مناقشة قانون يمس السلطة القضائية في البرلمان ولم تناقشه الجهات القضائية، واتهمت المعارضة النظام بمحاولة أخونة القضاء.

ونظم مئات القضاة وأعضاء النيابة العامة وقفة احتجاجية أمام مقر دار القضاء العالي وسط القاهرة تقدمهم المستشار أحمد الزند الذي يرأس نادي القضاة احتجاجا على مشروع القانون، الذي عدوه بمثابة مذبحة للقضاة، خاصة ما يتعلق بخفض سن التقاعد للقضاة من 70 إلى 60 عاما، وهو ما من شأنه أن يتسبب في إبعاد نحو 3000 قاض عبر إحالتهم للتقاعد.

وحتى اليوم لا يزال مشروع القانون مثار جدل وتجاذبات واسعة بين السلطة القضائية والبرلمان، وحسب الكاتب صلاح منتصر في مقاله بصحيفة الاهرام حول الأزمة فإن هناك اتجاهين للأزمة أحدهما يتبناه مجلس القضاء الأعلى باستخدام الحكمة ومناقشة ما يبعث به مجلس الشوري إلى مجلس القضاء عن مشروع القانون والرد عليه، والرأي الثاني يقوده نادي القضاة ويرى أنها معركة لا تنفع فيها الحكمة ولا بد من التصعيد الذي يصل إلى حد الاعتصام المفتوح بمقر النادي.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية