إذا كانت معركة القصير قد تصدرت واجهة المعارك بين القوات النظامية مدعومة بحزب الله اللبناني من جهة، ومقاتلي المعارضة من جهة وأخرى في صيف عام 2013 فإن القلمون تصدرت واجهة المعارك في شتاء العام نفسه.

المعارك تتسبب في سقوط العشرات وهجرة الآلاف باتجاه الحدود مع لبنان (الجزيرة-أرشيف)
 
إذا كانت معركة القصير قد تصدرت واجهة المعارك بين القوات النظامية مدعومة بـحزب الله اللبناني من جهة، ومقاتلي المعارضة من جهة أخرى في صيف عام 2013 فإن القلمون تصدرت عناوين المعارك في شتاء العام نفسه.

وتنبع أهمية هذه المنطقة بالنسبة للنظام السوري من دورها في تأمين طريق حمص دمشق وإبقائها مفتوحة، وتمكن قوات النظام في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من السيطرة على مدينة قارة الواقعة في منطقة القلمون الجبلية بعد معارك عنيفة بينه وبين مقاتلي المعارضة.

وأطلق النظام معركة قارة تحديدا لقطع طرق الإمداد، وخاصة بعد السيطرة على مستودعات مهين، ولمنع وصول السلاح إلى مقاتلي الجيش الحر داخل القلمون الغربي.

وجاء تكثيف المعارك التي باتت شبه يومية في تلك المنطقة في شتاء عام 2013 بعد مرور نحو عام من سيطرة المعارضة على أجزاء كبيرة منها، وتشمل القرى والبلدات المرتفعة مثل رنكزس والزبداني، ودوما.

جغرافيا
ومنطقة القلمون منطقة استراتيجية مهمة بحكم الجغرافيا فجبال القلمون سلسلة جبلية في غرب سوريا تمتد من الدريج جنوبا إلى البريج شمالا وتكون إلى الشمال الغربي من مدينة دمشق، وتسمى سلسلة جبال لبنان الشرقية أيضاً.

وبحكم موقعها وارتفاعها عن سطح البحر أصبحت القلمون واحدة من أهم المناطق العسكرية على امتداد الأراضي السورية، واختبرت لتكون مقرا قواعد عسكرية ومخازن أسلحة مهمة للجيش السوري.

وأولاها الرئيس الراحل حافظ الأسد اهتماما خاصا نظرا لتماسها مع لبنان، واختارها لتخزين الأسلحة والذخيرة تحسبا لأي ضربات جوية في حال نشوب حرب مع إسرائيل.

وتنتشر عليها من الجهة السورية مدن وقرى وبلدات شهيرة مثل صيدنايا وعين منين ومعلولا ورنكوس وتلفيتا وبخعة وجبعدين وحلبون والنبك والقطيفة والرحيبة ويبرودو قارة ودير عطية ورآس المعرة وقرية السحل وعسال الورد وغيرهم.

وتتميز مناطق جبال القلمون السورية بمناطقها الخلابة ومصايفها الشهيرة حيث تقع البلدات والمدن في أحضان الجبال أو على القمم ويسود المنطقة جو جميل معتدل إلى بارد صيفا، وبارد مع تساقط كثيف للثلوج في الشتاء حيث تكلل البلدات ورؤوس الجبال بالثلج.

وعلى امتداد السلسة الجبلية وفي مناطق القلمون عشرات ينابيع المياه الطبيعية والمعدنية، وتشتهر مناطق جبال القلمون بزراعة أشجار الفاكهة المميزة مثل الكرز والمشمش والخوخ والدراق والأجاص والتفاح والتين والعنب وغيرها من فواكه القلمون التي تتميز بالجوده العالية.

وإلى جانب المميزات الطبيعية لجغرافيا المنطقة تنتشر على جنبات وبين ثنايا جبال القلمون في سوريا الكثير من الآثار والمغارات والمباني المحفورة في الصخر والكهوف والمعابد والأديرة والكنائس التاريخية وما زال سكان عدد من البلدات يتحدثون اللغة الآرامية (اللغة السورية القديمة أو اللغة السريانية، التسمية الحديثة للآرامية) في حياتهم اليومية.
 
تاريخ
يحفظ التاريخ لتلك المنطقة مراحل هادئة في حقب شهدت حروبا مصيرية، فبعد تحرير القدس من الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي بدأ تعريب القلمون في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي في المناطق المنفتحة على البادية في الشمال والشرق.

وقد ظل القلمون جزيرة مسيحية آرامية سريانية حتى نهاية فترة الحروب الصليبية، وكان عمادها الثقافي والروحي والاجتماعي، مؤسسات الأديرة العديدة التي أنشئت في المنطقة في العهد البيزنطي.

وفي العصور الحديثة وبسبب الموقع المتوسط تعزز انفتاح القلمون على ما حوله، بين شمالي بلاد الشام وجنوبيها في جميع الميادين، غير أن الميدان الثقافـي ظل في المقدمة، فافتتحت المدارس التبشيرية التي كانت عنايتها باللغة العربية. وكذلك أسهم القلمون في الثورة السورية ومقاومة الانتداب الفرنسي فوق أرض القلمون نفسه، (موقعة عيون العلق، شمال قارة)، وفي دمشق وغوطتها.

وأسهم القلمون في النهضة العلمية واليقظة القومية في العهد العثماني، وكانت بعض شخصياته على صلة بعبد الحميد الزهراوي، رائد تلك اليقظة. فمن دير عطية خرج العلامة الشيخ عبد القادر القصاب، الأستاذ الأزهري، الذي عاد إلى بلدته لاحقا لإنشاء مدرسة جامعية المنهج على النمط الأزهري، أصبحت مدرسة الشيخ عبد القادر القصاب اليوم منارة من منارات العلوم الشرعية ومقصداً لطلاب العلوم الشرعية واللغة العربية.

ومن يبرود في القلمون هاجرت إحدى العائلات المسلمة إلى الأرجنتين، وادخرت لها الأقدار أن ترزق بطفل عام 1930 أصبح رئيسا لتلك الدولة اللاتينية الكاثوليكية في عام 1989 اسمه كارلوس منعم.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية