أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ37 من سلسلة "بالهجري" حدثا وقع في مثل شهر رجب الجاري، وهو وفاة محدث الشام الإمام ابن عساكر عام 571 للهجرة.

والإمام هو أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي. ولد عام 499هـ (1105م) في عهد الحاكم السلجوقي (الأتابك) ظاهر الدين طغتكين، لأسرة ذات علم وجاه.

سمع الحديث من أبيه وأخيه وهو في السادسة، فتشربت روحه حب الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من رسالة وآي الذكر الحكيم. كان أبوه حافظا وقاضيا، وكان أخوه أبو الحسين الصائن هبة الله بن الحسن من حفاظ الحديث وذوي الشأن في هذا المجال.

بعد اشتداد عوده، طاف ابن عساكر بلاد المشرق من بغداد إلى الحجاز إلى بلاد فارس، يسمع ويجمع العلم من أهل الذكر، حتى صار لديه كنز من المصادر المرموقة والأخبار الموثوقة، وأصبح طلاب العلم يقصدونه طلبا للعلم.

أكمل ابن عساكر كتابه "تاريخ دمشق"
قبل سنتين من وفاته
(الجزيرة)
شاهد فيديو الحلقة على يوتيوب

كرس ابن عساكر سنيَّ عمره في التدريس والتدوين، ولكن كان هناك حلم يراوده طوال حياته.. هو مشروع كبير لم ينقطع عن التفكير والتخطيط له في كل يوم، وهو أن يوثق لتاريخ مدينته عروس الشام.. دمشق.

كان ابن عساكر يفكر بشيء ضخم لم يسبق له مثيل، لدرجة أن اليأس دبّ في نفسه في أكثر من مناسبة، لإدراكه أن ما يحلم به أكبر من أن يستطيع إنجازه، خاصة مع انشغاله بحلقات العلم التي كان يديرها.

ظل حلم ابن عساكر معلقا حتى تقدمت به السنين وضعف بصره واشتعل رأسه شيبا، إلا أن شيخوخته وقعوده عن التدريس وفّر له فسحة من الوقت ليلتفت إلى ما كان يتوق إليه.

استعان بابنه القاسم، فكان الأخير يقرأ على والده ما كتبه ويملي ابن عساكر ملاحظاته وتصحيحاته وتنقيحاته عليه. وهكذا حقق الشيخ حلم شبابه وكهولته، وأنجز قبل سنتين فقط من وفاته درة من درر الأدب العربي والإسلامي، كتاب "تاريخ دمشق" الذي صار مرجعا للباحثين والمؤلفين من بعده لدقته وعلميته ومهنيته في التبويب والتقديم. 

وفي عام 571هـ (1175م)، رحل ابن عساكر عن دنيانا تاركاً خلفه شعلة خالدة لا تزال تنير درب الدارسين إلى يومنا هذا.

المصدر : الجزيرة