"جديد حسن باشا".. قلب بغداد القديمة يتداعى
آخر تحديث: 2017/12/15 الساعة 11:08 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/15 الساعة 11:08 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/27 هـ

"جديد حسن باشا".. قلب بغداد القديمة يتداعى

ما زالت مباني المنطقة القديمة ببغداد وبيوتها تتداعى دون أن يتحرك أحد للحفاظ عليها(الجزيرة)
ما زالت مباني المنطقة القديمة ببغداد وبيوتها تتداعى دون أن يتحرك أحد للحفاظ عليها(الجزيرة)
الجزيرة نت-بغداد

في زقاق ضيق بمنطقة "جديد حسن باشا" الذي هجره معظم ساكنيه، يجلس محمد حمدي ليراقب إحدى "شناشيل" (مشربيات) منزل بغدادي قديم سقطت على الجدار المقابل في الزقاق، بعد أن تآكلت دون أن تمتد يد لإصلاحها.

"لم تكن هذه المنطقة التي تقع وسط بغداد القديمة هكذا من قبل"، يقول حمدي. وهو أحد الذين رفضوا مغادرتها، مضيفا أن من بقي فيها لا يتجاوز عددهم 15 عائلة، معظمهم من الفقراء والمعدمين. وبين أنقاض المباني القديمة التي تحولت إلى خرب، يقودنا حمدي ليرينا بعض المنازل التي كانت مستقرا لكبريات العائلات الثرية والمتنفذة، قبل أن يبدأ السكان الرحيل عنها تدريجيا.

ولا يكاد الزائر للمنطقة اليوم يلمح آثارا للحياة، باستثناء قلة من المارة الذين تلوح عليهم علامات الفقر، كما تبدو أطلال المنازل المهدمة والمهجورة ماثلة للعيان.

الحارة
وتعد هذه المحلة (التسمية العراقية للحارة) إحدى أقدم مناطق بغداد، ويعود تاريخها إلى العهد العثماني، وحملت هذا الاسم نسبة إلى والي بغداد حسن باشا (1704-1723)، الذي قام بتجديد جامع السراي القديم ليحمل اسمه، ثم نسبت المنطقة إليه في ما بعد.

وعلى بُعد مئات الأمتار من هنا، تم تنصيب فيصل الأول ملكا للعراق عام 1921 في مبنى "القشلة" المطل على نهر دجلة، لتزداد أهمية المنطقة سياسيا واجتماعيا.

ومع نشأة الدولة العراقية الحديثة، أصبح مبنى القشلة مقرا للحكم الجديد وأغلب وزاراته، لكن تغير الأمر حين توسعت بغداد، فانتقل كثير من أهلها إلى أحياء جديدة أكثر اتساعا ورحابة.

أحد المنازل المهجورة التي أصبحت أنقاضا ببغداد القديمة (الجزيرة)

إهمال
وزادت وتيرة ترك السكان لمنازلهم بعد عام 2003، ومع رحيلهم أصبحت أنقاض بيوتهم مرتعا للحشرات والجرذان والكلاب الضالة، ومكبات للنفايات التي تمتلئ بها الأزقة والشوارع الضيقة.

وبالقرب من منزل تظهر بعض معالم عمارته البغدادية القديمة يلعب أطفال كرة القدم، وبجوارهم يقف والدهم علي مشتاق الذي يعمل حمالا في منطقة الشورجة التجارية، ويشتكي من أن سيارات النظافة لا تكاد تأتي في الشهر إلا مرة واحدة، مما أدى إلى تغير هواء المنطقة ورائحتها.

ويضيف مشتاق أن أزقة المنطقة القديمة تخلو من المدارس والمراكز الصحية، وهو ما ضاعف معاناة سكانها، ودفع معظمهم لتركها.

ويقول حكيم عبد الزهرة متحدثا باسم أمانة بغداد، وهي الجهة المعنية بتجميل العاصمة وصيانة مبانيها القديمة، إن الحكومة تعاقدت مع شركات أجنبية لترميم المنطقة القديمة لبغداد وغيرها من الأحياء الأثرية، مستدركا أن هناك تلكؤا في التنفيذ حتى الآن، متهما جهات متنفذة -لم يسمها- بالحيلولة دون نجاح المشروع.

 كثير من أزقة المنطقة القديمة ببغداد تحولت إلى مكبات للنفايات (الجزيرة)

لوم
ويلقي المتحدث اللوم كذلك على بعض أصحاب هذه المنازل والمباني، لأنهم "لا يتعاونون" مع الأمانة في حملتها لترميم منطقتهم، مؤكدا أن سيارات النظافة التابعة للأمانة تنظف المنطقة بشكل شبه يومي.

من جانب آخر، يقول الباحث في التراث عبد الرزاق البغدادي إن المحلة كانت تشكل قلب بغداد القديمة، حيث تقع بجوار القشلة، وهي مقر ولاة بغداد العثمانيين، وبجوارها المدرسة الرشدية العسكرية، وسوق السراي الأثري، وغير بعيد عنها يوجد شارعا الرشيد والمتنبي الشهيران، ومنطقة الميدان التجارية.

ويضيف البغدادي للجزيرة نت أن المنطقة كانت هي الاختيار الأمثل لسكنى أغلب الطبقة الغنية ببغداد وكبار الموظفين في العهد الملكي، حتى أن منازلها التي تبلغ مساحة بعضها أكثر من ألف متر كانت هي الأغلى سعرا في العاصمة.

ساسة
وممن قطنوا المحلة رئيس وزراء العراق السابق حكمت سليمان، والسياسي العراقي الشهير كامل الجادرجي، وكانت مقاهيها ملتقى لساسة العراق وضباطه آنذاك مثل نوري السعيد وطاهر يحيى وعبد الرحمن البزاز وغيرهم.

ويرى الباحث في التراث أن كثيرا من رجالات السلطة الحالية، الذين ينحدر معظمهم من خارج العاصمة، لديهم خصومة حتى مع تاريخ بغداد لأسباب مذهبية واجتماعية. ويضيف البغدادي "كان بالإمكان تحويل هذه الأماكن إلى مناطق سياحية تدر على البلاد دخلا جيدا، لكنها تعرضت للإهمال في عهدهم، ولم تنل أي اهتمام، مما سيؤدي إلى اندثارها بالكامل قريبا".

المصدر : الجزيرة