هيثم حسين

لا يتحمل فعل "قرأ" صيغة الأمر، تماما كفعلي "أحب" و"حلم"، هكذا يستهل الفرنسي دانيال بناك كتابه "متعة القراءة" الذي يشير فيه إلى أن القراءة تعتبر فعل تمرد.

يتحدث بناك في كتابه (نشرته دار الساقي عام 2015 وترجمة يوسف الحمادة) عن تربية المرء القارئ، وكيف يتم تعليمه كل شيء عن الكتاب. ويقول "لقد فتحنا عينيه على التنوع اللانهائي للأشياء الخيالية، وعرفناه على فرح السفر العمودي، وزودناه بالقدرة على أن يكون في كل مكان، وخلصناه من سلطة الزمان على أن يكون في كل مكان، وخلصناه من سلطة، وجعلناه يغطس في عزلة القارئ المسكونة بتعدد عجيب".

طقوس القراءة
يحوي الكتاب أربعة فصول، هي "ولادة الكيميائي"، و"يجب أن تقرأ"، و"التشجيع على القراءة"، و"ما الذي سيقرؤه الآخرون؟"، وهو يركز على القراءة كفعل خلق دائم، ويتناول الذرائع التي يتم سوقها أثناء الحديث عن واقع الرغبة عن القراءة لدى جيل المراهقين والشباب، ومن ذلك ما يقال إن لم يكن الذنب ذنب التلفزيون أو الجنون الاستهلاكي فسيكون الذنب ذنب هجمة الإلكترونيات، وإن لم يكن الخطأ خطأ الألعاب الإلكترونية فسيكون خطأ المدرسة.

بناك يتناول في كتابه التحول الذي يصيب المرء بعد تعلمه القراءة في مرحلة الطفولة، واكتشافه عالما واسعا رحبا، ويقول إنه لا يمكن للمرء أن يشفى من هذا التحول، ولا أن يعود سالما من رحلة كهذه

يذكر بناك أنه عندما نعاود التفكير في طقس القراءة الذي كنا نقوم به كل مساء على حافة السرير فإننا نرى هذا الطقس أشبه بصلاة، تلك الهدنة المفاجئة بعد صخب النهار، ذلك الصمت القدسي قبل أولى كلمات القصة، وصوتنا الذي لا يتغير.

كما يلفت إلى اكتشاف الإنسان إحدى أهم وظائف الفن بعامة، والتي تكمن في فرض هدنة على صراع البشر، متسائلا عما جرى بين الإنسان وتلك الحميمية، فيصفه بأنه المتعثر بكتاب يعتبره كصخرة، بينما تتم محاولة فهمه، وذلك بتجريم العصر وتلفزيونه الذي نسي إطفاءه.

يتناول بناك التحول الذي يصيب المرء بعد تعلمه القراءة في مرحلة الطفولة، واكتشافه عالما واسعا رحبا، ويقول إنه لا يمكن للمرء أن يشفى من هذا التحول، ولا أن يعود سالما من رحلة كهذه، ومهما كانت متعة القراءة مكبوتة فإنها تتحكم بكل قراءة، وبسبب من طبيعتها ذاتها فإن متعة القراءة متعة الكيميائي هذه لا تخشى على نفسها من الصور، وحتى من الصور التلفزيونية بوابلها اليومي.

ويصف الكاتب علاقة بعض الناس بالقراءة بالعقيدة الجامدة، ويميز بين أنواع من القراء، قائلا إن هناك الذين لم يقرؤوا أبدا ويخجلون من ذلك، والذين ليس لديهم الوقت للقراءة ويأسفون على ذلك، والذين لا يقرؤون روايات بل كتبا "مفيدة"، ومقالات وكتبا تقنية وسيرا ذاتية وكتب تاريخ، وهناك الذين يقرؤون كل شيء وأي شيء.

حقوق القارئ
ويذكر بناك تكرار أسباب وجوب القراءة من دون الوعي بها والتحفيز عليها بالسبل الأنسب، ومنها التعلم، والنجاح في الدراسة، والعلم بما يجري في العالم، ومعرفة الأشياء والتواريخ والآخرين بشكل أفضل، ومعرفة إلى أين نمضي، والمحافظة على ذاكرة الماضي، وإضاءة الحاضر، والاستفادة من الخبرات السابقة، وعدم تكرار أخطاء السابقين، وكسب الوقت، والفرار من الواقع، والبحث عن معنى للحياة، وفهم أسس الحضارة، وإبقاء الفضول متيقظا، وللتسلية، والتواصل، وممارسة الفكر النقدي.

الكاتب الفرنسي يعتقد أن كل قراءة هي فعل مقاومة لكل العوارض الممكنة: اقتصادية، أو مهنية، أو نفسية، أو عاطفية، أو مناخية، أو عائلية، أو منزلية، أو قطيعية، أو مرضية، أو أيديولوجية، أو ثقافية، أو نرجسية، ويرى أننا نقرأ لمقاومة الموت بطريقة ما

كما يؤكد الكاتب على دور المدرسة في زرع حب القراءة لدى التلاميذ، ويرى أن خاصية الكائنات الحية تكمن في قدرتها على جعلها تحب الحياة حتى لو اتخذ ذلك شكل معادلة من الدرجة الثانية، لكن الحيوية لم تكن يوما جزءا من المناهج المدرسية.

ويعتقد الكاتب الفرنسي أن كل قراءة هي فعل مقاومة لكل العوارض الممكنة: اقتصادية، أو مهنية، أو نفسية، أو عاطفية، أو مناخية، أو عائلية، أو منزلية، أو قطيعية، أو مرضية، أو أيديولوجية، أو ثقافية، أو نرجسية، ويرى أننا نقرأ لمقاومة الموت بطريقة ما، ويؤكد أن القراءة الذكية تنقذ الإنسان من كل شيء، حتى من نفسه.  

يشترط بناك بعض النقاط للتصالح مع القراءة: ألا نطلب شيئا بالمقابل، ألا نقيم أي سور معرفي مسبق حول الكتاب، ألا نطرح أي سؤال، ألا نعطي أي وظيفة، ألا نضيف ولو كلمة واحدة إلى كلمات الكتاب، لا أحكام قيمة، ولا شرح مفردات، ولا تحليل نص، ولا إشارات تتعلق بالسيرة الذاتية، أن نمنع أنفسنا من الكلام مطلقا عن الكتاب، ويؤكد أن الفضول لا يفرض بل يتم إيقاظه.

ويتحدث الكاتب عن حقوق القارئ الدائمة، وهي من وجهة نظره الحق في عدم القراءة، والحق في القفز على الصفحات، والحق في عدم إنهاء كتاب، والحق في إعادة القراءة، والحق في قراءة أي شيء، والحق في القراءة بصوت عال، والحق في أن نصمت.

وفي مقاربة شاعرية يلفت بناك إلى أن زمن القراءة كزمن العشق يزيد من طول زمن العيش، وأنه إن كان علينا أن نتعامل مع الحب من وجهة نظر برنامج عملنا اليومي.. من كان ليخاطر ويعشق؟ من يملك الوقت ليكون عاشقا؟ ومع ذلك، هل رأينا يوما محبا لا يجد الوقت ليعشق؟ ويجزم أن القراءة تخضع لتنظيم الوقت الاجتماعي، بل هي كالحب أسلوب حياة، ولا يكمن السؤال في معرفة إن كان لدى المرء وقت للقراءة أم لا، بل في معرفة إن كان سيمنح نفسه أم لا سعادة أن يكون قارئا. 

المصدر : الجزيرة