الفنان علي فرزات في رسم حي بمعرض في تظاهرة وطن يتفتح بالحرية في الدوحة (الجزيرة)
 
فجرت الثورة السورية كل أنواع الفنون، فلم يعد فنان ولا فن في مكانه. التشكيليون تحولوا إلى متابعة اليوميات والرسم عنها، والمسرحيون والموسيقيون والأدباء كان لكل منهم مساهماته أيضا. غير أن فن الكاريكاتير الذي يقوم على السخرية والنقد اللاذع  لم يبرز بالشكل الكافي وغاب معظم رموزه عن المشهد مع كل هذه المأساوية ومشهد الدم. 
 
يقول رسام الكاريكاتير جوان زيرو "الأسماء الكبيرة صمتت. أغلبهم لم يفعلوا شيئا، خوفا أو كسلا، الرسامون من جيل الشباب ساهموا أكثر". ويضيف "الثورة لم تأخذ حقها من الكاريكاتير. لو أردنا اليوم أن نقيم معرضا لثلاثة أسماء في فن الكاريكاتير لما استطعنا".
 
وهذا الرسام واحد من فنانين معارضين لنظام الرئيس بشار الأسد أجبرتهم الظروف على مغادرة سوريا، لا سيما بعد الحوادث المتكررة التي تعرض لها ممثلون وفنانون ورسامون معارضون.
 
جانب من معرض فرزات (الجزيرة)
أسماء شابة
وفي أغسطس/آب من العام الماضي، تعرض رسام الكاريكاتير المعروف علي فرزات لاعتداء تخلله تهشيم متعمد لأصابعه، على إثر مواقفه المناوئة للنظام، فاضطر بعد ذلك إلى مغادرة البلاد واستئناف نشاطه من الخارج.
 
وتتناقل صفحات المعارضة على موقع فيسبوك أعمال كاريكاتيرية لفنانين شباب من بينهم جوان زيرو، الذي لم يقتصر عمله على الكاريكاتير فقط، بل استخدم أيضا الصورة والتصميم وغيرهما وفق مقتضيات التعبير، مثلما فعل في صورة تجسد الطفلة فاطمة التي قطع رأسها في قصف للقوات النظامية على ريف حماة قبل أيام.
 
ويقول "وجدت صورة الطفلة مقطوعة الرأس مزعجة، حاولت أن أقدم رسما بديلا، لا يقلل من أهمية الصورة، ولا من أهمية ما يحدث". وإزاء ضيق مساحات النشر، يعتمد زيرو على صفحته الشخصية على فيسبوك، ولكن سرعان ما تأخذ رسومه طريقها بين الناشطين وعلى صفحات المعارضة.
 
ويقول "أحيانا هناك من يريدك أن ترسم تحت الطلب، مثلا يريد شيئا عن الجيش الحر أو غيره. لكنني لا أمدح أشخاصا أو جهات". ووفق هذا الرسام الشاب فإن الكاريكاتير لا يكفي أن يكون "فشة خلق" بل يجب عليه "التوجيه وتوضيح المشاكل".
 
وبينما تغرق سوريا يوما بعد يوم في واقع إنساني مأسوي، يبقى فن الكاريكاتير ضرورة للتعبير الهزلي عن المأساة. ويقول زيرو "حاولت أن أفعل ما فعله الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، الذي كان يشعرك بفداحة المشكلة، ويجعلك تبكي وتضحك في الوقت نفسه".
 
ويضيف "حاولت أن أقلب المأساة لشيء إيجابي، هناك رسوم فيها أمل وحب، محاولا عمل توازن. اليوم انتقلت إلى مرحلة فيها أمل، لتوضيح ما تعنيه سوريا الجديدة".

وعن المضايقات التي تواجه فن الكاريكاتير في سوريا، يقول "في الأحوال العادية هناك مشاكل، فما بالك أيام الثورة؟ الناس تعودوا منذ أربعين عاما على قائد واحد ولون واحد، وكذلك المعارضة لا تريد أن ترى عيوبها. البعض يعتبر الأشخاص مقدسين".

ويضيف "لكن لم أتعرض مباشرة لمشكلة، أنا لا أحاول التصادم مع أحد بشكل مباشر، ولكن في سوريا الجديدة الكل معرض للانتقاد".

إحدى لوحات فرزات (الجزيرة)

لافتات الثورة
غير أن هذا الفنان المولود عام 1976، اعتقل لأيام عدة بسبب مشاركته بمظاهرة في الأيام الأولى لاندلاع الاحتجاجات السورية، ويقول عن تجربة الاعتقال "كانت تجربة مهمة، حالة غريبة، مؤثرة ولكن لا أعرف كيف؟".

وإذا كان الكاريكاتير "التقليدي" مقصرا في مواكبة الأحداث بصورة عامة، فإن نوعا جديدا من الفنون ظهر بالمظاهرات الشعبية التي شهدتها سوريا على مدى الأشهر الماضية، ولا سيما في اللافتات المرفوعة.

ويقول الفنان التشكيلي بشار العيسى "لافتات الثورة قامت بدور أساسي وكبير مفقود للكاريكاتير، وبالتالي أرى أن لافتات بلدة كفرنبل (في ريف إدلب) أدت دورا لم تؤده الصحافة أيام الثورة الفرنسية ولا الحروب الكونية في نوعيتها وسخونتها، ودفعت كفرنبل وعامودا (الحكسة-شمال) وبنش (ريف إدلب) والحراك (درعا-الجنوب) وريف دمشق إلى إنتاج مدرسة عصرية سورية خالصة بالكاريكاتير".

وذاع  صيت كفرنبل على أنها أكثر البلدات ظرفا وذكاء في الشعارات المرفوعة في مظاهرات كل يوم جمعة، وقد خرجت صور من مظاهرات في الأيام الأخيرة بهذه البلدة رفع فيها المتظاهرون لافتات بيضاء فارغة وربطوا أفواههم في إشارة إلى أن الكلام انتهى ولم تنته مأساتهم.

ووفق الفنان العيسى فإن هذا الدور الذي أدته كفرنبل وأخواتها تجاوز كل إبداعات الفنانين التقليديين، بمن فيهم الفنان الكبير علي فرزات.

من جهتها تقول الرسامة والكاتبة كفاح ديب "الكاريكاتير ما كان ليحضر بهذا الشكل لولا الوضع في سوريا الملهم للهزل" وإلا فإنه ما زال مقتصرا على بعض الأسماء التقليدية.

المصدر : الفرنسية