عارف العبيد

عارف العبيد

متخصص بالسياسة الدولية في منطقتي البلقان والشرق الأوسط

العلاقات في عهد بوتين
عُقدة الملف السوري 

تؤثر المعطيات والمواصفات الجيوسياسية والعرقية والإثنية والدينية الخاصة بكل أمة -بشكلٍ كبيرٍ- على نوع التعاون المستقبلي مع الدول الإقليمية أو الدولية. فالصراع التاريخي بين الإمبراطورية الإسلامية العثمانية ونظيرتها الأرثوذوكسية الروسية أثر كثيرا في موقف العرب المسلمين تجاه روسيا، لكون الرابطة الدينية كانت آنذاك أكثر قوةً ومتانة من الرابطة القومية.

وبعد استقلال معظم الدول العربية ومحاولة شق طريقها في حلبة السياسة الدولية لخدمة مصالحها وقضاياها الوطنية؛ بدأت مرحلة جديدة من التعاون العربي السوفياتي، علماً بأن موسكو كانت من أوائل العواصم التي دعمت مشروعَ تقسيم فلسطين في إطار الأمم المتحدةعام 1947.

الصراع العالمي الذي نشأ مع الحرب الباردة أثّر بشدة على قرارات بعض الدول العربية في مسألة التقارب مع الاتحاد السوفياتي؛ فالدول الخليجية اختارت التقارب مع الولايات المتحدة، بينما لجأت سوريا ومصر إلى السوفيات بسبب الحظر الغربي المفروض على صادرات السلاح إلى الدول العربية


إن الصراع العالمي الذي نشأ مع الحرب الباردة أثّر بشدة على قرارات بعض الدول العربية في مسألة التقارب مع الاتحاد السوفياتي؛ فالدول الخليجية اختارت التقارب مع الولايات المتحدة، بينما لجأت سوريا ومصر إلى السوفيات بسبب الحظر الغربي المفروض على صادرات السلاح إلى الدول العربية المجاورة لإسرائيل، وكانت موسكو بحاجة لكسب أصدقاء أو حلفاء في المياه الدافئة.

يمكن القول بأنه منذ الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار حلف وارسو عام 1990 لم يستطع الطرفان العربي والروسي زرع الثقة المطلوبة بينهما لتعزيز التعاون الثنائي على أعلى المستويات، وذلك رغم توفر معطيات التقارب بينهما.

فالموقف السوفياتي عام 1967 كان له دورٌ سلبيٌ في نتيجة حرب يونيو/حزيران بين العرب والإسرائيليين، وقام السوفيات خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بتقنين وصول الأسلحة إلى الجبهات العربية مع إسرائيل بحججٍ غير مقنعة، كما تخلوا عام 1991 عن أقوى حليفٍ لهم في منطقة الشرق الأوسط، وهو العراق.

إن انهيار الاتحاد السوفياتي أدّى إلى هجرة مئات الألوف من اليهود الروس إلى فلسطين، الأمر الذي عزّز العاملَ الديمغرافي الإسرائيلي مقابل الخريطة الإثنوغرافية الفلسطينية. بناءً عليه، يمكن القول إن العلاقات العربية السوفياتية، والعربية الروسية لاحقاً، كانت مبنية على مصالح بحتة تختلف درجاتها حسب المصلحة القومية لكل طرف.

العلاقات في عهد بوتين
أدى استلام الرئيس فلاديمير بوتين للسلطة في موسكو عام 2000 إلى تغييرات هامة، لا على الساحة الروسية فحسب بل على الساحة الدولية أيضاً. فقد أصبحت روسيا دولة ذات اقتصاد قوي، وأحد أهم مصدري السلاح عالمياً.

كذلك بدأت موسكو محاولات استرداد دورها على رقعة الشطرنج العالمية وتعويض ما خسرته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. وكان الوطن العربي من بين تلك الدوائر الإقليمية الهامة للقيادة الروسية من أجل عقد اتفاقات اقتصادية وعسكرية وتقنية.

لم يكتف الرئيس بوتين بالأساليب السياسية والدبلوماسية لتحقيق هدفه السامي، بل استخدم كذلك الوسائل العسكرية عبر التدخل في جورجيا وأوكرانيا وجزيرة القرم وأخيراً سوريا، وذلك لزيادة وتعزيز نفوذ بلاده وقوتها خارج حدودها القومية. أما فيما يخص الثورات العربية وطموحات الأغلبية في التغيير؛ فكان الموقف الروسي يتراوح بين السلبية والرفض.

إن السياسة السلبية للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بتهميش دور الشركاء والحلفاء التاريخيين للغرب مثل السعودية وتركيا، ورفع مستوى الدور والنفوذ الإيراني على حساب الأمن القومي العربي في منطقة الشرق الأوسط؛ تلك السياسة أدّت إلى تغيير جذري في إستراتيجيات بعض الدول العربية والخليجية خاصة.

فأصبح الانفتاح على دولٍ جديدة مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي وغيرهما ضرورة حتمية لكسب أصدقاء وحلفاء بهدف المحافظة على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وأمن وسلامة المنطقة كذلك.

إن التغاضي الأميركي عن زيادة النفوذ الفارسي في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، وبعد توقيع الاتفاق بخصوص البرنامج النووي الإيراني بالتحديد، سبّب نوعا من التخبط والارتباك لدى أغلبية الدول العربية، وكرّس عامل انعدام الثقة في إدارة أوباما.

هذه التبدلات على الخريطة الجيوسياسية العربية والشرق أوسطية جعلت روسيا المرشحَ الأولَ في مسألة المحافظة على التوازن الإقليمي وحفظ الاستقرار في المنطقة. وفي المقابل؛ تعاني روسيا من أزمة اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الدولية وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية.

التبدلات على الخريطة الجيوسياسية العربية والشرق أوسطية جعلت روسيا المرشحَ الأولَ في مسألة المحافظة على التوازن الإقليمي وحفظ الاستقرار في المنطقة. وفي المقابل؛ تعاني روسيا من أزمة اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الدولية وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية


إن حاجة موسكو إلى كسب شركاء اقتصاديين، وطموحاتها في دخول الأسواق العربية وفي تعاون دول الخليج في مسألة رفع أسعار النفط لزيادة إيرادات الميزانية العامة؛ كلها عوامل ساعدت في تهيئة البيئة اللازمة لفتح باب الشراكة العربية الروسية.

كما دفعت الرغبة في ملء الفراغ الإستراتيجي -بعد تراجع الدور الأميركي في المنطقة الأغنى عالمياً- بعض الحكومات العربية إلى الانفتاح على موسكو، لمواجهة التهديدات الإقليمية المتمثلة في الإرهاب الصاعد والدور الإيراني المتزايد.

وتعزز التعاون الاقتصادي العربي الروسي في بداية الدخول الروسي إلى سوريا، فوقّعت السعودية اتفاقيات بمئات ملايين الدولارات لكسب الدعم الروسي في مواجهة التمدد الإيراني بالمنطقة العربية، ولوضع حدٍ للمأساة السورية بإزاحة رأس الهرم السلطوي في دمشق مقابل الحفاظ على مصالح روسيا في سوريا.

كما بدأت القيادة المصرية برئاسة الجنرال عبد الفتاح السيسي في الانفتاح على روسيا لعدة أسبابٍ، منها تأكيد شرعية نظامها الجديد وضمان حلفاء جدد بسبب التردد الأميركي. وقامت دولٌ عربية مثل الكويت والإمارات والبحرين والأردن بتوثيق العلاقات الثنائية مع دولة روسيا -ذات النفوذ والقوة والمركز في المجتمع الدولي- لخدمة مصالحها.

ورغم الانفتاح العربي على موسكو في مجالاتٍ عديدة ذات طابع اقتصادي ونووي وتعليمي؛ فإن العمود الفقري للشراكة العربية الروسية ظل يتمثل في الصفقات العسكرية التي تساعد الروس في النهوض باقتصادهم القومي.

عُقدة الملف السوري
خلّفت سياسة اللامبالاة التي انتهجها أوباما المزيد من الدمار والقتل والتهجير، وكذلك خوف موسكو من سقوط نظام بشار الأسد نتيجة انتصارات قوى المعارضة على الأرض، وهو ما دفع القيادة الروسية إلى إنهاء ترددها والانخراط عسكرياً في الملف السوري.

وذلك بحجة محاربة الإرهاب، ومنع الجماعات الشيشانية والقوقازية -التي تقاتل مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة وبعض المنظمات الإسلامية المسلحة من العودة إلى روسيا- والحفاظ على وحدة الأراضي السورية المهددة بالتقسيم.

هذا التدخل الروسي لم يغيّر ميزان القوى على الأرض فحسب، بل جعل روسيا الشريكَ الأول في تسوية الأزمة السورية. ولذلك منح الوجودُ العسكري الروسي في سوريا موسكو الفرصةَ التاريخية للوصول إلى المياه الدافئة، ومراقبة أهم مناطق العالم إستراتيجياً عن قرب، وكسر الحصار المفروض عليها من الغرب لتدخلها في أكرانيا وضم القرم.   

نظرت أنظمة عربية بارتياحٍ إلى التدخل العسكري الروسي في سوريا، طامعةً في أن تفرق روسيا بين معارضة معتدلة وأخرى غير معتدلة في الساحة السورية، وتستجيب لمطالب المعارضة السورية المشروعة، وآملةً إقناع الروس بأهمية إنشاء مناطق آمنة داخل سوريا للاجئين السوريين.

لكن حسابات دول عربية مثل السعودية وقطر أصبحت تختلف تجاه النوايا الروسية بشكلٍ عام. وإضافةً إلى ذلك، هناك شرائح كبيرة من المجتمعات العربية المتدينة أصبحت تنظر إلى التدخل الروسي بوصفه عدوانا تجب مواجهته، مذكرةً في نفس الوقت بتجربة السوفيات المريرة في أفغانستان.

يعتقد الروس أنهم يستطيعون حسم مصير سوريا -رغم بعدها الجغرافي عنهم- لصالحهم كما حدث في القرم وجمهورية الشيشان، دون تحقيق رغبات الأغلبية الساحقة من الشعب السوري في التغيير. ولهذا السبب أصبح التدخل الروسي يهدف لإطالة بقاء الأسد في السلطة والحفاظ على المصالح القومية الروسية باسم محاربة الإرهاب.

كذلك حاولت موسكو ابتزاز العرب والأوروبيين والأميركان بالملف السوري لزيادة نفوذها عالمياً، وحاولت تبرير تدخلها العسكري على أنه حربٌ مقدسة لكسب دعم الكنائس المسيحية الشرقية، رغم اعتراض الكنيسة الأرثوذوكسية السورية. ولذلك استخدمت حق النقض ثماني مراتٍ لإسقاط مشاريع قرارات مجلس الأمن الدولي لإدانة ومعاقبة النظام السوري.

حاولت موسكو ابتزاز العرب والأوروبيين والأميركان بالملف السوري لزيادة نفوذها عالمياً، وحاولت تبرير تدخلها العسكري على أنه حربٌ مقدسة لكسب دعم الكنائس المسيحية الشرقية، رغم اعتراض الكنيسة الأرثوذوكسية السورية. ولذلك استخدمت حق النقض ثماني مراتٍ لإسقاط مشاريع قرارات مجلس الأمن الدولي لإدانة ومعاقبة النظام السوري


وفي المقابل، نأت موسكو بنفسها عن التدخل في الصراع السني/الشيعي، لأن ذلك ينعكس سلباً على جبهتها الداخلية، وقد يدفع مواطنيها من المسلمين السنة -الذين يشكلون حوالي 17% من سكانها- إلى معاداتها، مما يؤثر سلباً على المشروع الروسي.

 إن التبدل الجذري في الإدارة الأميركية وقيام الرئيس دونالد ترمب بتوجيه ضربة عسكرية لقوات النظام السوري، شكّل نقطة تحولٍ إستراتيجية لا في الملف السوري وحده بل في منطقة الشرق الأوسط عامة.

فهذه الضربة تشكل رسالة سياسية واضحة إلى جهات متعددة؛ أولاً، إلى النظام السوري لتقول له بأن ترمب لا يرسم خطوطاً حمراً على رمال متحركة، كما فعل الرئيس السابق أوباما. ثانياً، إلى إيران لتقليص تدخلاتها بالمنطقة ولجم نفوذها. والرسالة الثالثة موجهة إلى الدول العربية ذات العلاقات التقليدية مع الغرب، لتقول لها بأن أميركا لن تترك حلفاءها.

أخيرا كانت الضربة رسالةً واضحة للقيادة الروسية بانتهاء الاحتكار الروسي لسوريا. وهذا التغيير سيؤثر على مجريات العلاقات العربية الروسية، ويعطي موسكو الفرصة لإعادة صياغتها مجددا بعد عودة النفوذ الأميركي إلى ساحة الشرق الأوسط.

إن أميركا لا يمكن أن تكون شريكاً هامشيا بعد الضربة، ولا يمكن تجاهل دورها بعد اليوم كما تجاهلت روسيا أميركا في مفاوضات أستانا. ووضعت الضربة كذلك العمليةَ السياسية في سوريا على طريق الحسم، وهذا ما ترغب فيه الشعوب والحكومات العربية.

لقد خسرت روسيا الفرصة الذهبية لحلّ المسألة السورية بما يُرضي جميع الأطراف بإصرارها على الحل العسكري، وفشلت في كسب ثقة شعوب وحكومات المنطقة في فترة غياب الدور الأميركي. كانت روسيا تستطيع الرد على أميركا بصواريخ "أس 400" لكنها لم تفعل، بل صرّحت بأنها لن تصطدم معها من أجل سوريا.

اليوم دخل الأميركيون اللعبةَ من جديد، وأصبح الدواء الروسي للأزمة السورية غيرَ فعّال أو غير ناجع. إستراتيجياً، يعمل الأميركيون منذ عشرة أعوامٍ بصمتٍ بينما وقع بوتين في الفخ وكشف ما لديه من أسلحة متقدمة.

ففي سوريا وحدها كشف عن 162 سلاحاً جديداً جعلت الأراضيَ السوري حقلَ تجارب. لقد سبّب الموقف الروسي من الأزمة السورية صراعاً في مجلس الأمن أدى إلى إجماعٍ أوروبي وعربي لصالح السياسة الأميركية الجديدة في سوريا.

وأخيراً، فإن الدول العربية ترى أن الموقف الروسي من الأزمة السورية قد وضع العلاقات العربية الروسية على المحك بعد أن كانت قبل الأزمة السورية قيد الانفتاح والتطور في مجالات كثيرة.

أما اليوم فهناك حالة ترقب وارتياب من الجانب العربي تجاه موسكو بسبب الاعتقاد السائد بأن ما يحرّك روسيا تجاه المنطقة العربية هو مصالحها وحساباتها الخاصة. وسيبقى عامل الأحداث والتطورات الدولية هو الأكثرَ تأثيراً على مستقبل العلاقات العربية الروسية، رغم عدم وصول مستوى هذه العلاقات الثنائية إلى مرحلة التعاون الإستراتيجي في أي مرحلة زمنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك