عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر


سياقات المحور الجديد
فعالية المحور الجديد
عوائق ومهددات

في العقد العربي الأخير، برز محوران سياسيان متناهضان: أحدهما كان يسمى "محور الاعتدال"، والآخر عُرف "بمحور الممانعة".

وفي سياقات معينة، أدركنا بواعث تخلق هذين المحورين على نحو ما رأيناه، وما نتج عنهما من حالات التوجس والاستقطاب والتنافر، مع غياب شبه تام لتأثير الشعوب على مسار المحورين وتفاعلاتهما، وانعكاسات ذلك على المشهد الاقتصادي والتنموي والمجتمعي.

والنظرة التحليلية التاريخية -ولو كانت خاطفة- تسعفنا بالقول إن هذين المحورين جهدا للتعارك ضد بعضهما البعض، إلى أن دق الربيع العربي الأبواب، وأرغم البعض على الولوج من النوافذ، وصحبت ذلك تبدلات عديدة في المشهد جراء عوامل عديدة، ومنها الملفان السوري واليمني، وما نجم عنهما من تدخلات إيرانية سافرة، وظهور الجماعات الدينية المتطرفة في الرواقين السني والشيعي، وتغير بعض الحكومات والأنظمة سواء في شخوصها أو مواقفها.

جذب محور الاعتدال والكرامة تأييدا كبيرا متناميا من أقطار عربية وحركات نضالية، وتفهما وتفاعلا جيدين من قبل أقطار عربية أخرى، والتفافا شعبيا كبيرا في أكثر الأقطار العربية، لا سيما بعد نجاح "عاصفة الحزم" في تدوين الصفحة الأولى من دستور الاعتدال والكرامة

ثم لاحقا التدخل الروسي الخطير في العمق العربي، وتشكيله تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي والتركي، الأمر الذي رفع منسوب الخطر على بعض الأقطار العربية وتركيا في الوقت ذاته، مما جعل المزاج السياسي في تلك الدول يتغير أو يتطور، ليفرز تقاربا تركيا عربيا غير مسبوق، لاعتبارات كثيرة ومبررة.

سياقات المحور الجديد
في تلك الفضاءات الملتهبة برز محور جديد، يمكننا تسميته "محور الاعتدال والكرامة"، والتاريخ كعادته يعصر الأيام والأحداث لينتج لنا مزيجا من توجهات ومواقف تتجاوز ألعوبة اللامنطق التي يسعى البعض لتمريرها، إذ لا تعارض البتة بين كونك معتدلا وقويا، مما يكشف لنا قدر "الاهتراء الداخلي" في جوهر المحورين السابقين، فهو يرغمك على التنازل عن إحدى عينيك، فإما أن تكون معتدلا أو ممانعا! هذا هراء مزقه المحور الجديد.

تجاوز هذا المحور الأطر القومية (العربية)، ليلامس البعد الديني الثقافي الحضاري المشترك بين دول المنطقة وشعوبها، حيث تشكل المحور من مثلث عربي إسلامي، توج بتوافق كبير بين كل من: السعودية وتركيا وقطر، وتجدر الملاحظة أن "محور الممانعة" كان منعتقا من الأطر القومية أيضا، إذ كانت إيران قطبا في هذا المحور، وفي هذا دلالة سنشير إليها لاحقا.

جذب محور الاعتدال والكرامة تأييدا كبيرا متناميا من أقطار عربية وحركات نضالية (كالسودان وحركة حماس)، وتفهما وتفاعلا جيدين من قبل أقطار عربية أخرى، والتفافا شعبيا كبيرا في أكثر الأقطار العربية، لا سيما بعد نجاح "عاصفة الحزم" في تدوين الصفحة الأولى من دستور الاعتدال والكرامة، وإحداث توافق أوثق في الملف السوري بين أقطاب المحور الجديد، من جهة محاربة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) والمنظمات الإرهابية بما فيها نظام الأسد ومليشياته وأعوانه الطائفيين، ومن جهة الاصطفاف مع خيار الشعب السوري والقوى المعتدلة؛ رافضين التسوية المهينة بالإبقاء على هذا النظام الإرهابي.

أفلح المحور الجديد في رفع وتيرة التحاشد والتكامل في المجالين السياسي والميداني، لدرجة أوجدت فارقا في الأداء والتأثير لهذا المحور في ملفات عديدة، وهذا يبرهن على أن نضجا سياسيا هو الذي يحرك تروس المحور ويعمق تلاحمه في وجه المخاطر التي يبرزها التكتل الإيراني الروسي السوري، بجانب المليشيات الشيعية المتطرفة كحزب الله وغيرها. وما دامنا نتوقع استمرار استفحال هذه المخاطر، فإن المنطق يقول لنا إنه من المتوقع تجذر التقارب والتعاون والتكامل بين أقطاب الاعتدال والكرامة والأعضاء الجدد والمؤيدين.

فعالية المحور الجديد
محور الاعتدال والكرامة يمثل "تكتلا سياسيا جماعيا" بين دول عربية وإسلامية لتحقيق أهداف ومصالح إستراتيجية عليا من شأنها ضمان الأمن لدوله، والمحافظة على السيادة والوحدة والاستقلال، والإسهام في تحقيق الأهداف التنموية.

من موقومات تحقيق التوازن بين الاعتدال والكرامة، أن دول المحور تؤمن بالاعتدال الديني وتحارب الجماعات المتطرفة، وتقر بالتعددية الفكرية والمجتمعية، وفي الوقت ذاته تؤمن بالكرامة بأن تعيش دولا قوية تملك سيادة حقيقية على أرضها وفي قراراتها وتصرفاتها، دون أن تؤذي أو يؤذيها أحد

وقد سبق القول إن أقطاب هذا المحور: تركيا والسعودية وقطر، بجانب أقطار أخرى وكيانات شعبية ونضالية. ومن الواضح أن الأقطاب تمتلك مقومات تكتل مثالي سياسيا واقتصاديا وعلميا، ولكي يحقق هذا المحور أهدافه التكتلية التكاملية المتوخاة وإطالة دورة حياته، فإنه يتوجب الوفاء بالمقومات الآتية:

1- تعزيز الثقة بين أقطابه الرئيسيين وبقية الأقطار والكيانات المشاركة والمؤيدة، عبر أطر تعاقدية ملائمة، تنبثق من الأهداف الإستراتيجية والمصالح العليا المشتركة، على أن تطور تلك الأطر لتكون "تعاقدية إلزامية" في المجالات المستهدفة، مع ضرورة مراعاة الأولويات في تحديد تلك المجالات.

ومن الواضح أن تلك الأطر يجب أن تعالج حالات الحرب والدفاع وردع العدوان، بجانب معالجتها القضايا السياسية والاقتصادية والتنموية، مع تبني النهج المرحلي، وتفعيل علاقات التعاون والشراكة مع الدول الصديقة ضمن الاتفاقيات الدولية العامة والاتفاقيات الدولية الخاصة، في قالب لا يستثير عداوة أو تخوفا من قبل القوى الإقليمية أو الدولية، فدول المحور لا تستهدف أحدا، بقدر دفاعها عن نفسها ومصالحها وشعوبها ووحدتها وسيادتها.

2- عدم تجاهل الأطر التعاقدية في المحور الجديد للأبعاد الثقافية، خاصة أن قوى عربية وإقليمية باتت تطرح مضمونا أيديولوجيا صرفا، ولا يعني هذا الانغماس أو الانجرار وراء الأطر المؤدلجة، وإنما ضمان عدم تغول الأيديولوجيات الطائفية وتجاوزها حدودها، فما ننشده هو التحشيد الذكي للمحافظة على خارطة الجغرافيا والأفكار لدول المحور، مع الإيمان بالتنوع الثقافي.

3- بناء أجهزة وآليات فعالة لإدارة الملفات والمسائل محل الاهتمام والاتفاق، إذ لم يعد كافيا إدارة ذلك عبر تنسيقات عامة تمر من خلال أروقة وزارات الخارجية وبقية الوزارات ذات الصلة، فالأمور أضحت معقدة وتتطلب معالجات فنية متخصصة، مع ارتفاع الحاجة إلى تحليل أكبر قدر ممكن من البيانات والمعلومات وإعداد التقارير التحليلية والتشخيصية والاستشرافية، باستخدام منهجية علمية دقيقة.

وكل ما سبق يدعو لبناء تلك الأجهزة والآليات مع الإفادة من الممارسات المثلى في هذا المجال، مع تعزيز جهود التطوير والإصلاح والتنمية في دول المحور، والعمل على الإفادة من التجارب المميزة للدول الأعضاء، وتقديم العون الاستشاري والفني لتحقيق قفزة نوعية، مع تنمية هوامش المشاركة الشعبية في القرار والتنمية ومحاربة جادة للفساد، وكل ذلك يعود بالقوة الداخلية والمناعة الذاتية لدول المحور.

4- تحقيق التوازن بين الاعتدال والكرامة، فدول المحور تؤمن بالاعتدال الديني وتحارب الجماعات المتطرفة بكل فئاتها ومسمياتها وتقر بالتعددية الفكرية والمجتمعية، وفي الوقت ذاته تؤمن بالكرامة بأن تعيش دولا قوية تملك سيادة حقيقية على أرضها وفي قراراتها وتصرفاتها، دون أن تؤذي أحدا أو يؤذيها أحد.

عوائق ومهددات
من الواجب علينا أن نجلي النظر في العوائق أو المهددات التي ربما تضعف تأثير المحور الجديد أو تهدد استمراره، ومن أهم تلك العوائق والمهددات:

1- معاودة الاختلاف حول التعامل مع الإسلام السياسي، فلم يعد سرا أن تركيا وقطر يتقاربان كثيرا مع حركات الإسلام السياسي السني المتمثل في "الإخوان المسلمين"، في حين تبدي السعودية تحفظا على حركات الإسلام السياسي، خاصة الإخوان.

بيد أن تغيرات ضخمة -أشرنا إلى أهمها في جزء سابق- أحدثت تفهما جيدا حول سبل التعامل الملائم أو الممكن مع تلك الحركات، بطريقة تحقق أهداف تلك الدول ولا تضعف في الوقت نفسه "المكوّن السني" مقابل المكونات غير السنية التي باتت تشكل تهديدا.
المواقف المناهضة للمحور الجديد لا يمكننا إطلاقا تفهمها ولا قبولها، إذ تعمل بعض الأقطار العربية على إفشال جهود الاعتدال والكرامة،  بغية النيل من أقطاب الاعتدال والكرامة وخلق أزمات جديدة أو جعل الأزمات القائمة تتفاقم، أو الحيلولة دون معالجتها والانتهاء من ويلاتها

2- التباطؤ في استعادة مصر للفضاء العربي الإسلامي. بعد تنامي المخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي والتركي، وتشكل محور الاعتدال والكرامة جراء ذلك، نأت "مصر السيسي" عن هذا المحور، بل جعلت تُراكم التوجهات والتصرفات والقرارات والأحداث المناوئة للمصالح العربية العليا، وعلى رأسها ضمان سلامة الأراضي العربية والمحافظة على سيادة الأقطار العربية على كامل أراضيها، وعدم دفع الأمور باتجاه التشظي والتقسيم، فقد أظهرت "مصر السيسي" تقاربا مع نظام الأسد وإيران وروسيا، فضلا عن "تعامل خاص" مع الكيان الصهيوني؛ في معاندة جلية لتلك المصالح العربية العليا. بكل صراحة، أقول إن محور الاعتدال والكرامة مطالب باستعادة مصر إلى مصر، وإيقاف عملية اختطافها من قبل قوى وكيانات داخل مصر وخارجها.

3- التعويل على من لا يستحق التعويل عليه من العرب. هناك أقطار عربية ربما ترى اتباع سياسة النأي بالنفس عن سياقات المواجهة المباشرة لعوامل أو أخرى، ومن ثم عدم الاصطفاف المباشر ضمن "محور الاعتدال والكرامة". ومع أن الموقف يتطلب ويستلزم اصطفافا وانحيازا للحق والحقوق، فإنه يمكننا تفهم مواقف بعض تلك الأقطار.

ولكن المواقف المناهضة للمحور الجديد لا يمكننا إطلاقا تفهمها ولا قبولها، إذ تعمل بعض الأقطار العربية على إفشال جهود الاعتدال والكرامة، حيث تحشد المليارات الضخمة لتحريك "مرتزقة السنان والبنان"، بغية النيل من أقطاب الاعتدال والكرامة وخلق أزمات جديدة أو جعل الأزمات القائمة تتفاقم، أو الحيلولة دون معالجتها والانتهاء من ويلاتها. بتنا نعرف تماما هذه الأقطار العربية، ولم تعد تصرفاتها تخفى على أحد.

وتبرهن الأيام المولودة داخل رحم الأخطار أنه ليس من صالح المحور الجديد التعويل على هذه الأقطار المناهضة بل المعادية لنا في بعض الملفات والمسارات، وبشكل لم يعد يقبل التأويل أو التغافل. إن تعاملا جديدا يجب أن يبلور، مع إيماني بأن "حزم اليوم" مع هذه الأقطار المناهضة سيكلف أقل من "حزم الغد" معها. وثمة مسارات عديدة يمكننا السير بها في هذا الاتجاه، خاصة أن هذه الأقطار تعاني من تدني مستويات الرضا الشعبي والتلاحم الوطني، وبعضها مهدد بتفكك -أراه وشيكا- إن استمرت في معاندة الحقائق والسنن.

وباختصار أقول إن محور الاعتدال والكرامة أملته الأيام الصعبة التي نمر بها، فهي التي قضت بتشكله، ولعل الأيام الحلوة المرتقبة لدولنا وشعوبنا تملي علينا مزيدا من النضال من أجل تعزيزه واستدامته لحفظ حقنا وحقوقنا وكرامتنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك