نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


أزمة المواطنين
النظام والتذمر
أزمة النظام

قطْع الزعماء السياسيين زياراتهم للخارج بسبب طوارئ أو كوارث تقع لبلادهم أمر معتاد، ووفقا لهذا قطع ممثل مصر في قمة الاتحاد الأفريقي عبد الفتاح السيسي زيارته لأديس أبابا في يناير/كانون الأول الماضي بعد تفجيرات سيناء التي راح ضحيتها عشرات الجنود، وقبلها بأيام كان قد قطع زيارته لسويسرا للمشاركة في تشييع الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وإن لم يشارك في هذا التشييع!

ولكن هذا المنطق تغيّر اليوم مع قائد الانقلاب نفسه تغيرا جذريا وبصورة لا تبدو منطقية، فقد سافر السيسي إلى عاصمة الضباب الجميلة لندن وترك المصريين يعانون كارثة أكبر من هذا الحدث وذاك بكثير، وهي كارثة الوحل الذي نتج عن موسم الأمطار المفاجئ خلال الأسابيع الأخيرة.

فهل كانت الكارثة الجديدة أقل من أن تستحق اهتمامه، أو أن "القائد" السيسي لو كان في الخارج حين بدأت معالم الكارثة تتضح لعاد لتوه إلى أرض الوطن يتفقد رعيته؟!

حسِب كثير من المصريين أنهم مقبلون مع الحكم الجديد على طفرة اقتصادية نوعية محمولة على مجموعة من المشروعات العملاقة، وبقدر ما كانت الآمال المعلقة بهذه المشروعات عريضة، كانت خيبة الأمل المتصاعدة خلال العامين الأخيرين كبيرة

الإجابة باختصار هي أن المواطنين في مصر يعيشون أزمة بل أزمات طاحنة، والنظام يعيش أزمة خطيرة كذلك، إلا أن الأخير فضل أن يحل أزمته هو على النظر في أزمات مواطنيه، ومن هنا فإن ترك المصريين يعانون وحدهم أزمة الأمطار الغزيرة -أو بمساعدة حكومية خجولة- مشهد منطقي تماما بالنظر إلى القواعد التي تسير عليها الأمور في مصر منذ 3 يوليو/تموز 2013، وهي الحفاظ على النظام السياسي القائم بأي ثمن.

أزمة المواطنين
حسِب كثير من المصريين عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي أنهم مقبلون مع الحكم الجديد على طفرة اقتصادية نوعية محمولة على مجموعة من المشروعات العملاقة، مما سيحقق لهم نوعا من الرخاء الاقتصادي -ولو بصورة نسبية- يمكن معه تحمل تغييب الديمقراطية التي ليست خبزا نأكله، ولا مالا ندخره!

وبقدر ما كانت الآمال المعلقة بهذه المشروعات عريضة، كانت خيبة الأمل المتصاعدة مع التطورات التي شهدتها مصر خلال العامين الأخيرين كبيرة. لقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية من القوت والوقود أكثر من مرة، وتفاقمت مشكلات المرور والنظافة والمؤسسات الخدمية، وعادت شرطة المواصلات والأقسام الأمنية إلى عهدها الأول حين كانت لا تُسأل عما تفعل في المواطنين، وبلا تفرقة بين مؤيد ومعارض.

ووسط هذه الأجواء المحبطة -ورغم مقاومة النظام لاستشراء هذا الشعور في صفوف الناس بما يستطيع من وسائل- جاءت كارثة الأمطار لتحط على رؤوس المصريين في أنحاء مختلفة من الجمهورية، مما جعل تأثيرها -وسط عجز المسؤولين والأجهزة المعنية- مضاعفا.

والكارثة ضخمة بكل معنى الضخامة، ولم ينتبه كثير من الناس إلى حجمها حتى الآن رغم ما تنشره الصحافة المصرية الرسمية نفسها على استحياء، وما يتسرب عن طريق المواطنين الذين يعيشون هذه الأزمات من أخبار وصور.

فقد تحدثت "الأهرام" عن "كارثة حقيقية تتعرض لها منطقة وادي النطرون بمحافظة البحيرة جراء الأمطار والسيول الجارفة التي لا تهدأ، حيث تتجاوز الخسائر في القطاع الزراعي ثلاثة مليارات جنيه على الأقل (نحو 374 مليون دولار) ما بين مزارع دواجن اقتلعت من فوق الأرض ويتعرض عمالها لحصار شرس من المياه، ونحو 100 ألف فدان بطاطس تعرضت للتجريف الكامل وكلها معدة للتصدير، بخلاف أراضي الموالح والخضر والصوب التي تعرضت للتدمير الشامل.

إشكالية التذمر من النظام وسط الجماهير لم تتوقف، وهي مرشحة للتصاعد، خاصة أن موسم الأمطار مرشح للاستمرار، وعواقبه الاقتصادية والصحية ما ظهرت كلها إلى الآن، فالطرق الداخلية المعطلة والموانئ البحرية المتوقفة والخسائر الزراعية الكبيرة، ستمثل رقما كارثيا للاقتصاد المصري

والإسكندرية الشهيرة بلقب "عروس البحر المتوسط" والعاصمة الثانية لمصر، نقلت الصور ومشاهد الفيديو الكثيرة التي بثها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي جانبا من الكارثة التي تعيشها، حيث غزت الأمطار البيوت والمحلات التجارية، وتحولت الشوارع إلى برك ضخمة من المياه، مما عطل التنقل والحركة في كثير من أنحاء المدينة، وأتلف ما يصعب حصره من التجارات والسلع، وفوق ذلك لقي بعض المواطنين مصرعهم صعقا بالكهرباء وغرقا في الماء.

وفي محافظات أخرى -بينها القاهرة والبحر الأحمر وجنوب سيناء والمنيا والشرقية ومطروح والغربية- قطعت الأمطار الطرق الرئيسية والسريعة (مثل: طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي، وطريق مطروح-الإسكندرية الدولي، وطريق العين السخنة-الزعفرانة بالبحر الأحمر، وفيران-سانت كاترين بجنوب سيناء)، وأربكت الأمطار حركة المرور في داخل المدن، وأعاقت الحركة البينية بين أحيائها، وغرقت قرى بأكملها، وسقطت بعض المنازل القديمة، وتلفت زراعات يصعب حصرها، ويجد المشاة عند الخروج لقضاء مصالحهم وشراء ضرورياتهم صعوبات كثيرة في الحركة بسبب تجمعات المياه والأوحال المنتشرة.

وزاد المواطنين شعورا بالأزمة هذه المرة، عدمُ مبالاة الحكومة بهم، أو توانيها عن نجدتهم في بعض الأحيان، وعجزها عن حل المشكلة المستحكمة، أو حلها بطرق تفاقم الأزمة في أحيان أخرى، مع عدم قدرة الإعلام على قلب الحقيقة بصورة يمكن أن تحقق شيئا من القناعة لدى المواطن الذي يعيش في بحر من المعاناة لا يسمح له بأن تنفرج أساريره عن أي ابتسامة يصطنعها الإعلام.

النظام والتذمر
من جهته راهن النظام المصري على كسب تأييد قاعدة شعبية عريضة له ولسياساته المعلنة بكل الوسائل التي استطاعها. ومن مراجعة سلوك النظام خلال الفترة الماضية من عمره، نجد أنه يملك حساسية عالية تجاه التذمر الشعبي أو التأثير على قاعدته الشعبية.

وقد علم مما سبق من التاريخ القريب، وعاش بنفسه هذا التذمر حين تصاعد وأطاح بنظام سلفه حسني مبارك وسط عوامل معروفة، وأيدت هذا التوجهَ للنظام الانتماءاتُ المخابراتية لقائد الانقلاب وكبار صناع السياسة المصرية من حوله، فهو يعلم علم يقين أن الأرقام التي تأتيه من هذه الناحية خطيرة جدا، وليست بالأرقام الخالية من الدلالة.

وقد لوحظ على سلوك النظام في هذا الاتجاه كذلك أنه يواجه أي معارضة في الداخل بكل قوة وحسم، وإن جاءت من مؤيديه وشركائه في مشروعه السياسي (انظر البرادعي نموذجا مبكرا لهذا). كما كانت مواقفه المتشنجة تجاه أي إعلام معارض أو مخالف في الداخل أو الخارج، حاسمة ودليلا على مراهنته على محاربة الوعي لدى الجماهير التي صدقته -تحت وقع بنادق الكتيبة الإعلامية الخاصة به- في كل ما قال، حتى انكشف الغطاء.

ولا ينفي هذا أن النظام قد يشتري رضا المتذمرين منه في بعض الحالات بالمال والمنح السخية، كما حدث أكثر من مرة مع أمناء الشرطة الذين يرون بأعينهم الامتيازات الهائلة التي يحصل عليها ضباط الشرطة وعائلاتهم دون أن ينالوا هم مثلها أو حتى ما يقاربها.

وهذا السلوك الحكومي في الحقيقة لا يختلف نوعيا عن البطش بالمتذمرين الآخرين، لأن تذمر الشرطة ليس إلا فعلا خطرا من اليد الباطشة التي تتولى عن النظام التعامل الخشن والدموي المباشر مع المواطنين. والتصادمُ الحكومي مع هذه اليد الباطشة الآن قد يقطعها بالفعل، لكنه سيضر بالنظام الذي لا يعتبر هؤلاء أكثر من قتلة مستأجَرين، خاصة مع فتح أبواب وظيفة أمناء الشرطة بأدنى حد من الشروط.

غير أن إشكالية التذمر من النظام في وسط الجماهير لم تتوقف، وهي مرشحة للتصاعد، خاصة أن موسم الأمطار مرشح للاستمرار، وعواقبه الاقتصادية والصحية ما ظهرت كلها إلى الآن، فالطرق الداخلية المعطلة والموانئ البحرية المتوقفة والخسائر الزراعية الكبيرة ستمثل رقما كارثيا للاقتصاد المصري خلال الأشهر القليلة القادمة بكل أسف.

أزمة النظام
بقليل من الدراسة الواعية للملابسات التي أحاطت بما جرى في مصر خلال الأعوام الأخيرة، والمقارنة العاقلة للمواقف والأخبار التي ترد عنها من جهات مختلفة، والقراءة المتأنية لتاريخ المنطقة العربية والتدخلات الأجنبية فيها خلال الأعوام المائة الأخيرة، يمكننا أن نقطع بأن الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المصري محمد مرسي ليس صناعة مصرية خالصة، وأن قادة الجيش كانت لديهم القابلية للقيام بهذه المهمة غير الديمقراطية، لكنهم ما كانوا ليملكوا القدرة على تسيير الأمور في مصر وحدهم.

مع حرص أصحاب القرار في القاهرة على الحيلولة دون اتساع مساحات التذمر الشعبي، فإن خياراتهم السياسية وإهمالهم لمصالح المواطنين وأزماتهم هي أكبر ما يتسبب في هذا الاتساع من يوم إلى آخر، ذلك أنهم يرون بعين واحدة، ويفكرون بنصف عقل!

هنا بدت الحاجة ماسة إلى ظهير خارجي داعم، لكن حُكم "الديار المصرية" حمل ثقيل، فليس من اليسير إدارتها لا بظهير خارجي ولا داخلي، ما لم تكن هناك استجابة مناسبة لشخصيتها الجغرافية والتاريخية، وما لم تكن هناك قدرة على إدارة اقتصادها الذي لا يمكن أن يعيش طويلا على المعونات مهما بلغت أحجامها.

وكما جاءت الأمطار الغزيرة لتفاقم من أزمة المواطنين المصريين، فقد جاء حادث الطائرة الروسية الذي أودى بحياة أكثر من مئتي راكب في الوقت نفسه ليفاقم أزمة النظام ويزيد من حاجته إلى الظهير الخارجي، فبعد أن ترجح أن الطائرة أسقطت بفعل عبوة ناسفة سُرِّبت إلى داخلها قبيل الإقلاع، وهو ما أنتجه تقصير الجهات الأمنية في مطار شرم الشيخ، وهو أيضا ما يُسأَل عنه النظام برمته، تعرض النظام المصري لمحاكمة دولية، بل بدأ ما يشبه العقوبات الدولية بسحب بعض الدول لسائحيها من مصر، ومطالبات بالتدخل في الإشراف على إجراءات الأمن بالمطارات المصرية.

وكل هذا لون من ألوان التضييق على النظام الذي يختنق مع الوقت بضرب السياحة وبقية مرافق الاقتصاد المصري الباقية على قيد الحياة. ومن هنا يمكننا أن نصنّف ترك رأس النظام مواطنيه يغوصون في الأوحال ومياه الأمطار وسفره إلى بريطانيا، على أنه استجداء للندن حتى تتدخل لضبط الأمور، مع منحة اقتصادية سخية يقدمها لها، وتتمثل في بعض الصفقات التجارية المعلنة، ومعها بعض الاتفاقات الأمنية غير المعلنة.

وجملة هذه التحليلات تكشف التناقض الذي تعيشه السياسة المصرية الحالية، فمع حرص أصحاب القرار في القاهرة على الحيلولة دون اتساع مساحات التذمر الشعبي، فإن خياراتهم السياسية وإهمالهم لمصالح المواطنين وأزماتهم هي أكبر ما يتسبب في هذا الاتساع من يوم إلى آخر، ذلك أنهم يرون بعين واحدة، ويفكرون بنصف عقل!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك