عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


البعث بين مسارين
البعث في سوريا
بعد الدستور الجديد

كيف يبدو مستقبل حزب البعث في سوريا؟ ما هي طبيعة العوامل المؤثرة في دوره ومكانته؟ وما هو المقصود بالتعددية السياسية، ومتى تتحقق؟

البعث بين مسارين
في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت سوريا حاضنة الفكر القومي العربي، وساحة رواده ومفكريه، وقد تعمق هذا الوضع، وأخذ مسارات أكثر تنظيما في العقد التالي، الذي شهد استقلال البلاد، وجلاء آخر جندي فرنسي عنها.

وبعد عام على الجلاء، وتحديدا في السابع من أبريل/نيسان 1947، شهدت سوريا الميلاد الرسمي لحزب البعث العربي، الذي تحوّل اسمه في العام 1952 إلى "حزب البعث العربي الاشتراكي"، بعد اندماجه مع الحزب الاشتراكي العربي.

لم يكن هذا الاندماج سوى اندماج شكلي فرضته ظروف الأمر الواقع، أو لنقل القمع الذي مارسه الديكتاتور أديب الشيشكلي، ولم يُغيّر شيئا جوهريا في فكر البعث وبنيته. ورغم أن الاسم استمر على حاله، فإن الحزبين افترقا عمليا بعد المؤتمر القومي الخامس عام 1962.

في السابع من أبريل/نيسان 1947، شهدت سوريا الميلاد الرسمي لحزب البعث العربي الذي تحوّل اسمه عام 1952 إلى "حزب البعث العربي الاشتراكي"، بعد اندماجه مع الحزب الاشتراكي العربي

إن الحضور السياسي الأهم للبعث في سوريا قد بدأ عمليا إبان آخر ولاية للرئيس شكري القوتلي، التي انتهت بقيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، وحل الحزب لنفسه تنظيميا في سوريا.

مرحلة الوحدة هذه، شكلت بيئة مواتية لحركة البعث إعلاميا وثقافيا رغم التحديات التي واجهت العمل الحزبي سياسيا وتنظيميا، بالنسبة لكافة الفرقاء في سوريا، بما في ذلك البعث ذاته.

وخارج سوريا، كان البعث، حتى ذلك التاريخ، قد نشط بصورة واضحة في الأردن، وبدرجة أقل في فلسطين والعراق، بيد أن ثقله الفكري والتنظيمي بقي بسوريا.

التطوّر الأهم في مسار البعث في عهد الوحدة، تمثل في تأسيس "اللجنة العسكرية" للحزب، من قبل الرئيس حافظ الأسد الذي كان حينها ضابطا مبتعثا في مصر.

وبعد انقلاب عبد الكريم الحناوي، في 28 سبتمبر/أيلول 1961، ونهاية دولة الوحدة، عاد إلى سوريا الضباط السوريون، ومنهم الأسد ذاته. وهنا بدأ تاريخ جديد في مسار اللجنة العسكرية، وحزب البعث، وتاليا سوريا والشرق الأوسط.

لم يطل الوقت كثيرا، حتى شكلت اللجنة العسكرية الرافعة الأمنية لثورة الثامن من مارس/آذار عام 1963.

وقد جاء وصول البعث للسلطة في سوريا بعد شهر فقط من وصوله للحكم في العراق، إلا أن الحيثيات كانت متباينة، فقد كانت مجموعة الثامن من فبراير/شباط العراقية ذات نزعة فئوية، تحركت منفردة، وانقلبت على حكم وطني، كان رغم تحالفاته السلبية قريبا من تطلعات العراقيين. وهذا على النقيض تماما مما كان سائدا في سوريا، حيث هيمن حكم انفصالي انعزالي شعوبي الهوى.

لم يدم حكم البعث الأول في العراق طويلا، فقد انتهى في نوفمبر/تشرين الثاني 1963، بعد شهر واحد من المؤتمر القومي السادس للحزب، وهو المؤتمر القومي الوحيد الذي اجتمعت فيه سلطتان عربيتان.

وعلى الرغم من الجموح الأيديولوجي الطبقي الذي سيطر على ذلك المؤتمر، فإنه كان أهم مؤتمرات البعث على صعيد التأصيل النظري لفكر الحزب ودوره في الدولة والمجتمع.

وتاليا، مثل هذا التطوّر تحديا فكريا غير منطوق به للقيادة التقليدية للحزب، لم يكتشفه الرأي العام إلا بعد حركة 23 فبراير/شباط 1966، التي أطاحت بتلك القيادة.

ومنذ ذلك التاريخ، دخل حزب البعث مرحلة جديدة، داخل القطر السوري وخارجه. ففي الخارج، تمكنت القيادة التقليدية من إعادة تكوين نفسها، بعد حركة 17 يوليو/تموز 1968، التي أعادت البعثيين العراقيين للسلطة. ومنذ ذلك الحين، بات يستخدم مصطلح البعث العراقي للإشارة لهذه القيادة، والمنظمات والقيادات القطرية التابعة لها.

وارتكازا إلى ثروات العراق النفطية الكبيرة، بدا هذا الجناح قادرا على الانتشار، وتشكيل الفروع على امتداد الوطن العربي، بيد أنه ظل محكوما بسياسات العراق وتوجهاته الداخلية والخارجية. وكان لتقلبات السياسة العراقية الدائمة وقع غير محمود على البعث وسمعته.

سادت سوريا بداية حكم البعث رؤيتان، قالت الأولى بأولوية التوّجه الداخلي، وقالت الثانية بضرورة منح الاهتمام للتعاون والتنسيق القومي في مواجهة الخطر الخارجي، الإسرائيلي منه على وجه الخصوص

البعث في سوريا
في سوريا حدثت قطيعة سياسية ونظرية كاملة مع القيادة التقليدية التي جرى وصفها باليمينية والمتخاذلة. وبعد بضع سنوات على هذه القطيعة، طُرحت مقاربات زكي الأرسوزي، لتمثل رافعة للتعبئة والتوجيه.

والأرسوزي عالم ومفكر قومي ولغوي، عاش في الفترة بين عامي 1900 - 1968، وأمضى حياته متنقلا بين المدن السورية، وقدم عددا من الكتب والأطروحات، أبرزها كتاب "العبقرية العربية في لسانها"، الذي ألفه عام 1943.

وعلى الصعيد السياسي، سادت سوريا رؤيتان، قالت الأولى بأولوية التوّجه الداخلي، وقالت الثانية بضرورة منح الاهتمام للتعاون والتنسيق القومي في مواجهة الخطر الخارجي، الإسرائيلي منه على وجه الخصوص.

وقد عبر عن الرؤية الأولى المكتب المدني للحزب، في حين تبنى الثانية المكتب العسكري.

وفي نهاية الستينيات، كانت سوريا تدار عمليا من قبل مؤسستين متباينتين في الرؤية، هما القوات المسلحة والمكتب المدني. وكان من نتيجة فشل المؤتمر القطري الاستثنائي، الذي عقد في مارس/آذار 1969، أن تكرس هذا الواقع، وبات أكثر وضوحا.

وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول 1970، عقد في دمشق المؤتمر القومي الاستثنائي العاشر، بهدف إيجاد حل لأزمة الحزب والدولة، بيد أن بعض قراراته غير الواقعية كان من شأنها زيادة التناقضات القائمة.

وفي السادس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1970، انتصر الخط الذي مثله الرئيس حافظ الأسد، والذي كان حينها وزيرا للدفاع، وقاد الحركة التصحيحية المعروفة.

عند هذه الانعطافة حدث تحولان رئيسيان في مسار البعث في سوريا:

التحوّل الأول تمثل في الحد من دور الحزب في حيثيات المؤسسة العسكرية، التي اتجهت نحو بناء سريع بدعم سوفياتي، وبدت بعيدة عن شبح الانقلابات التي لازمت سوريا منذ عهد حسني الزعيم.

وتجسد التحوّل الثاني في تبني الرؤية القائلة بأولوية التنسيق القومي، من أجل بناء قوة عربية قادرة على موازنة إسرائيل. وبعد سنوات ثلاث، كانت حرب تشرين وليدة هذه الرؤية.

لقد وضعت الخلافات الأيديولوجية جانبا، أو لنقل جرى تحييدها، واتجه السوريون للتنسيق مع مصر السادات، وجزائر هواري بومدين، ودول الخليج العربية والأردن.

وبعد حرب تشرين تغيّر المشهد العربي، إلا أن هذه الفلسفة لم تتغير، وظلت موجهة لبوصلة الدولة السورية.

وعلى صعيد الدور العام للقيادة القومية في دمشق، يُمكن ملاحظة أن اهتمامات هذه القيادة ظلت عمليا متركزة في منطقة الشام، وخاصة فلسطين ولبنان، إضافة إلى سوريا ذاتها، وما تم خارج هذا النطاق لم يكن سوى الاستثناء، وغالبا ما جرى من خلال منظمات وهيئات متواجدة في سوريا.

واعتبارا من مطلع الثمانينيات، انتقلت الكثير من أحزاب اليسار العربي من بغداد إلى دمشق، التي أصبحت أيضا حاضنة لشخصيات وأحزاب من اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة.

لم تكن علاقة السوريين بهذه القوى تمر بالضرورة عبر القيادة القومية، وغالبا ما حكمتها الروابط المباشرة على الأرض، بعيدا عن أي سياق برتوكولي.

على صعيد خيارات البعث في الداخل السوري ذاته، كان تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972 بمثابة التطوّر الأبرز في المقاربات السياسية السائدة منذ ثورة الثامن من مارس/آذار.

ومن المنظور الواقعي، ربما كان الأهم في هذا الحدث هو دخول الحزب الشيوعي السوري في الجبهة بقيادة مؤسسه خالد بكداش. ولم يقلل من هذا الأمر الانشقاق الذي حدث في الحزب الشيوعي، إذ لم يظهر للوجود جناحان متوازيان في الثقل والحضور الشعبي والسياسي.

متغيّران طرآ على الساحة السورية، وفرضا نفسيهما على مستقبل الحزب، أولهما سياسي اجتماعي، والآخر دستوري. يتمثل الأول في الحرب الجارية في البلاد، ويتجلى الثاني في ولادة دستور جديد

وهنا، أصبح الشيوعيون، إضافة للاشتراكيين العرب، قوة دعم للبعث ذاته. وذلك خلافا لتجربة السنوات السالفة التي حكمها الصراع المستتر تارة، والسافر تارة أخرى. والتي خسر فيها الجميع.

الخطوة التالية للبعث على الصعيد الداخلي، تمثلت في صدور دستور العام 1973، الذي عزز المسار الجديد للحزب، أو لنقل عزز رؤيته الجديدة.

البعد الآخر في رؤية ما بعد العام 1970، تمثل في تعزيز التحالف مع الاتحاد السوفياتي وبقية دول الكتلة الاشتراكية، وقد أعان هذا التحالف السوريين على مواجهة ندرة الموارد في الداخل، ومقاومة الضغوط المتأتية من الخارج.

ورغم غياب الجموح الأيديولوجي في مقاربات السبعينيات وما بعدها، فإن الالتصاق بالكتلة الاشتراكية، والارتكاز عليها في البناء الاقتصادي والأمني، جعل البعث في سوريا في نطاق فضائه الفكري.

وعلى خلاف تجربة الدولة النفطية في العراق، فإن التنمية الاقتصادية في سوريا كان عليها مواجهة قدر متزايد من التحديات، وخاصة على صعيد الموارد الطبيعية، وكان على العملية التنموية، في الوقت ذاته، تطوير قطاع تعليمي نشط، يكون رافعة لعملية التغيير المنشود.

وقد ظلت سوريا تواجه طموح رفع ناتجها القومي الإجمالي، وتمكنت من تحقيق خطوات هامة على طريق إعادة تشكيل قطاعها الزراعي، وزيادة فرصه التصديرية، كما تطوّرت الصناعات السورية في قطاعات مختلفة، وبرزت سوريا كمُصنع ومُصدر كبير للدواء في الوطن العربي.

ويُمكن للمحلل اليوم طرح الكثير من النماذج حول ما يُمكن وصفه بالإنجاز أو التحدي، إلا أن التنمية في نهاية المطاف هي إبداع شعب، وكل تطوّر فيها هو بالضرورة نتيجة طبيعية لتطوّر المجتمع ذاته. وسوريا هي صاحبة إحدى أكبر النخب العلمية في الشرق الأوسط، قياسا بعدد السكان. وهذا ناجم عن مجانية التعليم، واتساعه أفقيا ورأسيا.

بعد الدستور الجديد
على صعيد اتجاهات البيئة السياسية المحلية، ثمة سؤال جوهري يطرح نفسه على المراقبين، في الداخل والخارج، وهو: أي مستقبل لحزب البعث في سوريا؟

هناك متغيّران طرآ على الساحة السورية، وفرضا نفسيهما على مستقبل الحزب، أولهما سياسي اجتماعي، والآخر دستوري. يتمثل الأول في الحرب الجارية في البلاد، ويتجلى الثاني في ولادة دستور جديد.

لقد بات حزب البعث عرضة للمفاعيل الاجتماعية العميقة الأثر للحدث السوري الراهن، الذي هو بالضرورة جزء من مشهده السياسي والأمني. وهذه قضية لها ارتباطها المباشر بالبناء الحزبي بكافة مندرجاته، فضلا عن دلالاتها ذات الصلة بمستقبل الحياة الوطنية عامة.

من جهة أخرى، قاد المتغيّر الدستوري إلى تحوّل هيكلي في فضاء السياسة الوطنية السورية، ذلك لأن الانتقال من مبدأ الحزب القائد إلى التعددية السياسية، بمنطوقها العام، قد عنى بالضرورة إعادة تشكيل لقواعد اللعبة، كما للفرص والمحفزات المتاحة.

لقد نصت المادة الثامنة من الدستور الجديد، الذي صوت له السوريون في 26 فبراير/شباط 2012، على أن "يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية".

إن بروز أحزاب وطنية، تؤمن بالتعددية السياسية والثقافية، وذات حاضنة اجتماعية عريضة، هو التحدي الفعلي الذي على البعث أن يتعامل معه في القادم من السنين

ورغم ذلك، فإن التحوّل في مكانة حزب البعث العامة في الخارطة السياسية لا يحددها الدستور، بل مدى القدرة على التكيّف والتقدم في المنافسة، والمنافسة تتحدد فعليا في ضوء مكانة مجموع الفرقاء الوطنيين، والمزايا النسبية لكل فريق.

هذه باختصار قواعد التحرك في أي نظام تعددي. وسوريا لن تكون استثناء، والبعث لن يكون مستثنى.

إن بروز أحزاب وطنية، تؤمن بالتعددية السياسية والثقافية، وذات حاضنة اجتماعية عريضة، هو التحدي الفعلي الذي على البعث أن يتعامل معه في القادم من السنين. أما القوى ذات الفكر الغريب عن المجتمع فهي لا تمثل تحديا للبعث أو سواه، لأن الشعب السوري يرفضها بفطرته، وهي إن وجدت فلن تكون سوى ظاهرة عابرة في تاريخ الوطن.

إننا، كقوى وطنية، معنيون بالتأكيد الدائم على مبدأ التعددية كخيار اجتماعي وثقافي، فهذا هو سر قوة مجتمعنا، وسر بقاء هذا الوطن، وبعد ذلك، فإن التعددية السياسية، الفاعلة والصلبة، ليست خيارا دستوريا مجردا، بل هي بالضرورة نتيجة تراكمية لفعل سياسي وطني، خلاق ومستدام ونهضوي. وإن نحن بدأنا اليوم هذا المسار، فإن التعددية المنشودة يُمكن رؤيتها في أفق عقد أو عقدين من الزمن.

إن تطلعنا للتعددية السياسية يجب أن يترافق مع سعي جاد لبناء أحزاب وطنية الامتداد، بعيدة عن وحل الجهوية والطائفية، ومناهضة للفكر التكفيري الظلامي، الذي يقسم المجتمع ويهدد وحدته الوطنية. وهذا هو المبتدأ والمنطلق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك