محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي


هذا السؤال من المفروض أن يطرح نفسه على الأوساط التي سعت إلى تغيير رأس السلطة في مصر، سواء كانت هذه الأوساط مصرية أو عربية أو أجنبية.

وتختلف الإجابات تبعا لعوامل كثيرة، منها موقع المشارك ومسؤوليته ونصيبه في التمويل، ومنها أمانيه وفوائده المباشرة، ومنها أيضا إستراتيجياته، على أن هذا كله لا يلغي الحديث عن الواقع الفعلي على الأرض، ولا عن الواقع المنطقي الصوري على الورق، ولا عن الواقع الفعلي في الدراسات.

وحتى لا يمتد المقال إلى كتاب كامل، فإننا سنلخص رؤوس الموضوعات بطريقة تكفل التصوير الدقيق للأمور حتى لو كان مقياس الرسم كبيرا، وذلك حتى تحيط المساحة الصغيرة المتاحة بآفاق الحل والمشكلة على حد سواء.

أولا- ليس هناك شك في المفارقة الصعبة التي نشأت عن الانقلاب، وهي أن الوضع الأمني أصبح بعد سنة من وقوع الانقلاب أسوأ بكثير من أي وضع متصور، فما بالنا إذا كان عهد الرئيس مرسي -بكل ما يؤخذ عليه- قد شهد وضعا أمنيا مستقرا إلا من تحرشات الثورة المضادة به هو شخصيا وبجماعة الإخوان المسلمين وحزبها حزب الحرية والعدالة.

الوضع الأمني صار إلى الأسوأ، وهو مرشح لما هو أسوأ رغم كل الحديث عن نجاح خارطة الطريق أو عن استقرار الانقلاب، فالعادة في الانقلاب الناجح أن يسيطر بعد أيام معدودة لا أن يستمر في الفشل سنة كاملة

ومع ما تمكن به الرئيس الشرعي والإخوان والحرية والعدالة من ضبط للنفس، فإنهم في رأي الكثيرين ظلموا أنفسهم بهذا الضبط، ومع هذا فقد سارت الأمور الأمنية على الأرض سيرا حسنا لا يقل في مجموعه عن أفضل الأحوال الأمنية في أي دولة مستقرة.

لكن مصر الآن ومع سيطرة العسكر، ومع القبضة الحديدية وقانون التظاهر، ومع مراحل متتالية استخدم فيها قانون الطوارئ والأحكام العرفية وحظر التجول.. مع كل هذا التعسف، فإن الأمن يبدو قلقا مهما قيل على استحياء عن هدوء الأحوال.

فلا تزال الحوادث المفاجئة تفرض نفسها يوما بعد يوم دون توقع، وإذا سلمنا بما يقوله الانقلابيون من أن الإخوان هم السبب، فالأمر خطير، وإذا سلمنا بما يقوله الإخوان من أن الحكومة تصطنع إرهابا بسبب تجاوزاتها في قراراتها، أو بسبب اصطناعها إرهابا يسند ويبرر قرارتها، فالأمر أخطر.

وفي كل الأحوال فإن الوضع الأمني صار إلى الأسوأ، وهو مرشح لما هو أسوأ رغم كل الحديث عن نجاح خارطة الطريق أو عن استقرار الانقلاب، فالعادة في الانقلاب الناجح أن يسيطر بعد أيام معدودة لا أن يظل في فشل مستمر بعد مرور سنة كاملة.

ثانيا- يبدو المناخ الإعلامي ناطقا بشدة بأزمة خارطة الطريق، فالعادة في الاستقرار ألا تنصرف قنوات النظام الحاكم إلى عشر معشار هذا القدر من التحريض الدائب والمستمر والمكثف الذي وصل إلى درجة منفرة، وكأن هذه القنوات التلفزيونية المعادية للإخوان تعيد أشرطة تسجيل تقول ما قالته كل يوم، ولا يستقيم في عقل إنسان متوسط الذكاء القبول بأن تكون هناك جماعة تتمتع بكل هذه الصفات من الإجرام والغباء معا، ومن التطرف والانتهازية معا، ومن الجهل والاحتيال معا، ومن السرية والجهر معا، ومن صداقة إسرائيل وحماس معا، وعلاقة بأميركا وروسيا معا، ومن العمل مع السلفية والصوفية معا.

على هذا النحو من التناقض الشديد في الخطاب الإعلامي وبسببه، نالت جماعة الإخوان المسلمين دون جهد منها عددا لا يستهان به من صكوك البراءة من التهم التي كالها لها الانقلابيون على مدى عام، فإذا بالجماعة تأخذ فرصتها لتبرئة نفسها بألسنة وأيدي متهميها، وإذا بها تكسب أرضا جديدة، وإذا بها تستعيد ما كانت فقدته من جماهيرية في فترات التحريض، وإذا بالمواقع التي خسرتها بحكم التآمر تناديها لتعود. وليس أدل على هذا من نقابة الأطباء التي تبحث الآن عن التمكين للإخوان مرة ثانية حتى يتم حل مشكلات المهنة.

ثالثا- يبدو الوضع الاقتصادي مرشحا لمزيد من المفاجآت التي لم يصل إليها العلم الحديث وأصله النظري الكلاسيكي، وذلك في ظل غياب الرؤية السياسية والاقتصادية للتوجه الاقتصادي الانقلابي، وفي ظل ما تسرب إلى الإعلام -بقصد وبدون قصد- من آراء قاصرة عن أن تكون فكرا كفيلا بحل المشكلات اليومية، فضلا عن المشكلات المستمرة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن العجز في الموازنة يرتفع بلا مبرر، والديون لا تسدد لنادي باريس وغيره بلا مبرر أيضا، ومفاوضات صندوق النقد والبنك الدولي تتوقف بلا مبرر أيضا، مع أن أي سياسي مخادع يفهم أنه لا بد أن يواصل العمل في مثل هذه المحاور حتى ينفي الأزمة أو سوء الوضع.

لكن التنافس المحموم بين الشخصيات الانقلابية الصغيرة النفَس من أمثال رئيس الوزراء السابق ونائبه وغيرهما من أمثالهما، تدفع بالأمور إلى أن تكون الحقيقة الثابتة في أذهان الجماهير هي أن الاقتصاد المصري يعاني، مع أن هذا الاقتصاد لم يحصل طوال تاريخه على دعم مثل هذا الذي حصل عليه في عام الانقلاب وحده، وقد فاقت مساعدات دول الخليج للاقتصاد المصري في عام الانقلاب إجمالي مساعدات هذه الدول طيلة الفترة من عام 1967 وحتى العام 2013 منذ بدأت المساعدات الخليجية للرئيس عبد الناصر بعد هزيمة 1967 تعويضا عن إغلاق قناة السويس، وتكفلت بها السعودية والكويت وليبيا.

مساعدات دول الخليج لمصر في عام الانقلاب فاقت إجمالي مساعدات هذه الدول بين عامي 1967 و2013، ويعني ذلك أن مصر صارت عائمة على آبار من الدولار، إن لم تكن في وعاء الحكومة ففي جيوب الانقلابيين والمنتفعين

ومعنى هذا بوضوح أن مصر صارت عائمة على آبار من الدولارات، حتى إن لم تكن هذه الدولارات في وعاء الحكومة وتسربت منه إلى حسابات الانقلابيين والمنتفعين بمن فيهم البلطجية. ويكفي للدلالة على مدى الانحراف في توظيف هذه المساعدات أن الحكومة تشتري الغاز بـ15 دولارا وتبيعه بالتقسيط لكبار الرأسماليين من مؤيدي الانقلاب بـ5.5 دولارات!! ومعنى هذا أن أثرياء مصر يتمتعون بثراء الخليج نقدا وفورا وسحتا ولا يتنازلون ويتركون للشعب بكل فئاته ولو بعض الفتات.

رابعا- تبدو العلاقات الخارجية لمصر في صورة التأرجح غير المشجع على التعامل مع مصر في المستقبل، ولننظر مثلا إلى موقف مصر من روسيا في طلب معونتها ثم في طلب زيارتها ثم في اتفاقية التسليح، ثم في أزمة أوكرانيا. كلها مواقف أقل من أن توصف حتى بالبرغماتية، لكن المؤسف أن هذه المواقف لا تجد تحديدها في المسارات الدبلوماسية وإنما تبدأ وتنتهي في أجهزة الإعلام المصرية، دون أن يعرف عنها الروس الرسميون أو الإعلاميون شيئا!
وهكذا صار الأمر في علاقات مصر الخارجية مع نيجيريا والسودان وإثيوبيا وليبيا وجنوب السودان وميانمار والهند وبنغلاديش، وكل الدول التي شهدت توترا في الآونة الأخيرة، حيث تشكو هذه الدول من التناول الإعلامي المصري دون أن تجد شخصا مسؤولا عن هذا التناول، بل كثيرا ما تصادف وجود شخصيات الدبلوماسية المصرية وهي تشكو أيضا من هذا التداول الخطر لأمور دقيقة في السياسة الخارجية لأي دولة، ناهيك عن التناقض اليومي الحاد في موقف الإعلام المصري من أميركا وسياستها ومؤسساتها ورموزها وشخصياتها.. وهو تناول عجيب وغريب وطريف ومتجدد ومتأرجح لا يمكن وصفه إلا بأنه أداء حداثي ينتمي -بالطبع وبالطبل- إلى تلاميذ مدرسة المشاغبين أو المجانين، ولا ينتمي أبدا إلى مدرسة الدبلوماسية المصرية أو غير المصرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك