محجوب الزويري

محجوب الزويري

أكاديمي وكاتب أردني


في جزئيات العلاقة
خسارة تركيا بعد إيران

حين تسيطر ضوضاء الحدث، كثيرا ما تختلط عناصر الصورة ويبدو صعبا الحصول على فهم عميق للأحداث والمواقف. هذه هي طبيعة الأشياء في كل مجتمع وعبر كل الأزمنة، لكن الحالة تبدو أكثر تعقيدا في حالة المجتمعات المحبطة بل ربما المهزومة. هذه المجتمعات تبحث عن منقذ, عن إمام مهدي بشكل سياسي. تلك هي حالة المواقف المتعلقة بفلسطين وقضيتها منذ أن تأسس الكيان الإسرائيلي.

لقد ركز الكيان المحتل منذ تأسيسه على عقيدة مفادها أنه لا يمكن رهن بقاء قوة إسرائيل على القوة العسكرية الذاتية أو على الدعم الأجنبي الذي يأتي من قارات بعيدة، بل من الضروري أن يكوّن الأصدقاء من أهل المنطقة كذلك. الشراكة والصداقة مع دول شرق أوسطية بالنسبة لإسرائيل حاجة سياسية وعسكرية واقتصادية وسكانية. ففي ظل محيط عربي رافض لإسرائيل -قديما كانت الحكومات والشعوب والآن الشعوب- فإنها تستشعر الحاجة إلى سند لا يشعرها بالغربة السياسية في الجغرافيا.

تلك كانت الخلفية التي جعلت إسرائيل صديقا للنظام الملكي في إيران الذي لم يتردد في الاعتراف بإسرائيل بعد أقل من عامين على تأسيسها، وذاتها الخلفية التي جعلت تركيا أتاتورك تعترف وتقيم علاقات مع إسرائيل وصلت حد الشراكة الإستراتيجية.

في جزئيات العلاقة

"
قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 وما تبعها من تأسيس الجمهورية الإسلامية أصاب إسرائيل في مقتل على المدى البعيد، لا سيما وأن النظام السياسي الجديد أعلن وبوضح عدم شرعية الدولة العبرية واحتلالها لفلسطين
"
إن رغبة الدولة العبرية في تقوية علاقاتها مع بلدين شرق أوسطيين وغير عربيين قابلته رؤية من قبل الدولتين، هذه الرؤية مرتبطة ببناء الدولة الحديثة في كل من تركيا وإيران، وبوابة بناء تلك الدول الحديثة هي علاقة مع الغرب، وجسر العلاقة مع الغرب بالنسبة إلى تعريف النخبة السياسية فيهما هو إسرائيل، هكذا كانت المعادلة، إسرائيل لم تقم أهمية في ذلك الوقت للنظام العربي باعتبار أنها ترى نفسها جزءا من مثلث غير عربي يجمعها مع إيران وتركيا. ولأن السياسة جوهرها التغيير، فإن التغيّر الذي عصف بإيران وأنهى الملكية فيها كان في الحقيقة ضربة حقيقية لدائرة التحالفات التي كانت إسرائيل تصر على المحافظة عليها.

من هنا فإن الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 وما تبعها من تأسيس الجمهورية الإسلامية أصاب إسرائيل في مقتل على المدى البعيد، لا سيما وأن النظام السياسي الجديد أعلن وبوضح عدم شرعية الدولة العبرية واحتلالها لفلسطين، كما أعلن موقفا أكثر صدمة للإسرائيليين وهو أنه ينظر إلى إسرائيل كسرطان ويجب العمل على اجتثاثه من المنطقة.

هذا الموقف الإيراني المعلن تبعه إعلان دعم لأولئك الذين عانوا من الدولة العبرية واحتلالها عبر دعم حركة التحرير الفلسطينية سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية.

فقْد إسرائيل حليفا إقليميا مثل إيران جعلها تقرأ العلاقة مع تركيا بشكل مختلف، كيف لا وتركيا هي وريثة الدولة العثمانية السنية التي سيطرت على فلسطين وما حولها لأكثر من أربعة قرون، لذلك فالتركيز على العلاقة مع تركيا فيها منافع أخرى ربما تفوق العلاقة التي كانت قائمة مع إيران ذات الهوية الإسلامية الشيعية التي اختارت أن تتميز عن العرب مع تأسيس الدولة الصفوية في العام 1507 والتي أعلنت المذهب الشيعي الاثنى عشري مذهبا رسميا للدولة.

إن العلاقة مع تركيا كانت تحمل في عقود الستينيات والسبعينيات ورقة ضغط على الدول العربية التي تستشعر أن إسرائيل تمدد علاقاتها رغم النظرة العربية على أنها دولة محتلة. كما أن إسرائيل استخدمت تلك العلاقة لترسل رسائل سياسية بأنها حازت في علاقاتها مع تركيا شرعية دولة كانت مركزا لدولة الخلافة الإسلامية.

واذا كانت الشرعية والتاريخ مهمين لإسرائيل، فإن عوامل الاقتصاد والسياسة والأمن مهمة أيضا. فالتعاون العسكري بين البلدين الذي يظهر في التدريبات المشتركة وكذلك مشتريات الأسلحة والتحديث والصيانة، بلغ في العام 2008 أكثر من 1.07 مليار دولار.

أما بالنسبة للتعاون الاقتصادي فيشار إلى أن الصادرات التركية إلى إسرائيل بلغت في العام 2008 حوالي 1.53 مليار دولار. من جهة أخرى هناك حوالي 250 شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي التركية، كما أن هناك أكثر من 580 شركة تركية داخل أراضي 1948.

العلاقة التركية الإسرائيلية تطورت في ظل دعم دولي غربي تتزعمه الولايات المتحدة، فالعلاقة بين أنقرة والدولة العبرية كانت وستبقى جزءا من المصالح والأولويات الأميركية، فواشنطن على يقين أن الحلفاء الموجودين في منطقة الشرق الأوسط حاجة ضرورية، وكلما زاد عدد هولاء الحلفاء ضمنت الولايات المتحدة تحقيق أجندتها في المنطقة. في هذا السياق كان دور قاعدة أنجرليك في تركيا التي استخدمتها أميركا لتعزيز الحصار على العراق ومنع الطيران، كما أن واشنطن وكذلك حليفتها إسرائيل لم تجدا بدا من الاعتراف بدور تركيا في قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، ناهيك عن الدور التركي في أفغانستان ضمن حلف الناتو.

"
الصادرات التركية إلى إسرائيل بلغت في العام 2008 حوالي 1.53 مليار دولار, ويوجد حوالي 250 شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي التركية، كما أن هناك أكثر من 580 شركة تركية داخل أراضي 1948
"
لقد تطورت العلاقة بين البلدين في سياق سياسي مصلحي فيه قدر كبير من تجنب القضايا الخلافية، وربما ساعد على ذلك أن تركيا كانت في سياستها الخارجية تركز على موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأمام الرفض المتكرر من دول أوروبية مثل فرنسا بدأت في تركيا مراجعة تتعلق بأدائها في السياسة الخارجية، هذه المراجعة تتشابه في نتائجها بما قامت به الصين حين ركزت على مفردة الجغرافيا السياسية والعمل النشط ضمن تلك الحدود لتثبيت دور إقليمي وآخر عالمي لها. هذا المثل أيضا غير بعيد عن البرازيل بمنطقة أميركا اللاتينية.

إن تقديم تركيا نفسها كوسيط في عملية التسوية السياسية في منطقة الشرق الأوسط عزز من أهمية دورها، الأمر الذي دفع الغرب إلى أخذها بجدية أكبر، هذا الدور -في ما يبدو- نُظر إليه على أنه دور في اتجاه واحد، بعبارة أخرى دور يطبق ما تريده ما تسمى بالشرعية الدولية، لكن تركيا لعبت الدور بطريقة مختلفة.

فالوساطة التركية حاولت أن تترجم مقولة الوسيط النزيه إلى لغة الواقع السياسي، وهو الأمر الذي لا يبدو أنه أعجب إسرائيل والولايات المتحدة، ذلك أن تركيا أرادت أن يكون في دورها قدر من التوازن الذي لم تعتد عليه منطقة دائمة الانفجار مثل منطقة الشرق الأوسط.

إن الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، والحرب على غزة في العام 2008، واستمرار فرض الحصار على غزة، وعدم الرضا التركي عن التلكؤ الإسرائيلي بالنسبة للوساطة التركية بينها وبين سوريا، كلها عوامل سرًعت في الأزمة بين الطرفين، لكن ما خفي ربما كان أعظم، فتركيا تبدو مطّلعة على نوع من التحريض تقوم به إسرائيل ضد تركيا، هذا التحريض موجه للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك موجه لدول إقليمية بهدف تخويفها مما تقوم به تركيا، لا سيما بعد الدور التركي بمشاركة البرازيل في إقناع إيران بالتوقيع على صفقة تبادل اليورانيوم.

التحريض الذي تقوم به إسرائيل -وفق القراءة التركية- يقوم على الربط بين مجمل هذه المواقف وبين طبيعة حزب العدالة والتنمية ذي الأصول الإسلامية. في هذا السياق أيضا يجدر التذكير بعنصر آخر أثار قلق تركيا وهو المرتبط بعلاقة إسرائيل بحزب العمال الكردستاني الذي يوصف من قبل تركيا بأنه منظمة إرهابية.

الإصرار التركي على استخدام خطاب متشدد نحو إسرائيل يتجاوز مسألة دغدغة المشاعر إلى مرحلة تبدو أكثر أهمية وهي ترسيخ مفهوم أن المحاسبة من قبل ما يسمى بالنظام الدولي يجب أن تكون للجميع، ومن ذلك الجميع إسرائيل، وهي مسألة تحتاج إلى جهد كبير حتى تصبح مقبولة وحتى يتم تطبيقها. تركيا كذلك تستخدم الأدوات التي يستخدمها نفس اللاعبون الآخرون من حديث عن العدالة والشرعية والدولية وتحقيق السلم والأمن العالميين، ولسان حالها يقول هذه أدوات استعمالها مباح للجميع.

خسارة تركيا بعد إيران

"
عداء إيران لإسرائيل هو أحد عوامل تعزيز شرعية النظام السياسي في إيران، لكنه في الحالة التركية يبدو خلافا سياسيا عميقا قد يصل إلى درجة الجفاء والقطيعة لكنه لن يؤثر في شرعية النظام السياسي ومستقبله في تركيا
"
كما خسرت إسرائيل إيران قبل حوالي ثلاثة عقود وتحول الصديق الصدوق إلى عدو لدود، توشك أن تخسر تركيا خسارة في ظني لا يمكن أن تحتملها إسرائيل، وقبل ذلك لا تحتملها حليفتها الولايات المتحدة. الفرق بين العلاقة بين إسرائيل وكل من تركيا وإيران هو أنه في الحالة الإيرانية أن العداء لإسرائيل هو أحد عوامل تعزيز شرعية النظام السياسي في إيران، لكنه في الحالة التركية يبدو خلافا سياسيا عميقا قد يصل إلى درجة الجفاء والقطيعة لكنه بالنسبة إلى تركيا لن يؤثر في شرعية النظام السياسي ومستقبله.

إن الدور التركي في الشرق الأوسط يشبه موقف حالة السياسي الذي يختار إصلاح النظام السياسي من داخله، وهو موقف ربما لم يجد حتى الآن الدعم، وهو مختلف تماما عن ما يواجهه الموقف الإيراني الذي ينظر إليه بصفته موقفا يريد الإصلاح من خارج ما يسمى بالمجتمع الدولي. الشيء الوحيد الذي يبدو ملفتا للانتباه أن الموقفين كليْهما لا يعجبان عالم اليوم لأن إسرائيل مركز تلك المواقف.

تركيا تبدو واثقة من أن ما أنجزته لا يمثل برنامجا سياسيا لحزب بل لدولة، وأن من يحاول أن يقرأ ما جرى ويجري ويجعله مرتبطا بتيار سياسي بعينه إنما يستخف بتركيا التي تقدم نفسها كنموذج للقوى الناهضة التي تتصرف فيها الدول تصرف البالغين لا تصرف المراهقين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك