بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

انحرف الجدل الدائر حول حظر الحجاب في فرنسا عن مساره إلى حد بعيد، حينما تم تصويره في صورة صراع بين المسلمين الفرنسيين والعلمانية السياسية، في حين أن المسلمين الفرنسيين -والغربيين عموما- ليسوا ضد العلمانية، ولا من مصلحتهم أن يكونوا كذلك، ولا دعا أحد منهم إلى تأسيس "الجمهورية الإسلامية الفرنسية" أو فكر في ذلك. بل هم أول المستفيدين من العلمانية السياسية في الغرب.


العلمانية ليست قيمة أخلاقية في ذاتها، وإنما هي حل عملي لصراع القيم في مجتمع غير منسجم، وهو حل يتأسس على حرية الجميع، واحترام حق الاختلاف، فالعلمانية خادمة للحرية لا العكس
فإشكالية الحجاب لا صلة لها بقضية العلمانية، حتى وإن غلفها بذلك جاك شيراك والقادة الفرنسيون، وإنما هي ثمرة من ثمرات التعصب للثقافة الفرنسية والتراث الفرنسي، وتحيز فاضح لدين ضد دين، ولهوية ضد هوية، وهو ما يتناقض مع جوهر العلمانية.

إنه صراع بين الحرية الشخصية والتحيز، بين حرية العبادة والتسلط، وإلا فلماذا يوجد الحجاب في مدارس جميع الدول الغربية غير فرنسا؟ ولماذا اكتشفت فرنسا فجأة أنها غير علمانية، وأن عليها "تجديد علمانيتها" حسب دعوى جاك شيراك؟

لقد عرف معجم لاروس الفرنسي العلمانية بأنها "فصل الكنيسة عن الدولة"séparation de l’Eglise et de l’Etat، وهذا هو أدق تعريف لها، لأنه يضعها في سياقها الثقافي والاجتماعي، ويكشف عن حدودها الزمانية والمكانية، على خلاف التعريف المبهم الذي يستخدمه أنصاف المثقفين في الوطن العربي، حين يجردون العلمانية من سياقها التاريخي ويسبغونها بصبغة عالمية، فيعرفونها بأنها "فصل الدين عن الدولة".

وأمام تعريف "لاروس" ينبغي الوقوف عند عدة أمور:
أولها: أن العلمانية ظاهرة مسيحية، أعني أنها نتاج تاريخي لصراع داخل أحشاء مجتمع مسيحي، حاول فيه رجل الكنيسة مصادرة اختيار الناس بادعاء تفويض من الخالق لقيادة الخلق، فأوقفه الناس عند حده.

فليست العلمانية قيمة عالمية، بل حل عملي محلي، وحيث لا توجد سلطة كنسية متألهة فلا حاجة للعلمانية، لأن العلمانية ببساطة هي "فصل الكنيسة (وليس المسجد أو المعبد) عن الدولة". فلم يدع إمام المسجد تفويضا إلهيا لقيادة أمور الناس السياسية، حتى يتم الفصل بينه وبين الدولة، ولم يكن هنالك "وصل" من النوع الذي عرفه التاريخ الأوروبي يجعل الناس بحاجة إلى "فصل" من النوع الذي فعله الأوروبيون.

وثانيهما: أن العلمانية لم تكن هزيمة للمسيحية، ولا تقليصا لدور الدين في الحياة العامة –كما يعتقد أنصاف المثقفين عندنا– بل كانت هزيمة للكنيسة وانتصارا للمسيحية، وظل تأثير الدين في السياسة والثقافة الغربية عميقا جدا، كانت العلمانية قضاء على ادعاء كاذب وهزيمة لمؤسسة مستبدة، ولم تكن نقضا للقيم المسيحية بل هي تأكيد لها، وهي لم تنقص من التعصب والتحيز العميق الجذور في نفوس بعض المسيحيين الغربيين تجاه الإسلام وأهله.

وثالثها: أن العلمانية ليست قيمة أخلاقية في ذاتها، وإنما هي حل عملي لصراع القيم في مجتمع غير منسجم، وهو حل يتأسس على حرية الجميع، واحترام حق الاختلاف، فالعلمانية خادمة للحرية لا العكس.

إنها فك للارتباط بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الرسمية، هدفه خدمة حماية ضمير الفرد وعدم إكراهه على مسلك ديني لا يرضاه، أو منعه من مسلك ديني يقتنع به. بل إن العلمانية في بعض الدول مثل الولايات المتحدة كانت الغاية منها حماية الدين من تسلط الدولة، فهي هنا ترادف حرية التعبد.

فلننظر الآن لإشكالية الحجاب في فرنسا في ضوء هذه الاعتبارات النظرية،
لقد اشتمل التمهيد لقانون حظر الحجاب على تضليل إعلامي كبير، وتحيز ديني خطير. وأسوأ أنواع التحيز الديني هو ما عمد إليه شيراك في خطابه يوم 17/12/2003 حين ميز بين الرموز الدينية، وصنفها إلى قسمين تمهيدا للتمييز بينها في القانون.

فوصف الحجاب بأنه ostensible وهذا نعت في اللغة الفرنسية محمل بالمعاني السلبية، ومن معانيه "مزعوم" و"زائف" و"متفاخر" و"متباه" و"مولع بالتفاخر والتباهي".. إلخ، وهو يريد بذلك أن يسبغ كل المعاني السلبية على الحجاب، لكي يبرر الاعتداء على حرية الفتاة المسلمة.

وأما الصليب فوصفه شيراك في خطابه بأنه discret وهي كلمة ذات مدلولات كثيرة كلها إيجابية في هذا السياق، ومن ترجمات هذه الكلمة "متحفظ" و"عاقل" و"حكيم" و"كتوم" و"حذر" و"فطن" و"غير ملفت للنظر"... إلخ، والغاية من استخدام هذا الوصف للصليب هي إبقاؤه.

أما اعتراضه على الصليب "الكبير" فهو مجرد ديكور للإخراج وتغطية على التمييز العنصري والديني. وإلا فلا أحد سيحمل على منكبه صليبا طوله متران إلى المدرسة.

على أن الحجاب ليس رمزا أصلا، كالصليب والطاقية اليهودية، بل هو مفهوم أخلاقي، ولذلك لا يشترط فيه لون ولا شكل معين، وإنما هو أي غطاء للرأس والعنق بأي طريقة كان، ولو كان بآخر موضة من القبعات الباريسية!!

هل يعني هذا أننا نحمل خطاب الرئيس الفرنسي غير ما يحتمل؟ كلا! فقد كفانا شيراك نفسه مؤنة التكلف، حين عبر أكثر من مرة عن تحيزه ضد الإسلام، وازدرائه للمسلمين وثقافتهم وعاداتهم وحياتهم الاجتماعية عموما، ومن أمثلة ذلك حديثه باحتقار يوم 19/6/1991 عن الأسر المسلمة في فرنسا و"وفرة أبنائها" و"ضجيجها" وحتى "الروائح" المنبعثة منها حسب تعبيره.

وصرح بأن فرنسا ليست لديها مشكلة مع المهاجرين الأسبان أو البرتغاليين، إنما مع المهاجرين "المسلمين والسود"!! فهل نستغرب منه اليوم تحيزا ضد الحجاب؟!

ومن مظاهر التضليل ما روجت له وسائل الإعلام الفرنسية من أن الحجاب رمز للقهر، وأن الوالدين المسلمين يفرضانه على الفتيات بالقوة، ثم جاءت الأقدار بحادثة الفتاتين لمعى ليفي وليلى ليفي لتكشف الستر عن تلك الأكذوبة، فقد أصرت هاتان الفتاتان المسلمتان على الحجاب، رغم أن أباهما يهودي وأمهما مسيحية. فمن الذي فرض عليهما الحجاب يا ترى؟

وهكذا يتكشف أن حظر الحجاب لا يعدو أن يكون صيغة خشنة للطرد من فرنسا لكل أسرة مسلمة متدينة، وقد أوشك وزير التعليم الفرنسي على التصريح بذلك حينما قال "على من لا يحب الجمهورية الفرنسية الانتقال للعيش في بلد آخر"!! فهل هذا ما ينتظره مواطن من دولته التي تفاخر بأنها أرض حقوق الإنسان والمواطنة؟!


في تناقض صارخ يأتي قانون حظر الحجاب في وقت يعلن فيه شيراك عن إنفاق ملايين اليوروهات لحماية اليهود الفرنسيين من أعمال التحيز ضدهم، ويصف معاداة اليهود بأنها "طعنة في كرامة فرنسا وشرفها"
إن القارئ النبيه الذي يقرأ خطاب شيراك بإمعان لن تخطئ عينه الدوافع الموجهة لحظر الحجاب، ولن يجد بدا من التوصل إلى أنها دوافع التحيز الديني والثقافي ضد الإسلام، فقد جاء الخطاب مشحونا بهاجس الدفاع عن قيم المجتمع الفرنسي الدينية والاجتماعية، أكثر من اهتمامه بحماية العلمانية أو الديمقراطية.

فقد وردت في الخطاب كلمة "القيم" 14 مرة، منها أربع بصيغة "قيمنا"، كما وردت ألفاظ أخرى كثيرة مرادفة أو مقارِبة. هذا إلى الجمل الأخرى العديدة المعبرة عن هذا المعنى، مثل دعوته إلى ضرورة "صحوة الضمائر، لكي نعيد اكتشاف أصالة ورفعة ثقافتنا الفرنسية ونموذجنا الفرنسي باعتزاز"، وتحذيره من أن "تفقد فرنسا ميراثها، وتعرض نفسها للخطر، بل تفقد روحها وخلاصها".

وفي تناقض صارخ يأتي قانون حظر الحجاب في وقت يعلن فيه شيراك عن إنفاق ملايين اليوروهات لحماية اليهود الفرنسيين من أعمال التحيز ضدهم، ويصف معاداة اليهود بأنها "طعنة في كرامة فرنسا وشرفها"!! علما بأن عدد اليهود الفرنسيين حوالي نصف مليون، أما المسلمون فيزيدون على خمسة ملايين.

أما سكوت اليهود الفرنسيين المريب عن حظر الطاقية اليهودية في المدارس، وهم من يملأ الدنيا احتجاجا في مثل هذه المناسبات عادة، فيرجع إلى لعبة سياسية تهدف إلى صرف عداء الشعوب الأوروبية المتزايد لإسرائيل عن وجهته، وتوجيهه إلى العرب والمسلمين، وأبلغ وسيلة لذلك هي فتح جبهة حرب ثقافية بين الإسلام وأوروبا، كما فتح إخوانهم الأميركيون حربا إستراتيجية بين الإسلام وأميركا.

وفي زيارة الرئيس الإسرائيلي لفرنسا، وهي الأولى منذ 16 عاما، دليل كاف على اغتباط اليهود الفرنسيين والإسرائيليين بحرب الحجاب الدائرة اليوم.

وفي تناقض آخر دعا شيراك في خطابه إلى زيادة التعليم الديني (المقصود الكاثوليكي) في المدارس، وهو ينافح عن العلمانية. علما بأن الدولة الفرنسية "العلمانية" تمول مدارس دينية كاثوليكية يدرس فيها ملايين الطلاب والطالبات، ومدارس دينية يهودية يدرس فيها عشرات الآلاف.

وهذا ما يقودنا إلى كلمة عن الشخصية الفرنسية، إن لكل شعب خصائصه الثقافية الضاربة الجذور في تاريخه السحيق، ومن تلك الخصائص ما هو سلبي وما هو إيجابي. وليس من ريب أن في ثقافة الفرنسيين وتاريخهم الكثير مما يستحق الإعجاب والثناء، ويكفي أنهم من أشعلوا شرارة الثورة الفرنسية العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ البشري. كما أن فرنسا كانت وما تزال "مصنع الأفكار الأوروبية" كما وصفها الفيلسوف عبد الرحمن بدوي.

لكن من نقاط ضعف الفرنسيين تلك الغطرسة والاستعلاء الثقافي النابع من إيمانهم بتفوق قيمهم وثقافتهم على جميع القيم والثقافات، وعلى ضرورة الانصهار فيها لكل من جعلت منه الأقدار مواطنا فرنسيا، وكل من وطئت أرضه قوات فرنسية مستعمِرة.

وربما كان الأديب الفرنسي مونتين Montaigne مدركا لنقطة الضعف هذه في ثقافة قومه، فقد كان يحض مواطنيه على السفر، قائلا "إن السفر هو الذي يصقل عقولنا في رؤيتها للآخر".. لكن لسوء حظ مونتين فإن أبناء فرنسا لم يخرجوا منها ليوسعوا مداركهم بالاطلاع على ثقافات وحضارات مغايرة تكفكف من غرورهم، بل خرجوا منها لاستعباد الشعوب الأخرى، تحدوهم الأحلام بأمجاد الإمبراطورية.

ولو أن الفرنسيين احتفظوا بغطرستهم لأنفسهم، ودخلوا معترك القيم من باب التبشير والحوار والتنافس، لما كان عليهم من ملام، ولكنهم كثيرا ما لجؤوا إلى سلطان الدولة وقهر القانون بل وقوة السلاح لفرض قيمهم الاجتماعية والثقافية على من لا يؤمن بها، وما الثورة الجزائرية منا ببعيد.

على أن هذا التصرف ليس علامة صحية على وضعية الثقافة الفرنسية، فالثقافة التي تفرض قيمها على الغير بقوة القانون هي ثقافة غير واثقة من نفسها، ويبدو أن هذا حال الثقافة الفرنسية اليوم، فبعد انهيار الإمبراطورية الفرنسية بتصفية الاستعمار، وتراجع الفرانكفونية خارج حدود فرنسا أمام الثقافة الأنغلوسكسونية، وباسترجاع "أبناء المستعمرات" هويتهم وثقتهم في النفس، تبدو الثقافة الفرنسية اليوم في مأزق حرج، وهو ما يجعل فرنسا تميل إلى التعويض عن ذلك بالتعصب واستعمال قوة القهر بعد أن بهت الإشعاع. لكن العصا لم تكن في يوم من الأيام بديلا عن القلم، وسلطان الدولة لا يستطيع تغيير هوية الناس وأديانهم.


أصبح الإسلام عقيدة يدين بها عشر الفرنسيين وخمس البشرية، وليس أمام فرنسا سوى أحد خيارين: القبول بالإسلام جزءا من ثقافتها، أو اضطهاده وتحمل المسؤولية
وأخيرا يحسن أن نختم بالتنبيه إلى أمرين يحتاج الفرنسيون والمسلمون الغربيون الانتباه إليهما، كل من وجهته الخاصة، أما المسلمون الغربيون فعليهم إدراك أن عصر الحرية المجانية في الغرب قد ولى، فلم يعد كافيا الانزواء عن التيار الاجتماعي ونسيان الشأن العام، وترك الآخرين يناضلون من أجل الحريات الشخصية نيابة عنهم، ثم ينعمون هم بثمرات نضال أولئك وتضحياتهم.

فالوجود الإسلامي في الغرب يتسع، وردة الفعل السلبية تجاهه تتصاعد، تغذيها مواريث الماضي المترسبة في أعماق النفوس، وانتهازية تجار الحروب ومثيري الفتن وصراع الحضارات في كل عصر. وهذا التحدي يستلزم من المسلمين الغربيين استجابة على مستواه، تتمثل في الانخراط في العمل السياسي، وإسماع صوتهم، والنضال من أجل الحريات العامة والحقوق المدنية، وتحدي كل القوانين المتحيزة، وأولها قانون حظر الحجاب.

أما ما يحتاج أن يعلمه الفرنسيون اليوم فهو أن الإسلام في فرنسا لم يعد ظاهرة مهاجرة، بل هو عقيدة يدين بها عشر الفرنسيين وخمس البشرية، وليس أمام الدولة الفرنسية سوى أحد خيارين، القبول بالإسلام جزءا من ثقافة فرنسا وقيمها، وبالمسلمين جزءا من نسيج المجتمع الفرنسي، أو اضطهاد الإسلام والتمييز ضد المسلمين، وتحمل مسؤولية ذلك ونتائجه.

كما يحتاج الفرنسيون إلى إدراك أمر آخر لا يقل أهمية، وهو أن المرء قد يعجب بأفكار "روسو" و"مونتسكيو"، وقد يتذوق أشعار "شاتوبريان" و"هيغو"، دون أن ينسلخ من جلده أو حتى يحسر عن رأسه. وأن من كانوا مصابين بمركب النقص تجاه الثقافة الفرنسية لم يعودوا كذلك، فقد رضعوا لبان الثقافة الفرنسية وأدركوا نسبيتها، وعرفوا ما يأخذون منها وما يذرون.

لقد أصبح ابن المستعمرة والمهاجر الأمي مواطنا وإنسانا متعلما، يحترم ذاته ويؤمن بدينه وقيمه الخاصة. وما على فرنسا سوى القبول بذلك، فكل شيء في هذه الدنيا يتغير سوى قانون التغير. و"تلك سنة الحياة"!!

ـــــــــــــــ
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف