خالد شمت - برلين


بصوت جهوري ينادي عثمان أوغلو "رخيص رخيص رخيص" و "أفضل طماطم في برلين"، ساعيا للفت أنظار المارة لبضاعته المعروضة في "سوق الأتراك" بقلب العاصمة الألمانية.

ويرد بائع مجاور على عثمان مناديا "لا أحد لديه باذنجان أفضل مما عندي"، وعلى غير بعيد من الاثنين يعلن أرغون وزوجته حلية عن اسماكهما الطازجة "الواردة من بحار تركيا الأربعة"، ويبدي جانبا من المارة تجاوبا مع أصوات باعة السوق التركي، ويمضي آخرون بطريقهم بحثا عما يحتاجونه من بضائع معروضة في 150 متجرا تتراص بالسوق المصنف كثاني أكبر اسواق برلين الشعبية.

وتضم معروضات هذا السوق البرليني الشعبي إضافة للخضروات والفاكهة والأسماك أنواعا لا حصر لها من التوابل والمخبوزات، وسبعين نوعا من الأجبان، إلى جانب اللحوم و العسل و النقانق المدخنة والمخلالات والمكسرات والزهور والنباتات والأقمشة والملابس والحقائب والأحذية.

لأدوات الحياكة مكانها الخاص بالسوق التركي في برلين (الجزيرة)


ويقول بائعو "سوق الأتراك" إنه ليس هناك شيء "غير موجود" بسوقهم الذي تباع فيه البضائع بأثمان زهيدة، تقل بكثير عن أسعار متاجر برلين، و يفخر عثمان أوغلو صاحب أطول متجر بالسوق بمنح مشتري خضرواته وفاكهته وصفات لصناعة وجبات وأطعمة تركية لذيدة.

وأشار عثمان -للجزيرة نت- إلى أن السوق الذي يعمل به منذ أكثر من ثلاثين عاما يتميز بأشياء عديدة لا توجد بمتاجر مماثلة ببرلين، من أهمها الفصال بين البائع والمشتري.

ويقع "سوق الأتراك" على ضفاف مجرى مائي يفصل أشهر حيين شعبيين برلينين، هما كرويتسبيرغ الذي يٌطلق عليه إسطنبول الصغري بسبب كثافته السكانية التركية المرتفعة، وحي نوي كولن المسمي بحي العرب، لأنه يضم عدد كبيرا من المتاجر والمطاعم والمقاهي العربية.

وتأسس السوق التركي عام 1881 بخمسين متجرا زاد عددهم عام 1930 إلى 700 تناقصوا بحقبة السبعينات بمواجهة انتشار مجمعات التسوق والمتاجر الكبرى، وفي الستينات حمل السوق أسمه الحالي، بعد أن توافد عليه الأتراك من الجيل الأول للهجرة التركية للعمل كبائعين لدي التجار الألمان، قبل تحولهم لامتلاك متاجرهم الخاصة.

بداية السوق  تشهد مهرجانا موسيقيا وغنائيا في أشهر الصيف (الجزيرة)



ويمثل الأتراك حاليا أكثرية البائعين بالسوق الذي يقام أسبوعيا يومي الجمعة والثلاثاء، محافظا على زبائن يترددون عليه يزيدون عن مليون شخص سنويا، رغم مواجهة متاجره منافسة قوية من متاجر تركية وعربية تنتشر بالأحياء المختلفة للعاصمة الألمانية.

وقالت نوران البائعة الأربعينية للجزيرة نت، إنها بدأت وهي تلميذة بالمدرسة المتوسطة بالثمانينيات العمل في السوق كمساعدة لأخيها، وأشارت إلى أن ابنتها التي أنهت دراسة الاقتصاد بالجامعة، وأبنها طالب الثانوي، رفضا مساعدتها بعد توليها مسئولية المتجر لرغبتهما بالتركيز على دراستهما.

ولفتت البائعة التركية إلى أن عملها يتعدي البيع والشراء للدخول أحيانا بنقاشات مع زبائنها حول الإندماج والإسلام.

ويؤمن فؤاد عتيق تاجر الفواكه المجففة على حديث مواطنته مشيرا إلى أن السوق يتحول إلى نقطة جذب للصحفيين الألمان، بمجرد تجدد النقاشات المستمرة حول المسلمين والاندماج. وأشار إلى أن هذا سبب له وكثير من زملائه حساسية من الصحافة والتصوير.

ولفت عتيق - الذي يعد من أقدم التجار بالسوق التركي- إلى تحول ملحوظ شهده السوق مؤخرا هو اهتمام تجاره بفئة جديدة من الزبائن تزايد إقبالها عليه، من أصحاب الدخول المرتفعة الباحثين عن التنوع، إضافة لاهتمامهم بالزبائن التقليدين المهتمين بالأسعار الرخيصة والكم الكبير.

وتشيرالإحصائيات إلى أن الأتراك والألمان والعرب هم أكثرية المترددين على السوق الذي تحول بالسنوات الأخيرة لمعلم سياحي برليني ، ينتمي زائريه إلى 180 جنسية.

وتختلف أسباب زيارة زبائن السوق له بين زبون وآخر، فأم مصطفي العربية المقيمة ببرلين تحرص على شراء احتياجاتها الغذائية الأسبوعية من سوق الأتراك بسبب رخص أسعارها ، وأوضحت أن سعر كيلو البرتقال أو الموز أو التفاح علي سبيل المثال لا يتجاوز يورو مقابل الضعف أو أكثر بالمتاجر العادية.

مقلد لجحا يقدم هدايا لأطفال أتراك بعد الجمعة بالسوق في السوق التركي ببرلين (الجزيرة)



وبنفس السياق قال شتيفان الطالب الجامعي أنه يفضل الحضور للسوق مساء الثلاثاء والجمعة لشراء الخضروات والفاكهة، التي تكون زهيدة السعر لرغبة التجار بعدم العودة بها بنهاية اليوم، وأشار إلى أنه بكل مرة كان يشتري فيها كيلو من الفاكهة يحصل من التاجر على نصف كيلو أو كيلو هدية.

وذكرت كاترينا الباحثة الأكاديمية أن المعروضات العربية والتركية وروائح البهار والبخور والأطعمة الشهية تجعل للسوق التركي روحا غير موجودة في 250 سوقا شعبيا تتوزع على أحياء برلين المختلفة ، وقالت للجزيرة نت أنها حريصة على زيارة السوق أسبوعيا لاستنشاق روائح الشرق وتناول البوريك وفطائر الجبنة والسبانخ والبطاطس التركية التي تقدمها مطاعم السوق الجاذبة لزائرين كثر.

وأشار راينر بريسكا المسئول الإداري للسوق التركي إلى أن التنوع الثقافي الموجود بالسوق بضائع وبائعين وزبائن أضفى عليه جاذبية، جعلت شركات سياحية تضعه ضمن برامج رحلاتها الداخلية والخارجية.

ونوه بريسكا لتحول السوق بالعقود الأربعة الأخيرة إلى مركز لأتراك ألمانيا المقدرين بنحو 2.5 مليون نسمة ويمثلون أكبر وجود للأتراك خارج بلادهم، وأشار إلى تزايد الإقبال صيفا على السوق بسبب الفعاليات الموسيقية والغنائية التي تقام بمقدمته .

المصدر : الجزيرة